أخبار

إعـادة تشـذيـب المجمـوعـات النبـاتيـة

ذبول معشبات أمريكا الشمالية، بسبب الضغوط المالية.

بوير دينج
  • Published online:

<p>فيكي فانك، مسؤولة المعشبة الوطنية الأمريكية، تعرض إحدى العيِّنات التي يبلغ عددها خمسة ملايين. </p>

فيكي فانك، مسؤولة المعشبة الوطنية الأمريكية، تعرض إحدى العيِّنات التي يبلغ عددها خمسة ملايين.

Chris Maddaloni/Nature


إنّ المعشبات في أمريكا الشمالية آخذة في الذبول، حيث إن مجموعات العينات النباتية المحفوظة التي تراكمت خلال قرن ـ أو يزيد ـ من الزمان يتم إغلاقها، ثم دمجها مع مجموعات أخرى، وهذا بسبب محدودية الموارد المالية، والمنافسة على الأماكن المتاحة، مما يضع عبئًا على الجامعات، لتوجيه مواردها إلى مرافق معينة، مثل المَعامل. فقد تم إغلاق أكثر من مائة معشبة في أمريكا منذ عام 1997، وتبقَّى حوالي 600 فقط. وكانت آخر المعشبات المتضررة في شهر مايو الماضي، عندما أعلنت جامعة ميزوري في كولومبيا أنها سوف تغلق معشبة «دن-بالمر» Dunn-Palmer الخاصة بها، وهي مجموعة عمرها 119 عامًا، وتضم أكثر من 170 ألف نوع من النباتات، وآلاف من الحزازيات، والطحالب، والفطريات.

توضح عالمة النبات كاثلين براير ـ وهي القائمة على المعشبة الموجودة في جامعة ديوك في درم بكارولينا الشمالية ـ أنه يوجد تصوُّر عن المعشبات بأنها مجرد قطع أثرية ميتة. ويجادل علماء النبات بأن ملفات تلك العينات المحفوظة ليست مجرد آثار، بل إن لها علاقة بالأبحاث الحديثة. فعلى سبيل المثال.. يستخدم علماء النبات الحمض النووي من العينات النباتية في تطوير سلالات الأشجار، واستقصاء مكان جمْع العينات ـ وزمانه كذلك ـ حيث يمكن أن يُظهِر آثار التغير المناخي على نطاق الأنواع المختلفة. تقول عالمة الأحياء روكسان كيلر من جامعة نبراسكا في أوماها، أن علماء البيئة وأنصار الحفاظ على الطبيعة سيكونون دومًا بحاجة إلى التمييز الدقيق بين أنواع النباتات في مجالهم. وتقول إن الأرشيفات الرقمية مفيدة، لكن مع العيِّنات الواقعية فقط يمكنك الشعور بملمس شعرة، أو تتبُّع الشكل اللولبي لأوراق الحالق، وتضيف كيلر: «إنك لا تستطيع الحصول على تلك التفاصيل من صورة».

هذه الخبرة الحسية أمست أقل قيمة حاليًّا، بسبب أن كثيرين من علماء النبات يجدون أنفسهم مجرد لاعبين صغار في أقسام علوم الأحياء الشاسعة. وقليل ممن هم خارج قسم علوم النبات يقدِّرون مزايا وجود العينات في متناول اليد. تقول برير إن رؤساء الأقسام والعمداء دومًا ما «تحيرهم» المعشبات، حيث إن المعشبات توحي بالقِدَم، أكثر مما توحي بالحداثة. فالمعشبة الوطنية الأمريكية في العاصمة واشنطن تؤوي عينات محفوظة من أول محصول لعنب الكونكورد، وهو السلالة الأمريكية المهمة تجاريًّا، التي زُرعت لأول مرة في عام 1849. كما يمكنك أن ترى بطاقة تعريف لزهرة عباد الشمس من أمريكا الجنوبية، بُنِّيَّة اللون بفعل الزمن، مكتوبة بخط رديء بالأبجدية الكيريلية لجامع عيِّنات روسي من القرن التاسع عشر.

