تحقيق إخباري

علم الأعصاب: عِلْـم الأوكسيتوسين الصعـب

مع استنتاج الباحثين لكيفية تأثير الأوكسيتوسين على الدماغ، يتخلَّى هرمون العناق عن سمعته كمادة كيميائية بسيطة.

هيلين شين
  • Published online:

Illustration by Dale Edwin Murry


في إبريل 2011، كان روبرت فرومكي وفريقه يعيدون برمجة أدمغة إناث الفئران العذراوات بحقنة هرمون واحدة. وقبل تلقِّي العلاج، كانت إناث الفئران غالبًا لا تبالي بصرخات صغار الفئران المعبِّرة عن الضيق، بل كان بعضهن يدسن بأقدامهن عليهم، ولكن بعد حقنة الأوكسيتوسين، استجابت إناث الفئران؛ وبدأت تتصرف مثل الأمهات، ملتقطات الرضع الباكين في أفواههن. وكان فرومكي، عالِم الأعصاب في مركز لانجون الطبي، التابع لجامعة نيويوك في مدينة نيويورك، يراقب أدمغة الحيوانات، لمعرفة سبب حدوث ذلك.

أظهرت الفئران في البداية إشارات سطحية غير منتظمة من النبضات العصبية عند سماع بكاء الصغار. وفيما بعد، مع تدفق الأوكسيتوسين، تطورت الإشارة إلى نموذج نمطي، مطابِق للموجود في أدمغة الأمهات. وأظهرت الدراسة ـ بتفصيل غير اعتيادي ـ كيف غيَّر الهرمون سلوك الخلايا العصبية1. يقول فرومكي: «يساعد الأوكسيتوسين على تحويل الدماغ، وجعله يستجيب لتلك النداءات التي يطلقها الصغار».

حظي الأوكسيتوسين باهتمام كبير من علماء الأعصاب منذ سبعينات القرن العشرين، عندما بدأت الدراسات تثبت قدرته على توجيه السلوك الأمومي والارتباط الاجتماعي لدى أنواع مختلفة، حيث إن مشاركته في مجموعة من السلوكيات الاجتماعية2، بما في ذلك سلوك الزواج بشريك واحد في فئران الحقل، والترابط بين الأم والرضيع لدى الأغنام، وحتى الثقة بين البشر، منحته صفة «هرمون العناق». ويقول لاري يونج في هذا الصدد، وهو عالم الأعصاب في جامعة إيموري في أتلانتا، الموجودة في جورجيا، عكف على دراسة الجزيء منذ تسعينات القرن العشرين: «لقد استنتج الناس للتو أنه كان جزيء ترابط، أو هرمون عناق، وهذا هو الرأي السائد في الصحافة الشعبية».

«ما نحتاج إلى بدء التفكير فيه، هو الدور الأهم الذي يلعبه الأوكسيتوسين في الدماغ».

وقد دفع هذا الرأي بعض الأطباء لمحاولة اختبار الأوكسيتوسين كعلاج لحالات نفسية، مثل اضطرابات طيف التوحد، لكن التجارب الأولية أدّت إلى نتائج متباينة، ويسعى العلماء الآن إلى فهم أعمق للأوكسيتوسين، وطريقة عمله في الدماغ. يوضح الباحثون ـ مثل فرومكي ـ أن هذا الهرمون يعزز الإشارات العصبية بطريقة يمكنها تضخيم المُدخلات ذات الصلة الاجتماعية، مثل نداءات الاستغاثة أو تعبيرات الوجه. وقد بدأ الباحثون الإكلينيكيون موجة من التجارب الأكثر طموحًا، لاختبار ما إذا الأوكسيتوسين يمكنه المساعدة في علاج بعض أنواع التوحد، أم لا. يقود هذا العمل نحو رؤية أكثر تعقيدًا، عن الهرمون وتأثيراته المعقدة على السلوك، وهو ما سيتطلب خبرات متنوعة وكثيرة لصقل تلك التأثيرات. يقول يونج: «لقد وصل مجال الأكسيتوسين إلى درجة التطور والنضج الكافية لاجتذاب الباحثين من مجالات منفصلة، لإعطائه دفعة إلى الأمام».


