تحقيق إخباري

مترصِّدو الزلازل

تعرَّفْ إلى علماء الزلازل، الذين يعملون بدقة على مدار الساعة؛ لرصد الزلازل الكبرى في أي مكان على الأرض.

ألكسندرا ويتز
  • Published online:

<p>لا تتوقف أبدًا مهمة علماء الزلازل في مراقبة الأنشطة الزلزالية.</p>

لا تتوقف أبدًا مهمة علماء الزلازل في مراقبة الأنشطة الزلزالية.

Barry Gutierrez


بدأ كمبيوتر روب ساندرز في إصدار إنذارات متوالية، في الدقيقة السابعة عشرة بعد منتصف الليل من يوم السبت الموافق لـلخامس والعشرين من إبريل الماضي. وتدفقت على شاشته سجلات بخطوط متعرجة من أجهزة قياس الزلازل في التبت، وأفغانستان، والمناطق المجاورة التي أحسَّت بأولى هزات الزلزال المروع. كان ساندرز يعمل في مناوبته كعالِم زلازل مقيم في المركز الوطني للرصد الزلزالي والمسح الجيولوجي الأمريكي، في جولدن بولاية كولورادو، حيث إن عمله هو اكتشاف ما يحدث بسرعة. وفي غضون 30 ثانية، بدأ في تحليل البيانات الزلزالية، وأدرك أن الوقت قد حان لإبلاغ رئيسه.

عندما رن جرس الهاتف في تلك الليلة، كان بول إيرل غافيًا منذ وقت مبكر في غرفة ابنه، البالغ من العمر أربع سنوات. نهض إيرل من سريره، وشغَّل جهاز الكمبيوتر في منزله، وبصفته رئيسًا للعمليات على مدار العام في المركز الوطني للرصد الزلزالي، عرف أنه لا يوجد متسع من الوقت، إذ تلتزم هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بنشر درجة شدة الهزة وموقعها لأي زلزال كبير في العالم على موقع الإنترنت في غضون عشرين دقيقة، كما يصدر الفريق أيضًا تقديرات سريعة لعدد الأشخاص الذين تعرضوا للأذى. تُصْدِر دول عديدة إنذارات عن الزلازل في المناطق المجاورة لها، ولكن فريق إيرل هو الوحيد الذي يقوم بتحليل الهزات في جميع أنحاء العالم.

تساعد المعلومات الصادرة عن المركز الوطني للرصد الزلزالي كلًّا من الحكومات، والمنظمات الإنسانية في اتخاذ قراراتها بشأن آلية العمل في الأزمات. كما أنها تحدد ما إذا كانت فرق البحث والإنقاذ الخاصة ستتأهب للعمل، أم لا، وما إذا كانت الأسواق المالية ستتأثر بالكوارث الطبيعية المدمرة، أم لا. وماهي إلا دقائق معدودة، حتى يصبح فريق المركز الوطني للرصد الزلزالي محط أنظار المئات من المستجيبين الرئيسين ـ من البيت الأبيض، حتى الأمم المتحدة ـ ليُطْلِعوهم بدقة على مدى فظاعة الزلزال. وفي الخامس والعشرين من إبريل الماضي، انتهى العمل الذي بدأه ساندرز على شاشة الكمبيوتر الخاص به، وسلَّمه إلى حكومة الولايات المتحدة؛ لتقوم بإيفاد فريق الاستجابة إلى مركز الزلزال في نيبال في غضون ساعات.

لا يتمكن علماء الزلازل في المركز الوطني للرصد الزلزالي على الدوام من الفهم الكامل لما يحدث، حيث إنه في بعض الأحيان، تضللهم المعلومات غير الكافية، حيث يعلنون عن حالة تأهب لموقع زلزالي خاطئ، أو شدة زلزالية خاطئة، وذلك قبل أن يتمكنوا من التراجع عنها بسرعة، إلا أنهم يعملون باستمرار على صقل أساليبهم؛ لتسريع زمن استجابتهم للحدث، مع حفاظهم على الدقة. ويقول إيرل في هذا الصدد: «أنْ تكونَ مصدرَ ثقة.. فهذا أمر أكثر أهمية من السرعة بمفردها».


