أخبار

حقنة ذكية تجعل نيجيريا على مقربة من اجتثاث مرض شلل الأطفال

تَبَنَّتْ نيجيريا أحدث أبحاث وأساليب التطعيم المبتكرة.

إوين كالاواي
  • Published online:

<p>عاملة صحة تُطعِّم طفل بلقاح فيروس شلل الأطفال في كانو، شمال نيجيريا في عام 2013. </p>

عاملة صحة تُطعِّم طفل بلقاح فيروس شلل الأطفال في كانو، شمال نيجيريا في عام 2013.

BEN SIMON/AFP/Getty Images

(تحديث: في الرابع والعشرين من يوليو الماضي، شهدت نيجيريا مرور العام الأول على ظهور آخِر حالة لشلل الأطفال، ذلك المرض الذي يسببه الفيروس البري. سيتم شطب منطقة غرب أفريقيا من قائمة الدول المتوطِّن بها مرض شلل الأطفال، فور الانتهاء من الاختبارات المعملية في كافة أنحاء الدولة).

قبل ثلاث سنوات فقط، كانت نيجيريا مسرحًا للجهود العالمية لاجتثاث مرض شلل الأطفال. وسجلت نيجيريا ـ وهي أكثر دولة مأهولة بالسكان في أفريقيا ـ 122 حالة إصابة بالمرض في عام 2012، وهو عدد أكبر من مجمل الحالات في باقي الدول مجتمعة. وإلى جانب ذلك.. تزايَد حنق ممولي حملة القضاء على المرض، مع ترنح جهود اجتثاثه، وتصدير حالات الإصابة. أما الآن، فنيجيريا على وشك أن تصبح خالية من الفيروس، بفضل تبنِّيها لأساليب تطعيم مبتكرة، ولبرامج الصحة العامة.

في الرابع والعشرين من يوليو الماضي، أكملت نيجيريا عامها الأول منذ سُجِّلت فيها آخر حالات المرض التي نجمت عن الإصابة بفيروس شلل الأطفال الجامح، (قد تكون نُسَخ متحورة من سلالات الفيروس الحي ما زالت منتشرة في المناطق التي تتسم بضعف التطعيم، ولكنها تبقى أسهل للمكافحة من الفيروس الجامح). وإذا تحقق ذلك.. فستكون هذه العلامة بمثابة دخول لمرحلة اجتثاث شلل الأطفال رسميًّا من أفريقيا ـ ذلك الاجتثاث الذي يمكن إعلانه، بعد أن تخلو المنطقة من الفيروس لثلاث سنوات متعاقبة ـ وبذلك تبقى باكستان، وأفغانستان المنطقتين الوحيدتين اللتين تؤويان فيروس شلل الأطفال الجامح.

بدأ دفع الجهود العالمية لاجتثاث الفيروس في عام 1988، عندما سُجِّلت 350 ألف حالة حول العالم. وبحلول عام 1994، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية خالية من الفيروس. وفي مستهل عام 2000، دحرت أوروبا ومعظم الدول الأفريقية الفيروس (وتلتها الهند في وقت متأخر، حيث سُجلت الحالة الأخيرة لديها في عام 2011)، إلا أن الفيروس بقي موجودًا في أقسام من آسيا وأفريقيا، وكانت معظم حالات الإصابة في شمال نيجيريا. وقد انتشرت شائعات، مفادها أن اللقاح يسبب العقم، فأَدَّت إلى مقاطعة عدة أقاليم في نيجيريا التطعيم في عام 2003، وأسهمت تلك الشائعات في زيادة حالات الإصابة (انظر: «ازدياد فيروس شلل الأطفال، وانحساره»)؛ مما أدى إلى انتشار الفيروس مجددًا في بلدان عديدة في أفريقيا، وكذلك بعيدًا عن هذا الموطن، وصولًا إلى إندونيسيا.

