أخبار

الكشف عن جراثيم المدينة

يسلّط علم الجينوم الضوء على الكائنات المجهرية الساكنة في البيوت، والمواصلات، والصرف الصحي.

راشيل إرينبيرج
  • Published online:

<p>القطارات ليست مكتظة بالأشخاص فقط، بل تلتصق البكتيريا بالمقاعد بفاعلية أكبر من التصاقها بالأعمدة المعدنية.</p>

القطارات ليست مكتظة بالأشخاص فقط، بل تلتصق البكتيريا بالمقاعد بفاعلية أكبر من التصاقها بالأعمدة المعدنية.

CARLO ALLEGRI/Reuters/Corbis


وسط الناس، والحَمَام، والصراصير، والجرذان، هناك عالَم حاشد من البكتيريا والفيروسات والفطريات والكائنات وحيدات الخلية، المطمورة في القذارة والفوضى في أكبر مدن العالم. ولم يبدأ العلماء في رصد هذا العالَم إلا مؤخرًا فقط. فالجراثيم توجد في كل مكان.. في القطارات، وعلى الأرصفة، وفي المصاعد، وكذلك في الحدائق، والمكتبات، والمستشفيات، والمدارس؛ وغالبيتها عديمة الضرر، وبعضها حميد، وقليل منها يسبب الوفاة والمرض، إلّا أن الغالبية العظمى منها لا زالت مجهولة.

وَصَفَ الباحثون نتائج غزواتهم المبكرة في هذا الميدان المجهول في مؤتمر «جراثيم في المدينة»، الذي أقيم في التاسع عشر من يونيو الماضي، بضيافة أكاديمية نيويورك للعلوم وجامعة نيويورك، داخل مكتب بواجهة زجاجية في الدور الأربعين في أحد أبراج مانهاتن. تقول جويل أكلسبيرج، المختصة في علم الوبائيات الطبية في قسم النظافة الصحية والذهنية بمدينة نيويورك: «نحن بالفعل في المراحل الأولى من مسعى علمي جديد مثير للاهتمام، لكننا لا نعرف عنه إلا القليل حتى اليوم».

لا يعرف الباحثون الأساليب المناسبة لرصد هذا المشهد الغريب، حيث تتنافس التقنيات المتنوعة للكشف عن الجراثيم، أو تقدير أعدادها، أو تعقُّب العمليات التي تقوم بها في البيئة المأهولة، وأين تحدث تلك العمليات، إلا أن الباحثين يؤمنون بأن الجهود المبذولة قد تقودنا إلى اكتشاف أساليب جديدة لرصد الإرهاب البيولوجي، وتتبُّع تفشِّي الأمراض، أو تقييم تأثير العواصف والتلوث.

إن الطاقة الإنتاجية العالية للتقنيات تمكِّن العلماء شهريًّا من تحليل السلسلة الوراثية لما يقرب من 1,000 جينوم جرثومي من العيِّنات التي تُجْمَع من بيئات متنوعة، كما يرى كورتيس هوتنهاور، مختص الأحياء المحوسبة بكلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة في بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية. ويُعتبر هذا القدر العالي من المعطيات مدهشًا، لكنه يبقى قليلًا، مقارنةً بما نجهل. وكان كريستوفر ميسون، مختص علم الوراثة المحوسبة في كلية وييل كورنل الطبية في مدينة نيويورك، قد أطلع المؤتمر على كيفية كشف الحمض النووي لحوالي 1,700 نوع بكتيري معروف، أغلبه عديم الضرر، وذلك عن طريق إجراء دراسة استكشافية مبدئية لمواد وراثية جُمِعَت من على أسطح مترو الأنفاق بالمدينة، لكن %48 من المادة الوراثية المجمَّعة لم تتطابق مع أيٍّ من المواد التي اكتُشفت حتى اليوم. يقول ميسون: «نصف العالم الموجود تحت أطراف أصابعنا ما زال مجهولًا».