المناوبة الليلية

يشغل المركز الوطني للرصد الزلزالي الطابق الخامس من مبنى كبير في حرم مدرسة كولورادو للمناجم في جولدن، في مكان ليس ببعيد عن مصنع كورس للبيرة، والتماثيل البرونزية الأولية التي صاغها عمال المناجم في هذه المنطقة من ولاية كولورادو. قبل عقد من الزمان، كان من المعتاد أن يزدحم موقف السيارات بشاحنات القنوات الفضائية عقب أي زلزال كبير. أما الآن، فيبقى معظم الصحفيين في المنزل، لأنه باستطاعتهم الحصول على المعلومات بشكل أسرع من المركز عبر الإنترنت. حلَّت شاشات المراقبة الحاسوبية الحديثة محل الأسطوانات الورقية التي تدور ببطء، وكانت في الماضي تعرض الاهتزازات المرصودة في المحطات الزلزالية حول العالم، لكن المركز احتفظ بواحدة من تلك الأجهزة الأثرية للعرض، وهي متمثلة في كرة أرضية خشبية كبيرة، تظهر غالبًا في التقارير التلفزيونية. تآكلت بقع من سطحها الملون، وهي البقع التي كان يلمسها علماء الزلازل بأصابعهم طوال عقود؛ ليشيروا إلى مواقع الزلازل، وبهذا اختفت منها جنوب كاليفورنيا كليًّا، وكذلك اليابان، دليلًا على غزارة حدوث الزلازل في تلك البقع.

أُنشئ مركز الرصد الزلزالي الوطني في عام 1966، وكان يعمل أساسًا خلال ساعات العمل النظامية، مع وجود علماء زلازل للعمل في أوقات أخرى عند الطلب، ولكنْ تغيَّر الوضع عندما ضرب زلزال شدته 9.1 جزيرة سومطرة في عام 2004؛ وتسبب في حدوث «تسونامٍ» مدمر، لقي فيه ما يقرب من ربع مليون شخص حتفهم في جميع أنحاء المحيط الهندي، حيث تغيَّر نظام العمل في المركز الزلزالي، ليصبح على مدار كل ساعات اليوم، في محاولة لتقليل زمن الاستجابة عند وقوع الكوارث الكبرى. والآن، يغطي العمل في المركز 14 عالمًا في الزلازل في ثلاث ورديات للعمل، مع وجود شخصين مقيمين للعمل في أي وقت (وذلك مع تنظيم أوقات دخولهم المرحاض، واستراحات الطعام).

يقوم المركز الوطني للرصد الزلزالي بتحليل أكثر من 20 ألف زلزال في السنة، متناولًا كل الهزات، سواء أكانت غير محسوسة في ولاية كاليفورنيا، أم محسوسة، وصولًا إلى الزلازل المدمرة التي تهز العالم في بعض الأحيان. فالمركز يصدر تقارير بشأن أي زلزال تبلغ شدته 5 أو أكثر على مقياس ريختر في جميع أنحاء العالم، وصولًا إلى الشدة 3 في أجزاء من الولايات المتحدة. وفي الخامس والعشرين من إبريل الماضي، ضرب الزلزال الرئيس الأهم نيبال، حيث بدأت الهزة على عمق 15 كيلومترًا تحت سطح الأرض في تصدع الهيمالايا الكبير، واصطدمت الصفيحة التكتونية التي تحمل الهند بآسيا. وفي تمام الساعة 11:56 صباحًا بالتوقيت المحلي (الذي يوافق الدقيقة الحادية عشرة بعد منتصف الليل في ولاية كولورادو) تَشَكَّلَ صدع بطول 120 كيلومترًا من القشرة الأرضية تحت مدينة جوركا في نيبال، بسبب قوة الاجهاد الناتجة عن هذا الاصطدام الجيولوجي، وأعقب ذلك تسارع وتيرة انتشار موجات من الطاقة الزلزالية في جميع الاتجاهات.

وبمرور 16 ثانية، وصلت الأمواج الزلزالية إلى كاتماندو، أي ما يقرب من 80 كيلومترًا إلى الجنوب الشرقي، وبدأ انهيار آلاف المباني. وبعد مرور دقيقة واحدة، كانت قد اجتازت لاسا، التي تقع على بعد 600 كم شمال شرق مركز الزلزال السطحي، واهتزت أجهزة قياس الزلازل المثبتة على الجرانيت في النفق أسفل التل، حيث تقوم تلك الآلات ـ وهي جزء من شبكة الزلازل العالمية ـ بترحيل البيانات الخاصة بهم على الفور إلى المركز الوطني للرصد الزلزالي.

«هذه هي اللحظة التي عَلِمْنا فيها أن هذا الزلزال مدمر».

