تحقيق إخباري

إطلاق القدرات المدفونة في العلماء الصغار

يجرّب المعلمون في جميع أنحاء العالم طرقًا جديدة لتعليم باحثي المستقبل، بدءًا من مرحلة ما قبل المدرسة.

مونيا بيكر
  • Published online:

<p>اكتشف أطفال في حضانة ألمانية للتوّ كيفية صنع «إعصار في زجاجة».</p>

اكتشف أطفال في حضانة ألمانية للتوّ كيفية صنع «إعصار في زجاجة».

Christoph Wehrer/Stiftung Haus der Kleinen Forscher


كان الأطفال الذين تبلغ أعمارهم خمس سنوات يؤمنون بأن الأشجار هي التي تصنع الريح عندما تهز فروعها، لكن لم يكن معلِّمهم يصحّح معلوماتهم الخاطئة، بل يسألهم ـ بدلًا من ذلك ـ عمّا إذا كان أحد منهم قد رأى ريحًا في مكان لا توجد فيه أشجار من قبل. ذكر أحد الصبية زيارة لشاطئ البحر ذات مرة، رأى فيها الريح تثير المياه والرمال، ولم ير أي أشجار في الأفق، ولاحظ طفل آخر أن السيارات المتحركة تثير الأوراق المتساقطة؛ لتتطاير في حركة دائرية. وبذلك.. يقرر الأطفال أنه ربما ليست الأشجار هي مصدر الرياح.

هكذا يمضي يوم عادي للمشاركين في «بيت العلماء الصغار» Haus der kleinen Forscher في ألمانيا، وهو البرنامج الذي نما في أقل من عقد من الزمن، ليصل إلى نحو نصف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وست سنوات هناك. بعد إطلاقه في عام 2006 من قِبَل مجموعة من كبار رجال الأعمال الألمان، الذين كانوا في حالة فزع من الأداء الباهت لبلادهم في امتحانات الطلاب الدولية. تلقَّى برنامج «بيت العلماء الصغار» دعمًا وتمويلًا من الحكومة الاتحادية في عام 2008. واليوم، تعمل أشكال مختلفة من هذا البرنامج أيضًا في أستراليا، والنمسا، وهولندا، والبرازيل، وتايلاند، متضمنةً 14,000 مركز في تايلاند وحدها.

إن «بيت العلماء الصغار» ليس سوى أحد البرامج العديدة التي تُقَدَّم حول العالم؛ لتحفيز القدرات العلمية لدى الشباب، من خلال مشاركة فعالة مع العالم المحيط بهم. وقد تم التحقق من فعالية هذا النهج من خلال مئات الدراسات التجريبية. يقول جاي لابوف، المستشار التعليمي الأول في الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم، وهي واحدة من العديد من المؤسسات المؤيدة لهذا النمط التعليمي: «لا يعني ذلك تعلُّم المضمون كشيء يمكنك حفظه واجتراره، بل كمادة أولية تصلح لتشكيل الروابط، ورسم الاستدلالات، وخلق معلومات جديدة. باختصار.. هو تعلّم كيفية التعلم». وترسم هنا دورية Nature ملامح النماذج المبتكرة لمثل هذه الأنشطة، منذ مرحلة ما قبل المدرسة، وحتى الجامعة، فإذا أراد أحدهم أن يحوّل طفله إلى عالَم مستقبلي للقرن الواحد والعشرين، فهذا هو المنهج المناسب.


إجراء التجارب في مرحلة ما قبل المدرسة

يمثل «بيت العلماء الصغار» خروجًا عن الدور التقليدي للمعلمين، حسب قول كريستينا جوث، مدرّسة رياض الأطفال التي تشارك في البرنامج. وتقول: «عليك في هذا البرنامج أن تكون مستعدًا للقيام بأمور، قد لا تؤدي إلى نتيجة مع الأطفال، فهم لن يأخذوا معهم إلى المنزل شيئًا يمكن أن يعرضوه على والديهم». وبدلًا من ذلك.. يحاول المعلمون الذين تدربوا على هذا الأسلوب دفْع الأطفال لطرح أسئلة حول الظواهر الطبيعية، والأمور المتعلقة بالحياة اليومية. ومع إجابات الأطفال الساذجة (كالقول مثلًا إن أوراق الأشجار المهتزة تثير الرياح)، يساعدهم المعلمون على القيام باختبارات؛ للتأكد من صحة تلك الإجابات، ومحاكاة طريقة ممارسة الباحثين الكبار للعلم في الواقع، ولكن كما هو الحال مع الاكتشافات العلمية، فنقاط النهاية ليست مؤكدة، حسب رأْي جوث، التي تقول: «كان عليَّ أنا شخصيًّا أن أكون قوية بما يكفي، لكي لا أضع توقعات في مسألة علمية محددة للأطفال، بل السماح لهم باتخاذ القرار، وطرح الأسئلة، والاستكشاف».