مُسرِّع الولادة

تعود بداية قصة الأوكسيتوسين إلى أوائل القرن العشرين، عندما اكتشف علماء الكيمياء الحيوية وجود مادة في الفص الخلفي من الغدة النخامية، يمكنها تعزيز تقلصات الولادة وإدرار اللبن. وعندما اكتشف العلماء في وقت لاحق الهرمون المسؤول، أطلقوا عليه اسم الأوكسيتوسين، استنادًا إلى عبارة يونانية تعني «الولادة السريعة». يُنتَج الأوكسيتوسين بشكل رئيس في منطقة تحت المهاد الدماغية. وفي سبعينات القرن العشرين كشفت الدراسات أن الخلايا العصبية المنتجة للأوكسيتوسين ترسل إشارات إلى كل أنحاء الدماغ، مما يشير إلى أن هذا الهرمون يلعب دورًا في تنظيم السلوك.

في دراسة3 فارقة أُجريت في عام 1979، أظهر كورت بيدرسن وآرثر برانج ـ وهما من جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل ـ أن إعطاء الأوكسيتوسين لإناث الفئران العذراوات يمكنه تحفيز السلوكيات الأمومية على الظهور: فتشرع الحيوانات في بناء الأعشاش، ولعق صغار الفئران التي لا تعرفها، أو تميل عليها، أو قد تعيد صغار الفئران الضائعة إلى الجحر. تابَع الباحثون عملهم؛ لإظهار أن الإشارات التي يرسلها الأوكسيتوسين في أدمغة فئران الحقل (Microtus ochrogaster) تساعد الحيوانات على تكوين روابط زوجية مدى الحياة4، وهي نادرة بين الثدييات. وجد الباحثون في عام 2012 نسخة من الأوكسيتوسين في دودة Caenorhabditis elegans، حيث يساعد الحيوانات في العثور على الأقران5، والتعرف عليها. «إنه جزيء قديم جدًّا»، حسب قول سو كارتر، عالمة الأعصاب في جامعة إنديانا في بلومنتون، التي أجرى مختبرها العديد من الدراسات المبكرة على الأوكسيتوسين في فئران الحقل. وتضيف قائلة: «لقد استُخدم هذا الجزيء وأعيد استخدامه لأغراض كثيرة على مدى تطور الحيوانات الحديثة، وتقريبًا كل مَن حاول البحث عن تأثير الأوكسيتوسين على أي شيء، مثل السلوك الاجتماعي، وصل إلى نتيجة ما».

ما زال هناك العديد من الأسرار المتعلقة بتأثير الأوكسيتوسين على الثدييات. فمن الصعب قياس الأوكسيتوسين بطريقة موثوقة في الدماغ، مما يجعل من الصعب أن نعرف بدقة مكان، ووقت، وكمية الأوكسيتوسين التي تُنتَج في الأحوال الطبيعية، ولا يتمكن العلماء أيضًا من الفهم الدقيق لكيفية عمله لتغيير السلوك. يقول يونج: «ما نحتاج إلى بدء التفكير فيه، هو الدور الأهم الذي يلعبه الأوكسيتوسين في الدماغ». وقد زاد الاهتمام في المجتمع العلمي بفهم طريقة عمل الأوكسيتوسين في الدماغ، بالتزامن مع اتجاه متنامٍ في علم الأعصاب، يهدف إلى دراسة وتوصيف الدوائر العصبية المحورية في العمليات الدماغية. يقول توماس إنسل، مدير المعهد الوطني الأمريكي للصحة الذهنية في بيثيسدا، ميريلاند، الذي درس الأوكسيتوسين في فئران الحقل: «هذا هو المستوى الحاسم لفهم كيفية قيام الدماغ بتنظيم السلوك».

«إنه ليس بجُزَيْء يمكن أن يتناوله الناس بأنفسهم، أو يعبثوا به».

وفي لانجون، ركَّز فرومكي على الدوائر المسؤولة عن استجابة الأمهات لبكاء الصغار، وهو السلوك الذي يساعد الإناث في العثور على حديثي الولادة قليلي الحيلة، الذين قد يضيعون عندما تغيِّر الأم مكان اختبائها، ثم إعادتهم. وركز فرومكي أبحاثه على القشرة السمعية اليسرى، وهي منطقة دماغية يعتقد أنها تشارك في الكشف عن نداءات الاستغاثة فوق الصوتية الصادرة عن صغار الفئران.