أَطْلَقَ مركز كولورادو إنذارًا، وانبثقت نافذة على شاشة ساندرز التي ازدحمت بالمعلومات من محطات الرصد في جميع أنحاء آسيا. بدأ ساندرز بتصنيف البيانات، واختيار أفضل التسجيلات الزلزالية، ليعمل على تحليلها. وهنا، قام عالم الزلازل الثاني المناوب في تلك الليلة بالاتصال بإيرل وإيقاظه، حيث بدأ الأخير في العمل على البيانات الزلزالية من المنزل. وبعد مُضِيّ دقائق، واجه ثلاثتهم مهمة حاسمة، تمثلت في تحديد شدة الزلزال، حيث تقيس هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية ثمانية أنواع من الشدة الزلزالية، لكل منها بيانات مختلفة حول قوة الهزات الزلزالية، ومقدار الطاقة التي يطلقها الزلزال. تُعتبر بعض مقاييس الشدة أدق بالنسبة للزلازل صغيرة الشدة، في حين يُفضل استخدام بعضها الآخر في توصيف الزلازل طويلة الأمد، وكبيرة الشدة.

أصدر المركز الوطني للرصد الزلزالي توصيفه الأَوَّلِي في الساعة 12:29:42 صباحًا، أي بعد مرور 18 دقيقة، و16 ثانية على بدء الزلزال. الموقع: 77 كم شمال غرب كاتماندو، والشدة: 7.5 على مقياس العزم الزلزالي. يعتمد مقياس العزم الزلزالي تحديدًا على النمذجة الحاسوبية لنوع معين من الموجة الزلزالية، واختار إيرل هذا المقياس، لإحساسه بأنه يمكن أن يعبر عن الشدة بوضوح، ولكن كما هو الحال في الزلازل الكبيرة، لا تكون الشدة المعلَنة رسميًّا هي الشدة النهائية في أغلب الأحيان. وفور بدء الفريق في التحليل، هاتَفَ إيرل اثنين من زملائه، وأيقظهما ـ هارلي بنز، وجافن هايز ـ ثم هرول من منزله إلى العمل الذي يفصله عنه مجمعان سكنيّان. وبينما كانت وكالات الأنباء تبث إنذارات عن وقوع زلزال، بلغت قوته 7.5 في نيبال، عكف الباحثون في المركز الوطني للرصد الزلزالي على غربلة وتحليل البيانات الحديثة.

أجرى هايز مجموعة منفصلة من الحسابات النموذجية في منزله، حيث تَستخدم هذه الحسابات بيانات الموجات الزلزالية التي تصل إلى المحطات لاحقًا على فترة زمنية أطول، ولكن هذه الحسابات كانت أكثر ملاءمة هذه المرة لأكبر الزلازل في العالم. وفي تمام الساعة 1:04 صباحًا، وبالاستناد إلى تحليل طور الموجة الزلزالية، قام المركز الوطني للرصد الزلزالي بتحديث قوة زلزال نيبال إلى 7.9 من حيث الشدة. ويقول إيرل في هذا الشأن: «لا يوجد رقم خاطئ بين هذه الأرقام، فكلها صحيحة في نطاق الشدة المحدد». (وبعد ثلاث ساعات، سيعلن المركز الشدة النهائية 7.8، بالاستناد إلى طريقة طور الموجة الزلزالية، وهذا مع الاستناد إلى نموذج أكثر تفصيلًا من البيانات الأحدث).

<p>&nbsp;في غضون 20 دقيقة، يُصْدِر بول إيرل وفريق العمل في مركز الرصد الزلزالي إنذارات بشأن الزلازل الكبرى.</p>

 في غضون 20 دقيقة، يُصْدِر بول إيرل وفريق العمل في مركز الرصد الزلزالي إنذارات بشأن الزلازل الكبرى.

Barry Gutierrez


عندما كان يعمل بإصرار على تحديد شدة الزلزال، قام إيرل باستدعاء عالِم الزلازل ديفيد والد في المركز الوطني للرصد الزلزالي، الذي صادف أنه كان مستيقظًا. يشرف والد على مجموعة من البرامج التي تعتمد على الشدات الزلزالية الأولية في تقدير الوفيات المحتملة والخسائر الاقتصادية. وقد سُمي النظام «بيجر» PAGER، وهو اختصار التقييم الفوري للزلازل العالمية من أجل الاستجابة. ويعتمد هذا النظام على قواعد البيانات الميدانية من الأماكن التي يعيش فيها الناس، وأنواع البناء في منطقة الزلزال، وعدد الضحايا الذين لقوا مصرعهم في زلازل مماثلة في المنطقة سابقًا. وفي حال كان الزلزال كبيرًا بما يكفي، يقوم نظام «بيجر» بإرسال التنبيهات تلقائيًّا.