في وحدة تتحدث عن «المياه»، على سبيل المثال، جادل طفل يبلغ من العمر خمس سنوات بأن قطعة اليورو النقدية يمكنها جمع قطرات ماء أكثر من قطعة الخمسين سنتًا التي تكبرها حجمًا، لأن الأولى تستطيع شراء أشياء أكثر. وقام هو ورفاقه بحساب عدد القطرات التي يستطيعون تنقيطها على أسطح القطع النقدية. وفي النهاية، لم يتمكن الأطفال من التوصل إلى إجابة محددة، ولكن كما تقول جوث: «لا بأس بهذا، فإن الغاية هي إثارة الأسئلة، والتيقّن من إمكانية الاستكشاف العقلاني».

تبدأ الأنشطة مع الأغراض والتجارب المألوفة بالنسبة إلى الأطفال، التي يمكنها أن تكون مجالًا للكثير من الإبداع عند تطبيق البرنامج في أماكن وأوساط ثقافية مختلفة. فالنسخة الأسترالية مثلًا لا يمكنها الاعتماد على معرفة الأطفال بالأجواء الشتوية؛ وتركّز ـ بدلًا من ذلك ـ على مكعبات الثلج. أما في تايلاند، فيعتمد أحد الأنشطة على فوانيس السماء.. وهي بالونات هواء ساخن صغيرة، شائعة الاستعمال في احتفالات الأعياد. فمهما تكن طريقة إعداد الاختبارات، يقول الأطفال إنهم يستمتعون بإجراء تجاربهم المرتجَلة، ويقول المدافعون عن البرنامج إنه في هذه العملية يتعلم الأطفال دروسًا قيّمة عن كيفية التخطيط، وحل المشكلات، ناهيك عن اكتساب الثقة بالنفس، لكن للأسف.. سيكون من الصعب تحديد تأثير البرنامج على الطلاب، حسب تحذير مريام ستيفنسكي، معلمة الكيمياء في معهد لايبنتز لتدريس العلوم والرياضيات في كييل بألمانيا. وإذا تجاهلنا كل المشكلات، كما تقول، فالمقارنات ستكون صعبة، لأن المعلمين في كل موقع لديهم الحرية في تنفيذ منهج «بيت العلماء الصغار» بطرق مختلفة. ومع ذلك.. فإن الأكاديمية الألمانية للعلوم والهندسة ـ إلى جانب مؤسسات تعليمية أخرى ـ قد كلفت ستيفنسكي والعديد من الباحثين الآخرين بإجراء تقييمات مستقلة للبرنامج. وسوف تستمر الدراسات لثلاث سنوات، كما تضم مجموعات ضابطة، سوف تغطي مئات الطلاب من عشرات المراكز؛ لمعرفة ما إذا كان البرنامج يعزز المهارات اللغوية والعلمية لدى الأطفال، أم لا.

وبرغم أن هذه التقييمات لن تكتمل قبل حلول العام المقبل، أظهر استبيان أُجري في عام 2013، وشارك فيه أكثر من 3,000 معلم، أنهم يشعرون بالمزيد من الثقة، ويستمتعون بتدريس العلوم. تقول جوث: «كل ما عليك فعله هو إتاحة المكان، والوقت، والإمكانيات للأطفال. آمِنْ بقدرتهم على حل الألغاز، وستجدهم يَقدِرون».


