أنباء وآراء

الاحتباس الحراري العالمي: زيـادة التأثيـر الكـربـوني للمحيطـات على المنـاخ

تفيد النتائج بأن تأثير دورة الكربون بالمحيطات على المناخ قد يتجاوز تأثير دورة الكربون باليابسة. ولهذا تَبِعَات على التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لانبعاثات الوقود الأحفوري في الوقت الراهن.

فورتيونات جوس
  • Published online:

يقلِّل الاحتباس الحراري من درجة امتصاص المحيط والغلاف الحيوي الأرضي لثاني أكسيد الكربون. وينتج عن ذلك بقاء المزيد من ثاني أكسيد الكربون ذي المنشأ البشري في الغلاف الجوي، بحيث يتسبب في زيادة حدة الاحتباس الحراري، ويعني ذلك حدوث تأثير كربوني متضخم على المناخ. وعادةً ما يُعتقَد أن التأثيرات الكربونية المتضخمة على النباتات والتربة أكبر بعدة مرات من تأثيرات نظيراتها على المحيط. يقول راندرسون وزملاؤه1 في بحثهم المنشور في دورية "جلوبال بيوجيوكيميكال سايكلس" Global Biogeochemical Cycles إنه ينبغي إعادة النظر في هذه الفكرة، وإعادة تعريفها.. فعلى المدى البعيد، سوف يصبح للمحيط دور أكبر من دور اليابسة في الترابط ما بين المناخ والكربون.

جمّع الباحثون نتائج عمليات محاكاة طويلة الأمد، تم إنجازها باستخدام نموذج لنظام كوكب الأرض، اسمه "نموذج نظام مجتمع الأرض"2 CESM، حيث يوجد به تحليل معتمد3 لتأثيرات الكربون على المناخ، ثم قاموا بتشغيل النموذج، بحيث يجري محاكاة لما سيحدث من الآن، حتى حلول عام 2300، باستخدام منظومات متعاكسة، تأخذ في الاعتبار أثر الانبعاث القسري لثاني أكسيد الكربون الناتج عن تأثير الغازات الدفيئة تارة، أو تقوم بتجاهل هذا التأثير تارة أخرى. ويذكر هذا الفريق أن التأثير الكربوني للمحيط على المناخ (الذي يتم قياسه على أنه الفرق في كمية الكربون التراكمية التي امتصها المحيط، بين المنظومة التي تضع في حسابها الانبعاث القسري الناتج عن الانبعاثات الرئيسة ذات المنشأ البشري، بما فيها ثاني أكسيد الكربون، وبين المنظومة التي لا تضع في حسابها مثل هذا الانبعاث القسري) بلغ %3 في عام 1999، كما أنه سوف يزيد بنسبة هائلة تبلغ %23 بحلول عام 2300. والأمر المثير للدهشة هو أن التأثير الكربوني بين المحيط والمناخ، سوف يصبح أكبر من نظيره بين اليابسة والمناخ بدءًا من عام 2100 (الشكل 1).

استخدم راندرسون وزملاؤه1 نموذجًا حاسوبيًّا، لكي يوضحوا الزيادة الملحوظة مع الزمن لإسهام التأثير الكربوني للمحيط في تغير المناخ، حيث سيتفوق على إسهام التأثير الكربوني لليابسة بحلول عام 2100. ويوضح الشكل البياني ـ على فترات زمنية مختلفة ـ نسبة الانخفاض في امتصاص الكربون ذي المنشأ البشري، الناتج عن التغير المناخي (مُقَاسًا بوحدة بيتا جرام، حيث يساوي البيتا جرام الواحد 1015 جرامًا)، بواسطة المحيط والغلاف الحيوي الأرضي، مقابل الزيادة في متوسط درجة حرارة هواء السطح بمقدار درجة مئوية واحدة. قام الباحثون بحساب درجات الحساسية المذكورة، من الفروق بين التدفق الكربوني التراكمي، ومتوسط درجة حرارة هواء السطح على مستوى العالم، وهذا في عملية محاكاة يؤثر فيها ثاني أكسيد الكربون على المناخ، وأخرى يتم فيها تجاهل التأثير المباشر لثاني أكسيد الكربون على الاحتباس الحراري.

