رؤية كونية

لا تشـوِّهـوا السيـاسـات باســم الفخــر الوطنـــي

تستعرض داينا روكميانينجسيه درسًا من إندونيسيا عن الأخطاء التي يمكن أن تقع، إذا استخدمت الحكومات البحث العلمي لتحسين صورة الدولة.

داينا روكميانينجسيه
  • Published online:

على مدى زمن طويل، سَعَت الدول إلى زيادة تمويل الإنجازات العلمية، عن طريق الاحتفاء بها كمصدر فخر وطني. وبدايةً من رعاية الدولة للبعثات الاستكشافية للمنطقة القطبية، قبل قرن من الزمان، وصولًا إلى التصريحات التي صدرت في وقت مبكر من هذا العام عن الحكومة الإيرانية، التي تنص على أن الغرض من تطوير برنامجها النووي يكمن في اكتساب مكانة عالمية؛ يدرك السياسيون التأثير القوي والشعبي للنجاح في البحوث العلمية. ففي استفتاء أُجري في عام 2002 ـ على سبيل المثال ـ أقَرَّ عدد كبير من الأمريكيين بأنهم "فخورون للغاية" بالإنجازات التي حققتها بلادهم في مجالي العلوم، والتكنولوجيا، أكثر من أي مجال آخر، مثل الرياضة، والاقتصاد، والفنون، والآداب. وفي عام 2013، خصصت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" سلسلة من الأفلام الوثائقية التليفزيونية حول "معجزة العلوم البريطانية".

وبناءً على ذلك.. تجد الحكومة ـ في دولة نامية مثل إندونيسيا ـ أن التقدم في العلوم والتكنولوجيا يمثل وسيلة ملائمة لتشجيع الشعب على الشعور بالرضا عن دولتهم، والمكانة التي تحظى بها بين دول العالم، لكنْ يبقى السؤال: ماذا يحدث عندما تتولى النزعة الوطنية توجيه العلوم، بدلًا من مجرد الاحتفاء بها؟ تؤكد النتائج القادمة من إندونيسيا إمكانية اختلال ميزان الأولويات، وتجاهل التقييمات العلمية الراسخة، وهو ما يمثل درسًا بالغ الأهمية لجميع الدول.

شهدت إندونيسيا في السنوات الأخيرة تطورًا سريعًا في مجالي العلوم، والتكنولوجيا، بمساعدة الدبلوماسية العلمية الأمريكية في العالم الإسلامي. ففي شهر مايو الماضي، أسست الأكاديمية الإندونيسية للعلوم ـ بدعم من الولايات المتحدة ـ صندوقًا لتقديم المِنَح إلى شباب الباحثين. كما أطلقت الأكاديمية أيضًا ـ بالتعاون مع أستراليا ـ سلسلة من التحديات لتناولها من قِبَل العلماء الإندونيسيين، متضمِّنةً التخفيف من آثار الكوارث، وتعزيز قدرة المجتمع على المواجهة.

يتسم هذا الدعم الدولي للعلوم الذي تحظى به إندونيسيا بالاستقرار والثبات؛ حيث تجاوزت المشارَكة مع أستراليا ـ على سبيل المثال ـ الخلاف السياسي الذي وقع بين البلدين في شهر إبريل الماضي، من جراء إقدام إندونيسيا على إعدام مهربي مخدرات أستراليين. ورغم أن العلم ليس له حدود، تمثِّل البحوث العلمية الراسخة والمبتكرة ـ في دولة مثل إندونيسيا ـ قاعدة حيوية يمكن الارتكاز عليها؛ لبناء التنمية الاقتصادية. ويبدو أن العلماء الإندونيسيين قادرون على تحقيق ذلك؛ حيث تَصْدُر غالبية طلبات براءات الاختراع في إندونيسيا ـ على سبيل المثال ـ عن العلماء في الجامعات المحلية. وهناك سؤال مُلِحّ آخر: إلى أي اتجاه تريد الحكومة الإندونيسية أن يتجه هؤلاء العلماء؟

يؤكد مشروعان بارزان على أن المسؤولين، الذين يمسكون بزمام سياستنا الوطنية للعلوم، يفضلون البحوث المثيرة للجدل، التي تؤدي ـ على الأرجح ـ إلى إثارة عناوين، وتأجيج مشاعر قصيرة الأمد بـ"الفخر الوطني"، بدلًا من البحوث العلمية الراسخة، التي تتمخض عنها منفعة مجتمعية حقيقية طويلة الأمد.