هذا الشعور بالقِدَم يناقض تساؤلات العصر الحالي عما إذا كانت العيِّنات تُستغل في الأبحاث العلمية الحالية، أم لا. فعلى سبيل المثال.. بعد إجراء التحليلات النظائرية لعينات من فصيلة من نبات الغابات المطيرة Humiria balsamifera، التي يعود تاريخها إلى عام 1788، أظهرت التحليلات أنه نتيجة لارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون بالتزامن مع زيادة التصنيع، فإن النباتات استجابت لذلك بزيادة نشاط البناء الضوئي، واستخدام المياه بفعالية أكبر( D. Bonal et al. Plant Cell Environ. 34, 1332-1344;2011). وتُعتبر هذه النتائج مهمة لصانعي النماذج المناخية، وغيرهم ممن يريدون التنبؤ بكيفية استجابة النظم البيئية لارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون في العقود القادمة. كما استخدم الباحثون أيضًا عيِّنات جُمعت أثناء العقود القليلة الأولى للقرن العشرين؛ لتتبُّع انتشار نبات Bromus tectorum، وهي فصيلة أوروبية غازية، اجتاحت الجنوب الغربي للولايات المتحدة. ويدعم النمط الذي انتشرت به هذه الفصيلة الأدلة المتزايدة على أن الاجتياحات الناجحة للنباتات تتطلب مقدمات متعددة لأنواع دخيلة أولًا (A. R. Pawlak et al. Biol. Invasion. 17, 287–306; 2015).

لا يعني إغلاق المعشبات اختفاءها الكامل بالضرورة، فغالبًا ما يتم ضم عيِّناتها إلى مؤسسات أخرى. فقد ضمت حديقة رانشو سانتا آنا النباتية في كليرمونت بكاليفورنيا ثلاث مجموعات على الأقل منذ عام 2000. وفي إحدى الحالات، كان على العاملين أن يسابقوا الزمن، قبل أن تداهمهم عاصفة مطيرة وشيكة، لإنقاذ العيِّنات الملقاة بإهمال على رصيف شحن. تتذكر لوسيندا ماكديد، المديرة التنفيذية للحديقة، الأمرَ قائلة: «كان علينا ـ بشكل أو بآخر ـ ترك كل شيء، والذهاب لإحضارها». كما غلَّفت الدراما عملية نقل لمعشبة جامعة أيوا بمدينة أيوا إلى جامعة ولاية أيوا بمدينة إيمس في عام 2004، حيث حاولت دعوى قضائية إيقاف عملية النقل، إلا أنه كان قد تم بالفعل تعبئة أكثر من 200 ألف عيِّنة، وقطْعها مسافة 200 كيلومتر إلى ولاية أيوا. وفي العام الماضي، صرَّح القائمون على حديقة بروكلين النباتية في نيويورك أنهم بصدد بيع المبنى الذي يحوي المعشبة الخاصة بهم. وفي إبريل الماضي، أودعت الحديقةُ المجموعةَ لدى حديقة نيويورك النباتية، إلى أن تجد غرفة ملائمة لها في مكان آخر، لكن بعض القائمين على المعشبة قلقون من أنْ يصبح هذا التحرك خارج بروكلين دائمًا.

يمكن أن تكون هناك فوائد لدمج المجموعات، حسب قول جيمس ميلر، نائب رئيس قسم العلوم والحفاظ على البيئة في حديقة ميزوري النباتية، الموجودة في سانت لويس، التي ستنضم إليها مجموعة «دن-بالمر». فالعينات تتلقى عناية أفضل في المؤسسات الكبيرة، كما أنها يمكن أن تحظى باهتمام أكبر من الباحثين، لكنّ دمْج مجموعة يتيمة يُعتبر نعمة ونقمة في الوقت ذاته. فمن الممكن أن يأخذ الأمر سنوات، حتى تتم جدولة العيِّنات الجديدة، مما يُصعِّب استخدامها للدراسة. كما أنه لا بد للمؤسسات العثور على طريقة للقيام بذلك العمل، في أوقات تناقص الأموال، وخفض العمالة. ويقول ميلر بهذا الشأن: «أكون سعيدًا عند تلقِّي عينات جديدة، لكن جزءًا مني يظل دومًا حزينًا عند غلْق معشبة أخرى».

ومقارنةً بفروع علم الأحياء الأخرى، يشعر علماء النبات أنهم كافحوا كثيرًا للحصول على الاحترام في المجتمع العلمي، حيث إنه في عام 1988، كانت نسبة %72 من أعلى خمسين جامعة أمريكية مُمولة تعرض شهادات متقدمة في علم النبات. وقد تم التخلي عن أكثر من نصف هذه البرامج، رغم أنه من المتوقع الارتفاع الطفيف، بسبب الحاجة إلى التربة وعلماء النبات خلال العقود المقبلة، وفقًا لمجلس الولايات المتحدة لاحصائيات العمالة. يقول برير في هذا الصدد: «الحصول على أناس مهتمين بالنباتات الحية يعتبر تحديًا»، بينما يُعتبر إقناعهم بأهمية الحفاظ على أغصان ذابلة مسطحة تحديًا أكبر. ويؤكد علماء النبات أهمية فعل ذلك، إذ تقول فيكي فانك عالمة النبات، والمسؤولة عن المعشبة الوطنية للولايات المتحدة: «كثير منا بدأ في دراسة النباتات، عن طريق التجول بالصدفة داخل معشبة الكلية، فماذا سيحدث إذا تم نقلها جميعًا؟».