كبر الصورة


يرجع التعارض الظاهري مع وجه النظر التقليدية التي تَعتبر تأثير المحيط أصغر من تأثير اليابسة4، إلى فروق في المقياس الزمني، إذ يتم تدوير معظم الكربون عبر النباتات والتربة خلال عدة عقود فحسب، بينما يستغرق نقل الكربون من سطح البحر إلى أعماق المحيطات عدة قرون. ولذلك.. يكون التأثير الكربوني لليابسة على المناخ أكبر على المدى القصير من التأثير الكربوني للبحار، إلا أن هذا الوضع ينعكس على المدى الطويل.

وعملية امتصاص الكربون في المحيطات هي في الأساس عملية فيزيائية كيميائية، حيث يمثل فيها انتقال الماء من السطح إلى الأعماق الخطوةَ المُحدِّدة لمعدل الامتصاص، كما تنطلق أيونات الهيدروجين في هذه العملية، نتيجة للتفاعل بين ثاني أكسيد الكربون والماء، وتسبب هذه الأيونات زيادة درجة حمضية المحيط5. يذكر راندرسون وزملاؤه أن الاحترار يقلل من ذوبان ثاني أكسيد الكربون في الماء، كما يقلل من كثافة المياه السطحية، ويبطئ من الدوران الانقلابي (ويعرف بأنه حركة المياه السطحية من الارتفاعات العالية إلى أعماق المحيط، التي يتم تعويضها بالمياه الصاعدة من الارتفاعات الأخرى). تخفِّض هذه التأثيرات سعة امتصاص المحيط الكلية للكربون ذي المنشأ البشري، وكذلك تقلل انتقاله من السطح إلى الأعماق. يتفق كل من مقدار التأثير الكربوني للمحيط على المناخ الذي توصل إليه الباحثون، والآلية الرئيسة التي اقترحوها لهذه العملية ـ التي تتضمن شبه انهيار للدوران الانقلابي للمحيط الأطلنطي، ودورًا صغيرًا للعمليات الحيوية البحرية ـ مع ما توصلت إليه الدراسات السابقة (على سبيل المثال، المرجع 6) التي استخدمت نماذج تنطوي على ديناميكيات محيطية، أبسط من تلك المتضمَّنة في "نموذج نظام مجتمع الأرض".

كما وجد الباحثون أن فقْد الكربون في اليابسة يحدث بسبب المعدلات المتزايدة لتفكك التربة-الكربون، الناتج عن زيادة الاحترار. وهذا يتحكم في تحفيز إنتاجية النباتات، التي تتسبب فيها الرطوبة، وطول فترة موسم النمو في الارتفاعات العالية. وإضافة إلى ذلك.. ووفقًا لسيناريو المحاكاة الذي استخدمه الباحثون، يتسبب الاستخدام البشري في تقليل مقادير الكربون في النباتات، وهو ما يحدّ من التأثير المتضخم المحتمل للتأثير الكربوني لليابسة على المناخ.

يُعَدّ تمثيل العمليات الكيميائية الجيولوجية الحيوية في "نموذج نظام مجتمع الأرض" تمثيلًا متطورًا، إلا أن عددًا من التأثيرات الكربونية لهذه العمليات غير مؤكد، وغير ممثَّل بصورة جيدة. ويشمل7 هذا تأثيرات زيادة حمضية المحيطات، والاحترار، وارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون المذاب، والزيادات المحتملة في حجم المناطق منخفضة الأكسجين في الأنظمة البيئية البحرية، والإنتاجية البيولوجية، وإنتاج غاز أكسيد النيتروز، الذي يُعَدّ من غازات الدفيئة، وتصدير الجسيمات ذات المنشأ الحيوي من السطح إلى أعماق المحيط، وسرعة غرق هذه الجسيمات، ومعدل تفككها. وفي اليابسة أيضًا يمكن أن يؤدي ذوبان الكربون الموجود في الأراضي دائمة التجمد إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون (المرجع 8)، والميثان4، وهذه العمليات السابقة لم تُضمَّن في نسخة "نموذج نظام مجتمع الأرض" التي استخدمها الباحثون. وينبغي القيام بأبحاث إضافية، بغرض دراسة تغيرات الأراضي الرطبة والأراضي الخثة، وفقًا للتوقعات التي ينتجها نموذج المحاكاة، من أجل الحصول على بيانات أكثر دقة عن كميات انبعاثات الميثان، وأكسيد النيتروز، والمركبات العضوية من الغلاف الحيوي الأرضي؛ لأن كل هذه التغيرات والانبعاثات تسهم في تغيير المناخ القسري9.