متعاونو المدارس الثانوية

إن معهد هْوا تشونج (HCI) هو مدرسة ثانوية للنخبة في سنغافورة، يُقْبَل فيه الطلاب الأفضل أداء فقط، ثم يتيح لهم استعمال المعدّات المتطورة ـ بما في ذلك مجهر القوة الذَّرِّيَّة، وحاضنات زراعة الخلايا ـ التي تتمناها جامعات عديدة، ولكن بالنسبة إلى مديرة الدراسات، هار هْوي بنج، فهو غير كاف.. فلطالما رغبت في إعطاء طلابها تحديًا إضافيًّا، وإذاقتهم نكهة أداء العمل العلمي في العالَم المترابط. كانت الفرصة قد سنحت لها قبل عقد من الزمان بلقاء مصادفة مع جورج وولف، المُرَبِّي الأمريكي، الذي قال لها إنه كان بصدد إنشاء أكاديمية العلوم (AoS)، وهي مدرسة ثانوية انتقائية، يموِّلها القطاع العام في ستيرلينج، فرجينيا، حيث يمكن للطلاب تصميم وإجراء البحوث. واكتشف كلاهما الفرصة الفريدة، التي يمكنهما من خلالها تعليم طلابهما المهارات الأساسية للعلم في القرن الواحد والعشرين، وهي «التعاون».

في شهر أكتوبر، أو نوفمبر، من كل عام منذ 2006، يسافر نحو اثني عشر طالبًا من طلاب معهد هْوا تشونج، الذين تتراوح أعمارهم بين 14، و15 عامًا، إلى أكاديمية العلوم؛ لبدء المشروعات البحثية، التي تستمر لمدة سنة دراسية كاملة. ويتم العمل ضمن فِرَق تتشكل من أربعة طلاب ـ اثنين من كل بلد ـ على مشروعات معينة، مثل فحص اليرقات؛ بحثًا عن المركّبات المضادة للميكروبات. وبعد تسعة أشهر، ينضمّ طلاب أكاديمية العلوم إلى زملائهم في سنغافورة؛ لاستكمال التحليل النهائي، والإعداد لتقديم النتائج.

في البداية، فرضت أنماط ثقافية معينة نفسها، على حد قول آشلي فيرجسون، التي شاركت في البرنامج كطالبة في أكاديمية العلوم. كان الطلاب الأمريكيون «أكثر إبداعًا وتدفقًا»، كما تقول، في حين كان زملاؤهم في معهد هْوا تشونج أكثر تركيزًا وتوجيهًا، فقد وضعوا في اعتبارهم الأدوات المتاحة، والتجارب التي يمكن تصميمها حولها. «كان تعلّم بعض هذا التفكير الأكثر تنظيمًا مفيدًا لنا»، كما تقول فيرجوسون، التي باتت الآن من الطلاب الأقدم في جامعة فيرجينيا في شارلوتسفيل.

<p>بحوث المختبر الصيفية لطالبة ملتحقة بدورة العلوم المتكاملة في جامعة ريتشموند.</p>

بحوث المختبر الصيفية لطالبة ملتحقة بدورة العلوم المتكاملة في جامعة ريتشموند.

Univ. Richmond


أمّا إرنست تشين، الذي تخرَّج في معهد هْوا تشونج، ويدرس الآن في جامعة كمبريدج بالمملكة المتحدة، يقول إن المشروع علّمه أهمية التواصل. فعندما اصطدم بعقبة في مشروعه الذي يدور حول تعديل بوليمر كيميائيًّا؛ لامتزاز أيونات المعادن المحلولة، أراد هو وطالب آخر في فريقه من معهد هْوا تشونج إحداث تغيير في الأساليب، مما سبب إزعاجًا لزملائهما في أكاديمية العلوم، الذين كانوا يريدون الالتزام بالبروتوكول المتفق عليه. وأدَّت الرسائل الإلكترونية المتبادلة إلى تعليم الجميع مهارات المثابرة والإقناع. فـ«بدلًا من إرسال الرسالة الأولى قائلًا: «سأقوم بتغيير هذا الأمر»، سأقول: «لقد حاولنا فعل ذلك، لكنه لم يُجْدِ نفعًا، لذا.. نريد تغييره». وبذلك.. يظل أعضاء الفريق بعد عدة سنوات على اتصال عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

يتفق هار ووولف على أن الأمر الأكثر أهمية هو تعلم العمل بفعالية كفريق واحد، وتبدأ المرحلة الأفضل حين «يبدأ الطلاب في الاهتمام ببعضهم البعض». فمثلًا، يحرص الطلاب في مدرسة واحدة على التأكد من استكمال الجزء الخاص بهم من المشروع، قبل حلول وقت امتحانات المدارس الأخرى، لإعطاء زملائهم وقتًا للدراسة، كما تقول هار.