برهن تغاضي الحكومة النيجيرية على كافة مستوياتها، أو الرضا بالوضع الراهن، على عدم اكتمال حملات التطعيم دائمًا. كما أدى تدهور الوضع الأمني في القسم الشمالي الشرقي للبلاد، حيث إن أجزاء كبيرة كانت وما زالت تحت سيطرة الجماعة الإسلامية المسلحة (بوكو حرام)، إلى جعْل الأمور أكثر سوءًا. و«إذا أردتَ معرفة مكمن الخلل في مواجهة مرض شلل الأطفال، فهذا هو المكان الذي عليك القدوم إليه»، حسب وصف شخص متقاعد، كان يعمل في حملة اجتثاث هندية ناجحة للمرض في ديسمبر من عام 2012، بينما كان يعمل في الحملة النيجيرية.

نجحت ضغوط من بلدان أفريقية أخرى في النهاية في إقناع القادة النيجيريين أن يأخذوا فيروس شلل الأطفال على محمل الجد، حسب قول هايدي لارسن، وهي باحثة في علم الإنسان تدرس التطعيم في كلية لندن لعلم الصحة والطب الاستوائي. وبسبب أن رجال الدين والقادة التقليديين في الجزء الشمالي ذي الأغلبية المسلمة كانوا لا يزالون يشهدون مزيدًا من الأطفال قد أصبحوا مُقْعَدِين بسبب المرض؛ بدأوا في دعم اجتثاث شلل الأطفال، بدلًا من معارضته.

Source: global polio eradication initiative


ضبط المسار

في عام 2012، أنشأت نيجيريا مركزًا قوميًّا لعمليات الطوارئ، بغرض تنسيق الجهود؛ لمكافحة فيروس شلل الأطفال، بين الحكومة والمنظمات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية. ومن ثم، تبعت ذلك محاور مشابهة في مقاطعات رئيسة في الشمال. وتحولت الجهود إلى مسح التجمعات السكانية التي أفلتت ـ على نحو روتيني ـ من حملات التطعيم، والتعرف عليها وتحديدها، مثل مجموعات الرُّحَّل المتنقلين، والأشخاص الذين يقطنون بالقرب من حدود الدولة، أو عند الحدود المحلية، بالإضافة إلى الذين رفضوا التطعيم. يقول مايكل جالاوي، الذي يقود جهود اجتثاث شلل الأطفال في مؤسسة «بيل ومليندا جيتس» من سياتل في ولاية واشنطن: «أصبح لدينا أفضل الخرائط لجميع مناطق شمال أفريقيا تقريبًا».

أدارت فِرَق التطعيم «خططًا مصغرة» مفصلة، حددت فيها كل بيت يجب زيارته، بينما عملت وحدات تحديد المواضع العالمية؛ لضمان تتبُّع المشرفين لهذه الخطط، حيث إنه في مناطق الشمال الشرقي ـ الواقعة تحت سيطرة مجموعة (بوكو حرام) ـ شن المسؤولون الرسميون حملات سريعة قصيرة؛ نجحت خلالها في تطعيم الأطفال في إطار إشعار عاجل، كلما أتاح الوضع الأمني ذلك.

يقول دانييل سانتونج ـ وهو متخصص ميداني نيجيري في علم الأوبئة، يعمل في إطار جهود معهد الوقاية ومكافحة الأمراض الأمريكي لمسح تجمعات السكان الرُّحَّل ـ إن معظم الناس من تجمعات «الفُولاني» الذين تعقَّبهم باتوا يرحبون بتطعيم الأطفال ضد مرض شلل الأطفال، وتمكنوا أيضًا من إقناع تجمعات سكانية أخرى كانت أكثر ترددًا في قبول التطعيم، وهذا في المخيمات الصحية التي توفر الرعاية والدواء للبالغين في المناطق النائية. ويضيف: «ما نفعله يجذبهم لإحضار أطفالهم للتطعيم».