يمكن أن تساعدنا بيانات التغيرات السابقة في مستويات ثاني أكسيد الكربون والبيانات المناخية، على تجنب الاعتماد الحصري على النماذج التي تتنبأ بالنزعات المستقبلية. وعلى الرغم من أنه لا يمكن استخدام معلومات علم المناخ القديم بصورة مباشرة، لتقييم الكيفية التي يؤثر بها التغير المناخي على انسياب الكربون ذي المنشأ البشري، إلا أن هذه المعلومات تكشف عن الكيفية التي تتغير بها الدورة الطبيعية للكربون. وتوثق بيانات علم المناخ القديم زيادة نسبة التغير في تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مقابل التغير في متوسط درجة حرارة الهواء على مستوى العالم، على المقياس الزمني للتغيرات المناخية. كما توثق هذه البيانات أن الزيادة في ثاني أكسيد الكربون في المقاييس الزمنية من العقد إلى القرن أقل من 20 جزءًا من المليون لكل درجة من الاحترار10 على الأرجح.

تنشأ قيود إضافية على التفاعلات ما بين الكربون والمناخ من البيانات المناظرة، التي تسمح بإطلاق الغازات الدفيئة من مصادرها في اليابسة والمحيط. وتوضح البيانات المناظرة للكربون أن التغيرات في نسبة ثاني اكسيد الكربون على امتداد عقد من الزمان خلال الألفية المنقضية كانت تحدث بصورة رئيسة بسبب التغيرات11 في التأثيرات الكربونية لليابسة. وهو الأمر الذي يتفق مع النتائج التي توصل اليها راندرسون وزملاؤه بخصوص التأثير الكربوني للبحر على المدى القصير، إلا أن البيانات المناظرة لأكسيد النيتروز، تطرح أسئلة بشأن الافتراض الضمني في "نموذج نظام مجتمع الأرض"، الذي ينص على أن وجود النيتروجين يحدّ بدرجة كبيرة من نمو النباتات. وتوضح البيانات تزايد مصادر أكسيد النيتروز في اليابسة خلال فترة ذوبان الجليد الأخيرة، وهذا يعني ضمنًا حدوث زيادة في تدفق النيتروجين عبر الغلاف الحيوي الأرضي، كما يعني كذلك أن مستوى الحد من النيتروجين كان منخفضًا12. والتحدي القديم المستمر للباحثين هو تطوير نماذج لنظام كوكب الأرض، تجري عمليات محاكاة سلسة من الماضي إلى المستقبل، وتقوم بتكامل معلومات علم المناخ القديم، مع البيانات التي تولدها أجهزة المحاكاة الحديثة.

يسلط بحث راندرسون وزملائه الضوء على جبهة بحثية أخرى، إذ يتزايد التأثير الكربوني للبحار على المناخ، بصورة تتناسب مع المحتوى الحراري للمحيط في نموذج المحاكاة الذي يستخدموه. ويمكن للباحثين أن يستفيدوا من الدراسات المبنية على الرصد وعلى نماذج المحاكاة، التي يتم فيها تحليل التغيرات المكانية والزمانية للمؤشرات الفيزيائية والكيميائية الجيولوجية الحيوية، مثل تغيرات درجة الحرارة، والكربون، والمغذيات. وتتم هذه التحليلات معًا، بغرض الوصول إلى صورة أكثر اكتمالًا واتساقًا للمحيط المتغير. وتُعَدّ المتغيرات الكيميائية الجيولوجية الحيوية تحديدًا مؤشرات حساسة لحدوث أي تغيرات، ولكن فيزياء المحيطات تتحكم في الكربون وامتصاص الحرارة على حد سواء، وهذا يعني أنها تتحكم ـ بالتبعية ـ في ارتفاع مستوى سطح البحر، وفي التغير المناخي، وفي تأثيرات هاتين الظاهرتين.