أظهرت دراسة فرومكي1 ـ التي نُشرَت في إبريل الماضي ـ أن الأوكسيتوسين يكبت الخلايا العصبية المثبطة بشكل مؤقت ـ وهي الخلايا التي تثبط الفعالية العصبية ـ مما يمكِّن الخلايا المستثارة من الاستجابة بطريقة أكثر قوة وفعالية، حيث يوضح فرومكي قائلًا: «ترى فرضيّتنا أن دماغ العذارى هي بمثابة غطاء من المثبطات، وأن ربط نداء الفأر الصغير بالأوكسيتوسين يتيح للشبكة إعادة التكوين». وقد يعمل الهرمون كمضخم للإشارات الواردة، ويسمح بتعريفها للدماغ على أنها إشارات سلوكية مهمة. ويضيف قائلًا إنه من الممكن أن تتمكن هذه الآلية من تفسير الأسباب التي تجعل بعض الأمهات من البشر يشعرن بأن أدمغتهن مضبوطة خصيصًا على سماع بكاء أطفالهن، والاستجابة له.

يقول ريتشارد تسين، وهو أيضًا عالم أعصاب في لانجون: «تُعتبر هذه الدراسة علامة مائية مميزة لهذا المجال، حيث تجمع مستويات مختلفة معًا: سلوكًا قويًّا، ومنطقة دماغية، وأساسًا خلويًّا لها». وقد دأب تسين على دراسة عمل الأوكسيتوسين على الدوائر العصبية بالتفصيل، عن طريق فحص شرائح من الحصين، وهي منطقة في الدماغ مشتركة في التعلم والذاكرة. ووجد فريق تسين البحثي في دراسة6 أجروها في عام 2013 على الفئران أن الأوكسيتوسين يعمل بشكل انتقائي على نوع من الخلايا يُسمى «الخلية العصبية المتوسطة المثبطة»، بطريقة تهدئ الضوضاء في خلفية الدائرة العصبية. ويوضح تسين هذا بقوله: «حَسَّن الأوكسيتوسين نقل الإشارات، وضاعف تقريبًا من قدرة المعلومات على التدفق خلال الجهاز العصبي»، والنتيجة هي إنتاج إشارات أكثر، وضوضاء أقل.

إن العمل الذي قام به فرومكي وتسين يتسق مع نظرية أوسع، هي أن إحدى الطرق التي يساعد بها الأوكسيتوسين على التفاعل الاجتماعي والتعرف على الآخرين تأتي من تعزيز استجابة الدماغ للمَشاهد والأصوات ذات الصلة الاجتماعية، أو سواها من المنبهات. وأظهر يونج أن الهرمون يساعد الفئران في التعرف على روائح الفئران الأخرى7 والاهتمام بها، ووجد آخرون أنه يعزز قدرة الناس على التعرف على الوجوه8.

إنّ الهرمون لا يعمل منفردًا. ففي عام 2013، أظهر عالِم الأعصاب روبرت ملنكا ـ من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا وزملاؤه ـ أن الأوكسيتوسين يعمل إلى جانب الناقل العصبي المسمى سيروتونين، بغرض الحد من استثارة الخلايا العصبية في النواة المتكئة9، وهي المنطقة الدماغية المسؤولة عن المكافأة. ويبدو أن هذه العملية تدعم تفضيل الفئران للعودة إلى الأوساط التي وجدوا فيها تفاعلات اجتماعية مجزية مع الحيوانات الأخرى. ويتحدث كارتر في هذا الصدد قائلًا: «يشكِّل الأوكسيتوسين جزءًا من نظام الجهاز العصبي، ولكنه ليس الجزيء المهم الوحيد، بل هو الجزيء الذي يلعب دورًا تنظيميًّا لعدد كبير من الأنظمة الأخرى بشكل ما».


مسألة ثقة

تزامَن التطور السريع في مجال البحوث الأساسية مع زيادة مطردة في الاهتمام الإكلينيكي. فقد تم استخدام الأوكسيتوسين منذ خمسينات القرن العشرين، بهدف تسريع الولادة، ولذا.. يعتبره كثير من الباحثين آمنًا نسبيًّا للاستخدام في التجارب. ومنذ ما يقرب من عشر سنوات، بدأت دراسات علم النفس في تبيان أن إعطاء جرعة واحدة من الأوكسيتوسين ـ على شكل رذاذ أنفي ـ قد تعزز جوانب مختلفة من السلوك الاجتماعي لدى البالغين الأصحاء. كان الأفراد الذين استنشقوا الأوكسيتوسين قبل الدخول في لعبة الاستثمار أكثر استعدادًا لتسليم أموالهم لشخص غريب، مقارنةً باللاعبين الذين عُولجوا بدواء وهمي10. كما أسهمت جرعة من الهرمون في زيادة المدة التي يقضيها الناس محدقين في منطقة العين من الوجوه11، وتحسين قدرتهم على استدلال الحالة العاطفية للآخرين من تعبيراتهم الغامضة12.