أسهَم تبنِّي نيجيريا لأبحاث التطعيم كثيرًا في نجاحها في محاربة شلل الأطفال، حسب تعليق نيكولاس جراسلي، وهو متخصص في علم الأوبئة في الكلية الملكية في لندن. وعندما أظهرت النتائج الإكلينيكية أن اللقاح الفموي المضاد لنوعين من فيروس شلل الأطفال، ما زالا ينتقلان بصورته الجامحة، كان أكثر فعالية من اللقاح ضد الفيروس بسلالاته الثلاث1، تبنته حملات التطعيم النيجيرية فورًا. وفي العام الماضي، أرسلت نيجيريا لقاح شلل الأطفال ـ الذي يُعطى بواسطة الحقن ـ إلى أكثر من ثلاثة ملايين طفل في مناطق الخطر المرتفع، بعدما أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين كانوا قد تَطَعَّموا باللقاح الفموي، تلقوا مناعة إضافية من الحقنة2,3. يقول جراسلي إن اللقاح المُعَدّ للحقن سيكون مهمًّا بشكل خاص عند اجتثاث آخر جيوب فيروسات شلل الأطفال المشتق منها اللقاح.

ومع افتراض أنه لن تُسَجَّل أي حالات إصابة بالفيروس بعد يوليو 2014، سيجري تحليل عينات من مناطق مختلفة حول نيجيريا، لتتبُّع وجود أي أثر للمرض. وإذا لم يتم اكتشاف أي علامات، عندها سيُحذف اسم نيجيريا من قائمة الدول المتوطن فيها فيروس شلل الأطفال. وغالبًا سيحدث ذلك في نهاية سبتمبر الحالي، حسب قول حميد جعفري، مدير المبادرة العالمية لاجتثاث مرض شلل الاطفال في منظمة الصحة العالمية. وعندها، بالإمكان إعلان أفريقيا خالية من المرض مع حلول أغسطس 2017، أي بعد 3 سنوات من اكتشاف آخِر حالة إصابة بالفيروس في الصومال في أغسطس 2014، التي نجمت عن دخول الفيروس إلى الصومال من نيجيريا.

وبعد إعلان خلو أفريقيا من الفيروس، سيتحول الاهتمام في الغالب إلى باكستان، وأفغانستان، حيث تم تسجيل 29 حالة إصابة بالفيروس في الدولتين مجتمعتين حتى الآن خلال هذا العام، وهو تحسُّن كبير، مقارنةً بالعام الماضي. كانت 25 حالة من هذه الحالات في باكستان، التي افتتحت مؤخرًا مركز عمليات طوارئ على غرار النموذج النيجيري، حسبما أشار جالاوي. وتشير لارسون إلى أن النجاح في تطعيم الأطفال في المناطق التي تسيطر عليها (بوكو حرام) يشير إلى أن التحديات الأمنية في أفغانستان وباكستان هي الأخرى ليست بالمستحيلة. ويضيف ديفيد هيمان، رئيس الصحة العامة في إنجلترا، والمدير السابق لبرنامج اجتثاث شلل الأطفال في منظمة الصحة العالمية: «أعتقد أن اجتثاث مرض شلل الأطفال سيستمر»، لكن يجب على نيجيريا ألا تتهاون، حسب قول جعفري، الذي يضيف: «من الواضح أننا نحتاج إلى المزيد من جهود الرصد، لنطمئن على توقُّف انتقال الفيروس»، مشيرًا بذلك إلى أن المناطق النائية لدول تشاد، والنيجر، والكاميرون المجاورة لم تحصل على المستوى ذاته من الاهتمام الذي نالته نيجيريا على صعيد عمليات رصد الفيروسات والتطعيم. ويوافقه على ذلك جالاوي، قائلًا: «إن أكبر خطر نواجهه هنا هو التقهقر للخلف، والادعاء أننا انتهينا من المهمة، بينما لم ننجزها بالفعل».

  1. Sutter, R. W. et al. Lancet 376, 16821688 (2010).

  2. Jafari, H. et al. Science 345, 922925 (2014).

  3. John, J. et al. Lancet 384, 15051512 (2014).