وتقوم الدراسة الحالية بتذكيرنا في الوقت المناسب بنتائج ذات صلة بالسياسات الدولية، إذ نُشر هذا البحث قبيل المؤتمر الذي سوف تعقده "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ" في باريس في شهر ديسمبر من هذا العام. أولًا، التذكير بأنه ينبغي أن تتناسب شدة إجراءات خفض الانبعاثات التي تهدف إلى الحفاظ على استقرار المناخ مع درجة ضخامة تأثيرات الكربون على المناخ. ثانيًا، التذكير بأن تحوُّل قمة درجة انبعاثات الكربون إلى ما بعد عام 2100 يفرض على الأجيال المستقبلية عبء تبنِّي سياسات اقتصادية خالية من الكربون، كما يفرض عليهم درجات حرارة عالمية تزيد بمقدار 10 درجات مئوية عن قيمتها قبيل عصر الصناعة1.

ثالثًا، التذكير بأن الكربون المنبعث في الوقت الحالي سيغيِّر في تكوين بيئتنا بصورة لا يمكن إصلاحها لعدة أجيال قادمة. وتتزايد هذه التغيرات مع تزايد تراكم الانبعاثات الكربونية13. وسوف تستمر كذلك حمضية المحيط ومحتواه من الكربون والحرارة ـ والآثار السلبية ذات الصلة ـ في الزيادة لفترة طويلة، بعد تثبيت مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وهو ما يؤكد الحاجة إلى خفض قصير المدى للانبعاثات. وأخيرًا، التذكير بأنه إذا اتجهنا فعلًا إلى الحدّ من الاحتباس الحراري وحمضية المحيطات، بحيث لا يتجاوزان الحدود المعتدلة، فهناك حاجة ماسة عاجلة إلى خفض انبعاثات الكربون. وأي تأخير في هذا الأمر سوف يقضي على الفرصة المتاحة حاليًّا لتحقيق الأهداف المناخية14.

  1. Randerson, J. T. et al. Glob. Biogeochem. Cycles http://dx.doi.org/10.1002/2014gb005079 (2015).

  2. Hurrell, J. W. et al. Bull. Am. Meteorol. Soc. 94, 13391360 (2013).

  3. Friedlingstein, P. et al. J. Clim. 19, 33373353 (2006).

  4. Ciais, P. et al. in Climate Change 2013: The Physical Science Basis. Contribution of Working Group I to the Fifth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change (eds Stocker, T. F. et al.) 465570 (Cambridge Univ. Press, 2013).

  5. Orr, J. C. et al. Nature 437, 681686 (2005).

  6. Joos, F., Plattner, G. K., Stocker, T. F., Marchal, O. & Schmittner, A. Science 284, 464467 (1999).

  7. Heinze, C. et al. Earth Syst. Dyn. 6, 327358 (2015).

  8. Koven, C. D., Lawrence, D. M. & Riley, W. J. Proc. Natl Acad. Sci. USA 112, 37523757 (2015).

  9. Stocker, B. D. et al. Nature Clim. Change 3, 666672 (2013).

  10. Heimann, M. Nova Acta Leopoldina NF 121, 9799 (2015).

  11. Bauska, T. K. et al. Nature Geosci. 8, 383387 (2015).

  12. Schilt, A. et al. Nature 516, 234237 (2014).

  13. Steinacher, M., Joos, F. & Stocker, T. F. Nature 499, 197201 (2013).

  14. Stocker, T. F. Science 339, 280282 (2013).