إن الفكرة القائلة إن الأوكسيتوسين يشكِّل مركز الإدراك الاجتماعي جعلت منه مرشحا جذابًا لعلاج الاضطرابات النفسية، وخاصة اضطراب طيف التوحد. والمصابون بهذه الحالة، الذين غالبًا ما يعانون من مشاكل في التفاعل الاجتماعي والتواصل، قد لا يتعاملون مع المؤثرات الاجتماعية بشكل مناسب. وافترض العلماء أن الأوكسيتوسين قد يتمكن من عكس تأثير بعض الأعراض. ومع حلول عام 2010، ظهرت نتائج تبدو داعمة لهذه النظرية: فقد وجد الباحثون أن النفثات المفردة من الأوكسيتوسين يمكن أن تحسِّن بشكل مؤقت عمليات التعاطف والتعاون الاجتماعي لدى الأفراد الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد.

«تَحَمَّس الناس بشدة»، هكذا تتذكر المتخصصة في علم الأعصاب الإكلينيكي إيفدوكيا أناجنوستو، التي شاركت في إدارة مركز أبحاث التوحد في مستشفى هولندا بلورفيو، لإعادة تأهيل الأطفال في تورونتو، الموجود في كندا، لكن أناجنوستو تقول إن بعض الخطوات الأولية تم تجاوزها، مع اندفاع الباحثين لاختبار الأوكسيتوسين كعلاج للأمراض النفسية. «تقتضي الأمانة الإقرار بأننا لو كنا أجرينا الأبحاث بالطريقة الصحيحة، لما كنا قد اتبعنا الطريقة نفسها. لقد أجريناها بسرعة أكبر من اللازم»، حسب قولها. فنظرًا إلى أن الأوكسيتوسين كان قد اجتاز الخطوات القياسية المبكرة لابتكار الأدوية قبل عقود، لم يختبر بعض الباحثين بشكل منهجي مجموعةً من الجرعات، بهدف معرفة ما إذا كان لها تأثيرات نفسية مختلفة، أم لا.

كانت غالبية الدراسات المبكرة على الأوكسيتوسين من أجل اضطراب التوحد محدودة، لأنها قيَّمت جرعة واحدة فقط، وكان عدد المشاركين فيها قليل نسبيًّا. وقد فشلت تجارب لاحقة تَستخدِم مزيدًا من الجرعات في تقديم دراسة وافية لتأثير الأوكسيتوسين. وفي عام 2010، درس عالِم النفس الإكلينيكي آدم جواستيللا ـ الذي يعمل بجامعة سيدني في أستراليا ـ حالة 16 مراهقًا من الذكور المصابين باضطراب طيف التوحد، ووجد أن جرعة واحدة من الأوكسيتوسين يمكنها تحسين قدرتهم على قياس مشاعر الآخرين، عن طريق النظر في عيونهم13، ولكن عندما حاول إعطاء جرعات الهرمون لهم مرتين يوميًّا لمدة شهرين، لم يجد تحسنًا ملحوظة في التفاعل الاجتماعي، أو الادراك الاجتماعي14. «لقد أظهرت الدراسات التي أجريت حتى هذه النقطة فائدة محدودة للأوكسيتوسين في تحسين الأمراض النفسية على مر الوقت»، حسب قول جواستيللا، الذي يضيف قائلًا إن المعرفة الكاملة للتأثيرات العصبية المعقدة للأوكسيتوسين سوف تستغرق وقتًا طويلًا .. «إذا كنا نريد إجابة بسيطة، فلن نحصل عليها».