يقول وولف ـ الذي يشغل الآن منصب مدير أكاديمية العلوم ـ إن هذا الاعتبار هو النقطة الأهم، ويقول أيضًا: «إن مهمتنا هي تعليم الأطفال ممارسة العلوم. فإذا نظرتم إلى ما يقوم به العلماء في الواقع، ستجدون أنه لا أحد يعمل بمفرده».


الباحثون المراهقون

يجري كال هيويت حساباته الفيزيائية عن طريق شبكة من أجهزة الكمبيوتر الموزعة، والمجهَّزة في المملكة المتحدة من قِبَل مختبر سيرن (CERN)، وهو المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات، الموجود بالقرب من جنيف في سويسرا. وباستعمال ما يعادل حوالي 40,000 جهاز كمبيوتر شخصي، يعمد هيويت وزملاؤه إلى حساب أنواع وطاقات ومسارات جسيمات، تم اكتشافها من خلال تجربة أُنشئت في مؤسسته، وأُطلقت إلى الفضاء في العام الماضي. ويمكن للنتائج التي توصلت إليها المجموعة اقتراح سبل؛ لمنع تَلَف الأقمار الصناعية، وربما وَضْع نظريات حول مصدر الأشعة الكونية خارج المجرّة. ومع القليل من الحظ، سيتحقق ذلك قبل أن يبلغ هيويت الثامنة عشرة من عمره.

وهيويت طالب في مدرسة سيمون لانجتون في كانتربوري بالمملكة المتحدة، حيث يقوم الطلاب بشكل روتيني بتصميم وأداء تجارب حقيقية وطموحة. وقد قدّم بعض الطلاب ـ ومن ضمنهم هيويت ـ أعمالهم في مؤتمرات علمية؛ كما نشر القليل منهم أبحاثًا أصلية في الدوريات التي تخضع لمراجعة الأقران.

إن فلسفة المدرسة بسيطة، وفقًا لقول بيكي باركر، التي تدير مركز «لانجتون ستار»، الذي يتولى البرامج البحثية في المدرسة: «لنمنح الطلاب فرصة لممارسة العلم الحقيقي، وتذوُّق لذة الاستكشاف».

إن «سيمون لانجتون» هو معهد للنخبة، تموِّله الدولة، ويتم قبول الطلاب استنادًا إلى اختبار للقدرات في سن الحادية عشرة. وقد بدأ اتجاه المدرسة نحو بحوث المراهقين قبل عقد مضى، عندما قررت باركر الاشتراك في برنامج يمنح طلاب المدارس الثانوية الحقّ في التواصل عن بُعْد مع التليسكوبات في أستراليا وهاواي. وبدلًا من اللجوء إلى العروض الاعتيادية التي يقدمها المعلمون، سلّمت باركر زمام الأمور للطلاب، الذين استفادوا من حريتهم لتأكيد وجود ستة من الكويكبات المعروفة، بالإضافة إلى مداراتها التي تقرّبها من الأرض، كما اكتشفوا كوكبين جديدين.

في الوقت نفسه تقريبًا، اشترك طلاب لانجتون في مسابقة يديرها المركز البريطاني الوطني للفضاء، لتصميم تجربة يمكن أن تُجرى في الفضاء، معتمِدِين على تقنية الكشف عن الأشعة الكونية، التي كانوا قد تعرفوا عليها في رحلة ميدانية إلى مختبر سيرن. عرَض منظمو المسابقة إطلاق البرنامج، إذا تمكَّن الطلاب من إيجاد تمويل له؛ وقد تمكنوا من ذلك بالفعل. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المشروعات البحثية من العيار الثقيل تتصدر الأنشطة غير الصَّفِّيَّة للطلاب.

«كان عليَّ أنا شخصيًّا أن أكون قوية بما يكفي، لكي لا أضع توقعات في مسألة علمية محددة للأطفال، بل السماح لهم باتخاذ القرار، وطرح الأسئلة، والاستكشاف».