في الساعة 12:34 صباحًا، استخدم النظام الشدة الأولية 7.5، للتنبؤ بعدد ضحايا يتراوح بين 100 إلى 1,000 حالة وفاة، وقَدَّرَ الأضرار بما بين 10 إلى 100 مليون دولار أمريكي. وهذا يعني تصنيف الزلزال بــ«البرتقالي»، وهو ثاني أعلى حالة تأهب في الكود اللوني لنظام «بيجر». وأضاف والد: «هذه هي اللحظة التي علمنا فيها أن هذا الزلزال مدمر». وبمرور الدقائق.. استمرت الهزات الارتدادية في ضرب كاتماندو. وتم تحديث نظام «بيجر» تلقائيًّا لأكثر من ثلاث مرات على المستوى البرتقالي، ووافق آخر تحديث الساعة 2:16 صباحًا. واستنتج والد بعض البيانات عن مدى انتقال الأرض، ومدى انتشار الهزات الارتدادية، ثم قام بإدخال المعلومات الجديدة يدويًّا إلى نظام «بيجر». وهنا، تصاعدت حالة التأهب على الفور إلى اللون الأحمر، وقدّر عدد الوفيات ما بين 1,000 إلى 10 آلاف حالة وفاة. كانت الساعة عندها 4:14 صباحًا.


استجابة عالمية

في العاصمة واشنطن، أيقظ الهاتف المحمول جاري مايبيري بالتزامن مع الإنذار الأول للمركز الوطني للرصد الزلزالي. وهي عالمة البراكين في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، ومستشارة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لمواجهة الكوارث الطبيعية. قامت الوكالة بتمويل تطوير نظام «بيجر»، وذلك لتبسيط القرارات اللحظية بعد الزلازل تحديدًا. وتتساءل مايبيري: «هل هناك ضرورة لاستدعاء أساسي في الثالثة صباحًا؟ هذا ما يريد الناس معرفته.» كانت الإجابة بنعم في نيبال، فبمجرد أن يُصْدِر فريق كولورادو نتائج تحليله، تقوم مايبيري بإرسال المعلومات بسرعة إلى رؤسائها، الذين يساعدون في تنسيق فرق البحث والإنقاذ في حالة الكوارث الدولية. وكما تقول في مثل هذه الحالات.. «كل دقيقة لها أهميتها». وهكذا في غضون ساعات، أرسلت حكومة الولايات المتحدة فريقًا إلى نيبال.

انخرطت أيضًا مجموعات أخرى في هذا العمل، حيث يقول جيسلي أولافسون من ريكيافيك، وهو يدير نظام الاستجابة لحالات الطوارئ في ائتلاف مكون من 43 مجموعة خيرية يُسمى بـ«نيت هوب» NetHope: «أتطلع دومًا إلى أن يصبح نظام «بيجر» متاحًا للجميع». وبدراسته للمعلومات الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، عرف أولافسون أن مصدر الهزة كان بعيدًا نسبيًّا عن كاتماندو، لكنه علم أيضًا أن الزلزال قد ضرب التضاريس الجبلية في صدع قريب من سطح الأرض، مما يعني أنه قد دمَّر شبكة الطرق على الأرجح. قام ائتلاف «نيت هوب» على الفور بتحضيرات لوجستية معقدة، ليتمكن من الدخول والخروج إلى المناطق الريفية التي كانت محدودة المنافذ، وسافر أولافسون إلى كاتماندو؛ للعمل على تنسيق نظام الاستجابة هناك.

وكان للدوائر المالية نصيب من هذا النظام، حيث يستخدم البنك الأمريكي للتنمية الأرقام الصادرة عن نظام «بيجر»؛ ليُقِرّ قيمة سندات الكوارث، وهو نوع من التأمين ضد الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل. وتشير أحدث التقديرات إلى أن زلزال 25 إبريل الماضي وتوابعه، بما في ذلك الشدة 7.3 المسجلة في 12 مايو الماضي، قد تسبب في مصرع ما يقرب من 8,700 شخص، وهذا يقترب من التقديرات الصادرة عن نظام «بيجر»، التي قُدرت بحوالي 10 آلاف حالة وفاة. هذا.. وقدَّر خبراء كوارث آخرون عدد الوفيات بما يزيد على 50 ألف ضحية، مستخدمين تقييمات مستقلة للخسائر البشرية، وقابلية انهيار البناء.