أهمية دراسة الكوارث تفوق بكثير البحث عن هرم مدفون

يقوم أول هذين المشروعين على الادعاء بأن إندونيسيا القديمة يمكن أن تكون موطنًا لأقدم الحضارات على وجه الأرض؛ حيث تم توظيف النماذج الجيولوجية، التي اكتُشفت أثناء عمليات الحفر في موقع جبل جونونج بادانج البركاني، في غرب جاوا، لتعزيز فكرة وجود هرم قديم، مدفون هناك، يسبق في وجوده الأطلال التاريخية لمصر القديمة بآلاف السنين. وقد حظي هذا المشروع، وما يقوم عليه من دعاوى استثنائية، بإعجاب العديد من أبناء الشعب الإندونيسي، كما دعمت الحكومة العمل فيه. وإضافة إلى ذلك.. قام الرئيس الإندونيسي بزيارة الموقع في العام الماضي؛ لإعلانه مهدًا للحضارات، وصاحب ذلك نشر قوات مسلحة؛ لدعم العمل في المشروع.

من المفارقات.. أن داني هيلمان ناتاويدجاجا ـ كبير العلماء العاملين في هذا المشروع، وعالِم الجيولوجيا في المعهد الإندونيسي للعلوم ـ كان يعكف في الأساس على دراسة شواهد الكوارث الطبيعية السابقة في المنطقة، كجزء من بحث أُجرِيَ لفهم المخاطر المستقبلية، عندما انصرف اهتمامه إلى قضية الهرم. لقد شوَّهَت النزعة الوطنية الأولويات.. فأهمية دراسة الكوارث تفوق بكثير البحثَ عن هرم مدفون.

يتعلق المشروع الثاني بعلاج كهربي مثير للجدل لمرض السرطان، قام وارسيتو تارونو بتطويره ونشره في مختبرات CTECH في تانجيرانج. ويدعي تارونو أن الأجهزة القائمة على الكهرباء الاستاتيكية يمكنها تحديد موقع الخلايا السرطانية، ومن ثم استهدافها، لمنعها من الانقسام. وبالتالي، بدأ الإندونيسيون، الذين يعانون من مرض السرطان، في التوافد بأعداد هائلة على عيادته، طلبًا للعلاج.

عندما أرسلت كل من الجمعية الإندونيسية لعلاج الأورام بالإشعاع، والجمعية الإندونيسية لجراحة الأورام رسالةً إلى الحكومة الإندونيسية في عام 2013، لمطالبتها بإغلاق عيادة وارسيتو، بحجة أن الجهاز لم يخضع للتجربة الإكلينيكية في المستشفيات الإندونيسية، لجأت الحكومة مجددًا إلى بطاقة "الفخر الوطني"، حيث أعلنت وزارة الصحة أن بحث وارسيتو يمثل ابتكارًا من "أحد أبناء الشعب"، ويجب دعمه. كما حظي وارسيتو بتكريم وزارة الحقوق القانونية والإنسانية في العام الماضي، باعتباره المخترع الأفضل في إندونيسيا.

ينبغي على الحكومة الإندونيسية ـ إذا كانت جادة بشأن بناء مستقبل لإندونيسيا على أساس أجهزة معينة مثل جهاز وارسيتو ـ إجراء مزيد من الاختبارات على البشر، والتجارب الإكلينيكية مزدوجة التعمية. وقد أكدت الحكومة في ردّها على رسالة جمعيات الأورام أن لديها رغبة حقيقية للقيام بذلك. وبصفة عامة، لا ينبغي لأي حكومة أن تبني التطور العلمي على أساس ما تعتقد أنه يجعل الدولة تبدو بحالة جيدة. إن حكومتنا تدعم البحث العلمي القائم على أسس راسخة، الذي يمكن أن يساعد الدولة في تحقيق الازدهار باستخدام الموارد المحلية، مثل المشروعات التي تهدف إلى بحث الخصائص الطبية للنباتات المحلية. ولأنّ هذه المشروعات لا تحظى باهتمام شعبي كبير، تظل هذه الجهود غير واردة ضمن قوائم أولويات المسؤولين.

لن يكون حل تلك المشكلة سهلًا، ولكن ربما يقدِّم تعيين مستشار علمي للرئيس، أو تركيز السياسة العلمية في وزارة واحدة، بعض العون. كما يمكن أن تقوم الأكاديمية الإندونيسية للعلوم بدور أكثر حيوية، وذلك بالإعلان عن دعم العلوم عالية الجودة. والأهم من ذلك كله، أن تعي الحكومة أن العِلْم ليس مجرد مصدر للفخر الوطني، ولا ينحصر هدفه الأساسي في رسم الابتسامة على شفاه أفراد الشعب، وإنما في مساعدتهم على العيش بشكل أفضل.