يُجْرِي الطلاب الآن عمليات حسابية على بيانات من «كاشف الأجسام الغريبة وحيدة القطب في مصادم الهادرونات الكبير» MoEDAL الخاص بمختبر سيرن، للبحث عن بعضٍ من أكثر الظواهر الفيزيائية غرابة، كالثقوب السوداء المجهرية. إن لانجتون هي المدرسة الثانوية الوحيدة المشارِكة كعضو كامل في أي تعاون رئيس له علاقة بفيزياء الجسيمات، حسب قول جيمس بينفولد، وهو عالِم في فيزياء الجسيمات بجامعة ألبرتا في إدمونتون بكندا، والناطق الرسمي لتحالف MoEDAL. يقول: «أقنعنا عملهم في الفضاء بقدرتهم على إنجاز المهمة المطلوبة».

في مكان آخر من المدرسة، يستخدم فريق من الطلاب التحليل الجيني؛ لاستيلاد وتقييم سلالات قمح مقاوِمة للجفاف، ويسعى فريق آخر للكشف عن الآليات الجزيئية لمرض تصلُّب الأنسجة المتعدد، وهو مشروع تَطَلَّب إذنًا لإجراء التعديل الوراثي في الخميرة؛ ليتسنى للطلاب البحث في الجينات البشرية عن البروتين الأساسي لتكوين المايلين، وكانت لانجتون هي أول مدرسة ثانوية تحصل على مثل هذا التصريح. وتقدِّر باركر إسهام لانجتون الطلابية بـ%1 من مجمل الطلاب، و%2 على الأقل من الطالبات الإناث، الذين ينضمون إلى برامج الفيزياء الجامعية في المملكة المتحدة.

هناك مدارس ثانوية أخرى أيضًا تشجع البحوث التي يقودها الطلاب، لكن حجم ومجال ونوعية العمل في مركز لانجتون تضعها في مكان بارز. ولدعم العمل، قامت باركر وطلابها بجمع الأموال من هيئات كالحكومة المحلية ومنظمات العلوم الوطنية. وتمكنت هذه التمويلات من دعم وجود مختص بفيزياء الجسيمات للعمل بدوام كامل في مدرسة لانجتون، لتقديم المشورة للطلاب، وبناء القدرات البحثية في المدارس الثانوية الأخرى.

تشيد الغالبية بدور باركر في نجاح المدرسة العلمي؛ ففي وقت ما، اقتصر عدد فرق المشروعات على عدد الطلاب الذي يمكن نقلهم في سيارتها، لكن باركر تقول إن المعلمين توّاقون لتقديم الوقت اللازم للبحوث اللاصفية بمجرد أن يروا الممكن منها.

ولنَشْر أفكار لانجتون تلك، سيكون مشروع باركر القادم هو معهد البحوث في المدارس، الذي سيدعم مدرّسي العلوم في المدارس الراغبين في إطلاق مشروعات بحثية حقيقية. وهكذا ينبغي أن يكون التعليم، كما تقول كيتلين كوك، الطالبة في مدرسة لانجتون، التي تعمل في فريق MoEDAL. وتتابع بقولها: «لأننا قد جربنا بالفعل الكثير من العمل، اتضحت لنا حقيقة بحوث الفيزياء». وتوافقها في ذلك زميلتها فلور بوميروي، التي تقول: «لماذا يتساءل الناس عن سبب قيامنا بعلم حقيقي وجاد؟».

 

طلاب جامعيون متعددو التخصصات

حين خَطَّطَ تايلر هايست لسنته الأولى في الجامعة، قرر أن يلقي بنفسه في العلم دون حدود. واستفاد في ذلك من حقيقة أنه برغم أن معظم دورات العلوم في الجامعات تُدار من قِبَل إدارات فردية، وتركز على تخصّص واحد، إلا أن صفّ العلم الكَمِّي المتكامل في جامعة ريتشموند في ولاية فرجينيا يعرض في الوقت نفسه مقدمات لخمسة تخصصات: الأحياء، والكيمياء، والفيزياء، والرياضيات، وعلوم الكمبيوتر. والأفضل من ذلك أنه يتم تنظيم الدروس في الدورة، لتتضمن مشكلات متعددة التخصصات، مثل مقاومة المضادات الحيوية، والاستجابات الخلوية للحرارة. وفي عام 2010، تَقَدَّمَ هايست بطلب لأحد المواقع العشرين المتاحة في هذه الدورة، وتم قبوله. ومستلهمًا بتلك التجربة.. سيبدأ في وقت لاحق من هذا العام أعمال رسالة الدكتوراة في نُظُم المعلومات البيولوجية في جامعة برينستون في نيو جيرسي.