الحقيقة تكمن في التفاصيل

حتى الآن، ربط عدد قليل من الدراسات ـ بشكل قاطع ـ بين مرض التوحد، واضطرابات إشارات الأوكسيتوسين. وقد ظهرت أدلة أكثر وضوحًا في فبراير الماضي، عن طريق فريق بحثي قاده دانييل جيشويند، عالِم التخليق العصبي من جامعة كاليفورنيا، في لوس أنجيليس. وأظهر الفريق أن الفئران التي افتقرت إلى نسخة عاملة من الجين Cntnap2 ـ المعروف إسهامه في مجموعة فرعية صغيرة من حالات التوحد لدى الإنسان ـ كان لديها عدد أقل من الخلايا العصبية التي تحتوي على الأوكسيتوسين في منطقة ما تحت المهاد الدماغية، وكان تفاعلها الاجتماعي مع الفئران الأخرى أقل، مقارنةً بتفاعل فئران المجموعة الضابطة15. وبعد تلقِّي الفئران لجرعات يومية من الأوكسيتوسين لمدة أسبوعين؛ عادت إلى التصرف بشكل طبيعي مرة أخرى. يقول جيشويند: «قبل هذا، لم يكن هناك دليل على وجود نوع فرعي من التوحد، ذي صلة بنقص الأوكسيتوسين». وتشير دراسته إلى زيادة استهداف نهج بعينه في العيادة. تقول كارين باركر، المتخصصة في علم الأعصاب السلوكي في ستانفورد: «التوحد اضطراب غير متجانس إلى حد كبير، ولكن إذا كان يمكنك العثور على مجموعات فرعية من الأفراد (أولئك الذين لديهم خلل في إشارات الأوكسيتوسين)؛ فقد يكونون أفضل المرشحين للعلاج بالأوكسيتوسين».

هناك مجموعة كبيرة من التجارب الإكلينيكية واسعة النطاق، تُجرى حاليًّا لاختبار الأوكسيتوسين، والعلاجات المستندة إليه، بهدف علاج اضطراب طيف التوحد، ولاستنتاج نوعية المصابين الذين يمكنهم الاستفادة من هذه التجارب. وتقود أكبر هذه التجارب لينماري سيكيش، الطبيبة النفسية المختصة بالأطفال في جامعة نورث كارولينا. وتعتزم سيكيش إدراج 300 مصاب باضطراب طيف التوحد، تتراوح أعمارهم من 3 سنوات إلى 17 سنة، ثم إعطاءهم الأوكسيتوسين أو الدواء الوهمي لمدة 6 أشهر، تليها 6 أشهر يتلقّى فيها الجميع الأوكسيتوسين.

وخلافًا للدراسات السابقة، سوف تشمل التجربة أفرادًا لديهم مجموعة واسعة من الأعراض، أحد أهدافها الرئيسة هو الكشف عن مجموعة من العوامل التي تؤثر على وجود، وكيفية، وقوة استجابة الناس إلى الأوكسيتوسين. ستحلِّل سيكيش العديد من مقاييس الإدراك والأداء الاجتماعي، وستجمع عيِّنات الدم؛ للبحث عن المؤشرات الحيوية التي ترتبط بالاستجابة، مثل معدلات الأوكسيتوسين، والمستقبِلات التي ترتبط بها. يقول كارتر: «لقد دأبت لين بالفعل على محاولة خلق الظروف التي يمكنك أن تدرس فيها التأثيرات المفيدة المحتملة للأوكسيتوسين. وهي تفعل هذا بالطريقة الصحيحة بالفعل»، لكن كارتر وغيره من العلماء قلقون بشأن تقارير من الأطباء وآباء الأطفال الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد، والذين يقولون إنهم يستخدمون بالفعل الأوكسيتوسين غير المصدَّق عليه رسميًّا، وذلك قبل اختباره بشكل كامل. ويقول كارتر في هذا الصدد: «إننا لا نفهم كيف يعمل هذا الهرمون بعد، وليس لدينا ما يكفي من المعلومات حول ما يحدث للمريض عندما يُعطَى له بشكل مستمر. إنه ليس بجزيء يمكن أن يتناوله الناس بأنفسهم، أو يعبثوا به».

وقد أشارت عدة أعمال إلى الجانب المظلم المحتمَل للأوكسيتوسين، حيث وجدت مجموعة كارتر أن إعطاء جرعة واحدة منخفضة من الهرمون لصغار فأر الحقل، حَسَّنَ ترابطها الزوجي عندما بلغت سن الرشد، إلا أن الجرعات الأعلى تداخلت مع هذا السلوك، ربما لأن الأوكسيتوسين بدأ بتفعيل مستقبِلات أخرى16. وقد أشارت الدراسات على البشر في بعض السياقات إلى أن نفثات من الأوكسيتوسين يمكنها أن تجعل الناس أكثر عدوانية في الدفاع عن أنفسهم ضد الغرباء، أو المنافسين17. وفي حالة المرضى الذين يعانون من الحالة النفسية المعروفة باسم «اضطراب الشخصية الحَدِّيَّة»، وُجد أن جرعة واحدة من الأوكسيتوسين تعرقل الثقة والتعاون18.