وما زالت تظهر اتجاهات جديدة من مبادرة «علم الجينوم البيئي، والتصميم لمترو الأنفاق والمناطق الحضرية الحيوية» MetaSUB، التي تهدف إلى تحديد مواصفات المواد الوراثية الموجودة في أنظمة المواصلات العامة في 16 مدينة من مدن العالم؛ للكشف عن الركاب المجهريين. أما العواصف، فهي تترك علامات وآثارًا: بعد أشهر من وقوع إعصار ساندي في عام 2012، غمر الفيضان محطة ساوث فيري في مدينة نيويورك، ولا تزال المحطة تؤوي أحماضًا نووية خاصة بالبكتيريا المرتبطة بالبيئة البحرية الباردة والسَّمَك، كما يقول ميسون. أما البكتيريا الموجودة في مترو الأنفاق عديمة الضرر، فمعظمها ينتمي إلى فصائل Acinetobacter، وأخرى مرتبطة بالجلد البشري. وخلال حديثه، وصف هوتنهاور دراسة استطلاعية تناولت نظام النقل في بوسطن، كشفت نتائجها عن جراثيم مشابهة، وقال: «كل شيء موجود في جلد الإنسان». كما لاحظ أن الأعمدة المعدنية في القطارات، التي عادةً ما يَشتبه فيها الركاب من حيث النظافة الصحية، أظهرت أنها في الواقع تحمل كتلة حيوية من البكتيريا أقل بكثير من المقاعد «المُنَجَّدة» في القطار، أو المقابض البلاستيكية.

يقول عالِم الأحياء المجهرية البيئية، جاك جيلبيرت، من مختبر أرجون الوطني في ولاية إلينوي، إن الميكروبات في البيئة المنزلية تتناسب مع قاطني المنزل من البشر، وتتبدل بسرعة بعد دخول سكان جدد، إذ يصف جيلبيرت وزملاؤه نتائج دراسة استطلاعية أُجريت على 10 منازل، بيّنت أنها تدخلها جراثيم جديدة مرتبطة بالقاطنين الجدد خلال 24 ساعة من انتقالهم للمنزل الجديد.

تقع القوارض في نطاق الدراسة أيضًا؛ فعلى سبيل المثال.. تحمل الفئران ذات القدم البيضاء (Peromyscus leucopus) في مدينة نيويورك بكتيريا Helicobacter وبكتيريا Atopobium ـ المرتبطتين بقرحة المعدة والتهاب المهبل الجرثومي لدى النساء ـ أكثر من مثيلاتها في الضواحي، ولكنها خالية تمامًا من المُمْرِضات المنقولة بالقراد، حسب تقرير عالمة الأحياء أليسا أمازالورسو من كلية ألبرت أينشتاين للطب في مدينة نيويورك. وتحمل جرذان المدينة عددًا من أنواع البكتيريا، المعروف عنها أنها تسبِّب مشكلات للبشر، كما ذكر عالِم الوبائيات إيان ليبكين، مدير مركز العدوى والمناعة في جامعة كولومبيا بنيويورك. ووجد ليبكين وزملاؤه مُمْرِضات من نوع Escherichia coli وClostridium difficile وSalmonella enterica، وسلالة مدينة سول من فيروس هانتا، الذي قد يكون فتّاكًا، إذا انتقل إلى البشر (C. Firth et al. mBio 5, e01933-14; 2014).

ووفق تقرير قدمته المختصّتان في علم الجينوم.. سوزان جوزيف، وجين كارلتون، من مركز جامعة نيويورك لعلوم الجينوم والأنظمة الحيوية، كشفت عيِّنات صرف صحي ـ جُمعت من 14 مصنعًا لمعالجة مياه الصرف في مدينة نيويورك ـ عن عدد مقلق من الجينات المقاوِمة للمضادات الحيوية. وتقول سوزان إن مياه الصرف الصحي هي بمثابة بيئة مثالية لنمو وانتشار المقاوَمة للمضادات الحيوية، حيث إنها أشبه بحساء مشتق من البشر، مليء بمضادات حيوية متنوعة. وقال مدير برنامج البيئة الجرثومية البشرية في كلية الطب بجامعة نيويورك، مارتين بلاسير، إنه كلما زاد تنوّع الجراثيم المقاوِمة وأدواتها الدفاعية، قلّ تنوع الجراثيم المرتبطة بالبشر بشكلٍ عام، كما فسَّر كيف اكتشف هو وزملاؤه أن الناس في الغرب لديهم بكتيريا دفاعية أقل من المجموعات السكانية المعزولة، مثل مجموعة اليانومامي في أدغال الأمازون.

يقول بلاسير: «لقد فقدنا بالفعل نصف التنوُّع الذي كنا نحظى به، وبدأنا ندرك الآن فقط كم كان مهمًّا».