يقول كيشور جايسوال، المهندس المدني في المركز الوطني للرصد الزلزالي: «تُعتبر طريقة إنشاء المباني واحدة من العوامل التي أنقذت الأرواح في كاتماندو. فهناك مبان حديثة عديدة في المدينة لها إطارات خرسانة مسلحة بقضبان فولاذية، وهو الأمر الذي حال دون انهيار الكثير منها». قام جايسوال بتحليل طريقة البناء هذه سابقًا، وكان عمله واحدًا من الأسباب التي أدت إلى الانخفاض النسبي لتقديرات الوفيات في نظام «بيجر». وعلى الرغم من أن عدد الوفيات كان كبيرًا، إلا أن جايسوال كان يعلم أن جزءًا كبيرًا من المدينة سينجو.


الاحتياج إلى السرعة

كان العمل في المركز الوطني للرصد الزلزالي يسير بوتيرة أكثر هدوءًا بكثير من ليلة الكارثة النيبالية، حيث إنه من بين آلاف الزلازل التي يرصدها الفريق كل شهر، فإن الغالبية العظمى لا تتسبب في مصرع أحد. يقضي إيرل وبنز وهايز وقتهم في تطوير طرق دقيقة وسريعة، لتحليل التصدعات الزلزالية. فعلى سبيل المثال.. تخصَّص هايز في حسابات «العزم الزلزالي»، و»الصدع المحدود»، وكلاهما يعطيان معلومات دقيقة عن كيفية حدوث التصدع.

وبالرغم من أن فريق إيرل يخطئ أحيانًا، إلا أنه يعتبر أن تجنب الوقوع في أخطاء كبيرة أحد أهم الأولويات في المركز الزلزالي. فعلى سبيل المثال.. وقع أحد الأخطاء الملحوظة في عام 2013، عندما أَطْلَق إنذارًا في يوم «عيد الميلاد ـ الكريسماس» لزلزال بلغت شدته 22، حيث كان من المفترض أن يقال إنّ الشدة 2.2. ونتيجة لهذا الخطأ المطبعي، قام المركز الوطني للرصد الزلزالي بإزالة كل أشكال الكتابة الآدمية من النظام الآلي. وفي شهر مايو الماضي، أعلنت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عن العديد من الزلازل الوهمية في ولاية كاليفورنيا، التي كانت في واقع الأمر مجرد اهتزازات ناتجة عن هزات بعيدة في ألاسكا، واليابان. وقد تمكَّن أحد علماء الزلازل المقيمين من تحديد المشكلة، لكن البرنامج الذي يوزع التنبيهات لم يستجب للتصحيح.

يتطلب تقليص عدد الإنذارات الخاطئة والتأكد من صدور الإنذارات الحقيقية في وقتها تآلفًا دقيقًا من المهارة والسرعة. فالمركز الوطني للرصد الزلزالي تصله البيانات من نحو 1,800 محطة حول العالم، ولكن توجد ثغرات تؤدي إلى إبطاء عملية التحليلات الزلزالية. تحدد شبكة تنبيه الزلازل الوطنية الصينية فترة زمنية تُقَدَّر بثلاثين دقيقة كزمن تأخير على الكثير من المعلومات، ولذلك.. فمن النادر أن يستخدمها فريق إيرل. كما أن الهند لا تنشر بياناتها الزلزالية. وقد حذر علماء الزلازل منذ فترة طويلة من مخاطر الزلازل في نيبال، ومع ذلك.. لم تكن هناك محطة واحدة لتزوِّد نظام هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بالبيانات الآلية فور وصولها. وتقول ثورن لاي ـ عالمة رصد الزلازل في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز ـ إنه لو تمكنت الوكالة من الحصول على معظم البيانات الآلية فور وصولها من محطات أقرب إلى مركز الزلزال السطحي؛ لتمكَّن علماء الزلازل من تحديد موقع زلزال نيبال بشكل أسرع مما تم.