يقول يونج إن مجال الأوكسيتوسين سيستفيد من تعاون أوثق بين الباحثين الأساسيين والباحثين الإكلينيكيين. فإذا تمكّن العلماء الأساسيون من استنتاج الطريقة التي يساعد الأوكسيتوسين فيها الدماغ على معالجة المحفزات الاجتماعية، عندئذ قد يساعد هذا على تصميم المحفزات على شكل علاجات سلوكية، يمكن إجراؤها إلى جانب المعالجة بالهرمون لتغيير السلوك، تمامًا كما يؤثر الأوكسيتوسين ونداءات الصغار معًا على إناث الفئران العذراوات. «أعتقد أن هذين الفرعين بحاجة إلى التواصل أكثر فيما بينهما في المستقبل»، حسب قول يونج. وقبل حدوث ذلك بوقت طويل، اقترح الباحثون أنه من الممكن أن يستفيد الأوكسيتوسين من تغيير التسمية المعروف بها شعبيًّا. «إنه لا يسبب الحب، ولا يجلب كميات هائلة من الثقة»، هكذا تحدَّث جواستيلا، مضيفًا: «المشكلة التي أوقعنا أنفسنا فيها هي أننا نحاول البحث عن إجابة بسيطة بنعم، أو بلا: فإما أن الأوكسيتوسين يعمل، أو لا يعمل في المجموعات المريضة، وإما أنه يعزز، أو لا يعزز عملية اجتماعية معينة»، لكن علوم الحياة نادرًا ما تكون على هذه الدرجة من البساطة. وفي هذا الصدد يتحدث جواستيلا قائلًا: «من المعروف أن الأوكسيتوسين يؤثر على الدوائر العصبية بطرق مختلفة، وهو لن يؤثر على الجميع بالطريقة نفسها، فالأنواع البيولوجية التي ندرسها هنا معقدة بشكل لا يُصدَّق».

  1. Marlin, B. J., Mitre, M., D'amour, J. A., Chao, M. V. & Froemke, R. C. Nature 520, 499504 (2015).

  2. Ross, H. E. & Young, L. J. Front. Neuroendocrinol. 30, 534547 (2009).

  3. Pedersen, C. A. & Prange, A. J. Jr. Proc. Natl Acad. Sci. USA 76, 66616665 (1979).

  4. Williams, J. R., Carter, C. S. & Insel, T. Ann. NY Acad. Sci. 652, 487489 (1992).

  5. Garrison, J. L. et al. Science 338, 540543 (2012).

  6. Owen, S. F. et al. Nature 500, 458462 (2013).

  7. Ferguson, J. N., Aldag, J. M., Insel, T. R. & Young, L. J. J. Neurosci. 21, 82788285 (2001).

  8. Rimmele, U., Hediger, K. Heinrichs, M. & Klaver, P. J. Neurosci. 29, 3842 (2009).

  9. Dölen, G., Darvishzadeh, A., Huang, K. W. & Malenka, R. C. Nature 501, 179184 (2013).

  10. Kosfeld, M., Heinrichs, M., Zak, P. J., Fischbacher, U. & Fehr, E. Nature 435, 673676 (2005).

  11. Guastella, A. J., Mitchell, P. B. & Dadds, M. R. Biol. Psychiatry 63, 35 (2008).

  12. Domes, G., Heinrichs, M., Michel, A., Berger, C. & Herpertz, S. C. Biol. Psychiatry 61, 731733 (2007).

  13. Guastella, A. J. et al. Biol. Psychiatry 67, 692694 (2010).

  14. Guastella, A. J. et al. J. Child Psychol. Psychiatry 56, 444452 (2015).

  15. Peñagarikano, O. et al. Sci. Transl. Med. 7, 271ra8 (2015).

  16. Bales, K. L. et al. Horm. Behav. 52, 274279 (2007).

  17. De Dreu, C. K. W. et al. Science 328, 14081411 (2010).

  18. Bartz, J. et al. Soc. Cogn. Affect. Neurosci. 6, 556563 (2011).