نشأت أصول الدورة المتكاملة عن تقرير صدر قبل أكثر من عقد من الزمان. وقد خلُص فيه مجلس الأبحاث القومي الأمريكي إلى أن الأبحاث البيولوجية قد تغيرت بشكل كبير؛ لدمج العلوم الفيزيائية والحاسوبية، ولكن التعليم البيولوجي لم يتغير. وقد اعتقدت أبريل هيل، أستاذة الأحياء في جامعة ريتشموند، أن أفضل طريقة لإصلاح هذه المشكلة تتمثل في إعادة تنظيم الدورات التمهيدية، لمراجعة المفاهيم الأساسية من عدة تخصصات عبر عدسة الأسئلة العلمية الحقيقية، بدلًا من أخذ الطلاب في مسيرة تقليدية عبر التخصصات، واحدًا تلو الآخر. وقد طبَّقت هيل وزملاؤها برنامجهم لأول مرة في عام 2009.

وعلى الرغم من أن الدورات متعددة التخصصات تُعتبر بالكاد جديدة، فقد برز نهج هيل، لجَمْعه بين خمسة تخصصات متميزة، ولاستهدافه صفوفًا تمهيدية، وتضمين بعض البحوث المختبرية المدفوعة في الصيف التالي للدورة. تقول إلين جولدي ـ التي ترأس قسم الأحياء في كلية ووفورد في سبارتانبورج بولاية ساوث كارولينا ـ إن الجهد الذي بذلته جامعة ريتشموند قد ألهم المعاهد الجامعية الأخرى؛ لإعداد برامج مشابهة. وتقول: «ثمّة نموذج موجود الآن، ولذا.. لن يحتاجوا إلى إعادة اختراع العجلة من جديد».

تقول هيل إن الجهد الإضافي المطلوب لدمج تخصصات متعددة يؤتي أُكُلَه بشكل أفضل من المتوقع؛ فقد سهّلت الدورة التعاون بين التخصصات المختلفة، بناءً على الشبكات الجينية التي تتحكم في تطور معظم الكائنات الأساسية متعددة الخلايا. وتقول أيضًا: «الآن، وقد أمضيت ست سنوات من التدريس متعدد التخصصات، لا أستطيع أن أتخيل نفسي دون أن أقوم به».

في عام 2012، تَضاعَف عدد الطلاب الملتحقين بالدورات الجامعية متعددة التخصصات في الجامعة، وتضاعفت كذلك الجهود المبذولة لتجنيد طلاب من الأقليات. وثمة برنامج مرافق، يُسمى «سمارت» SMART، هو في عامه الثاني الآن، ويخدم الطلاب الذين تلقوا إعدادًا دراسيًّا ثانويًّا أقل صرامة. ويساعد البرنامج الصيفي الذي يُجرى قبل الالتحاق بالكلية، الحافل بالتوجيهات والرياضيات، على إعداد الطلاب للدورات متعددة التخصصات. وقد تمكَّن أكثر من %30 من الطلاب الذين التحقوا بالصف المتكامل في عامي 2009 و2010 من البدء في برامج الدكتوراة. ومِن المرجَّح أن يتمكن الطلاب الذين يلتحقون بالدورات المتكاملة من التخرج من أحد برامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة، وتبلغ نسبة هؤلاء %92 بالمقارنة بـ%60، أو أقل من الطلاب الجامعيين الآخرين الذين يلتحقون بهذه البرامج من البداية، كما أنهم يحضرون مجموعة من الصفوف الأكثر تنوعًا.

يقول هايست ـ على سبيل المثال ـ إن البرنامج قد ساعده على اجتياز صفوف المستويات الأعلى، التي تطلَّبت منه قراءة أدبيات الأحياء الأولية التي تضمَّنت مفاهيم من الفيزياء، أو علوم الكمبيوتر، ويثني على الدورة لتوسيعها مداركه في سبل الاستكشاف العلمي، كما يقول: «يجعلك ذلك تعيد النظر في القيود التي تضعها على تلك الأمور».