وبالرغم من سرعته، لا يُعتبر المركز الوطني للرصد الزلزالي النظام الأسرع للإبلاغ عن الزلازل في الولايات المتحدة. وقد حاز على هذا اللقب مركزا التحذير من التسونامي، التابعان للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، اللذان بلَّغا بالاستناد إلى الشبكة الزلزالية نفسها عن مواقع وشدة زلزالية أكبر، في غضون 3 دقائق فحسب من وقوع الزلزال، إلا أنها تختص برصد الهزات في المحيطات بالقرب من أراضي الولايات المتحدة على وجه الخصوص. يحث المركز الوطني للرصد الزلزالي على تقليص زمن الإبلاغ عن وقوع الزلازل إلى أقل عدد ممكن من الثواني. كما يشتمل أحد المشروعات القائمة على استخدام تطبيق شبكة التواصل الاجتماعي «تويتر». وقد أعدَّ إيرل نظامًا إلكترونيًّا، يقوم بترصد الكلمات، مثل «زلزال»، في لغات مختلفة لتغريدات «تويتر» من جميع أنحاء العالم (P. Earle Nature Geosci. 3, 221–222; 2010). ويتوجب عليه أن يقوم بغربلة الحالات التي لا علاقة لها بالأمر، بما في ذلك ما يشير إلى لعبة فيديو الزلزال، ولكن بمجرد أن ينفذ ذلك؛ سيتمكن من الحصول على إشعار مسبق بأن شيئًا مهمًّا يحدث. ويضيف إيرل قائلًا إنه «عندما يقوم شخص ما في إندونيسيا بكتابة تغريدة «gempa»، أو كلمة «زلزال»، «ستكون على خادم الكمبيوتر لدينا في غضون خمس ثوان».

ويمكن أن تصل التغريدات إلى المركز الوطني للرصد الزلزالي بشكل أسرع من وصول الموجات الزلزالية إلى محطات التسجيل. ففي عام 2012، تزامن وقوع هزة بقوة 4.0 على مقياس ريختر في ولاية ماين مع سيل من التغريدات من المنطقة المحيطة بمركز الزلزال السطحي، حيث حصل إيرل على إخطار نَصِّي تلقائي قبل انتشار الهزة في بريطانيا الجديدة. ويحكي عن ذلك قائلًا: « كنت في محل «سيفواي»، أشتري بعض المواد البقولية، وعلمت بوقوع الزلزال، قبل أن يشعر الآخرون به. لم يكن هناك مصدر، سوى بيانات شبكة تويتر». وتُعتبر تجربة شبكة «تويتر» مفيدة للغاية في الأماكن التي لا تزوِّد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بالكثير من البيانات الآلية، مثل أجزاء من أمريكا الجنوبية، وإندونيسيا. وعلى الرغم من أنها لن تحل أبدًا محل الطرق التقليدية في المركز الوطني للرصد الزلزالي، إلا أنها تمكِّن من تنبيه علماء الزلازل هناك؛ ليبقوا على اطلاع على البيانات الواردة.

إنّ الزلازل لا تتوقف عن الوقوع أبدًا، فقبيل انتهاء وقت الظهيرة من يوم جمعة طويل في مايو الماضي، كان إيرل يقف أمام مكتبه، عندما رن هاتف «الآي فون» الخاص به، ليبلغه بوقوع زلزال، بلغت شدته 6.9 في جُزُر سولومون، حيث قال: « لن يكون هذا الزلزال بالقرب من منطقة مأهولة بالسكان، ولكنه زلزال كبير. سأتواصل مع أحدهم». واتجه خارج الباب، قبل أن ينهي جملته. مشى إيرل بسرعة أسفل المدخل. في الماضي، كان تسلسل شاشات العرض، المُعَدّ من أجل الكاميرات التلفزيونية، يقوده إلى مكتب عالمة الزلازل جانا بورسيلي. وهناك يسأل: «جانا، هل استقبلتِ ذلك؟»، تجيب جانا: «لا، شين فَعَلَ ذلك»، وتشير بيدها إلى عالِم الزلازل الذي يعمل في آخر القاعة. يقول إيرل: «نعم»، «سيحررها شين، وبعد ذلك سأجعل بروس يراجع بيانات العزم الزلزالي، وعندها نكون قد أنجزنا العمل». وبعد تصنيفه لذلك الزلزال، يعود إيرل إلى مكتبه، ويشغل الغلاية الكهربائية الموضوعة بجانب حافظتي القهوة الشعبية المجففة بالتبريد. يقول إيرل: «جلبت أرخص نوع ممكن من القهوة، لأني لم أعد أتذوقها بعد الآن، بل أشربها فقط.» ويعود مرة أخرى إلى جهاز المراقبة الخاص به، في انتظار الزلزال التالي.