تحقيق إخباري

سَبْـر أغـوار المـادة الميكـروبـيـة المظلـمـة

يبحث علماء الأحياء المجهرية طرقًا جديدة لاستكشاف العوالم الرحبة للميكروبات المجهولة، بحثًا عن مضادات حيوية.

كوري لوك
  • Published online:

Illustration by Thomas Porostocky


فشلت المرة الأولى التي حاول فيها روبرت هاينزن دفع بكتيريا Coxiella burnetii للنمو من تلقاء نفسها فشلًا ذريعًا. تنقسم هذه البكتيريا التي تسبب مرضًا شبيهًا بالإنفلونزا يُسمى حُمَّى «كيو» Q، عادةً داخل الخلايا التي تصيبها بالعدوى فقط، مما أرغم الباحثين على زراعتها في أنسجة الثدييات، وعرقل جهودهم الرامية إلى سبر أغوار الميكروب. وعندما حاول هاينزن اكتشاف وسيلة مختلفة لزرع هذا الميكروب، حينما كان في مرحلة ما بعد الدكتوراة في أوائل تسعينات القرن الماضي؛ لم يخرج سوى بنصف كتاب من الملاحظات المتفرقة.

ظلت المشكلة تلحّ على هاينزن، حتى عام 2003، عندما تم فك تتابع1 جينوم بكتيريا C.burnetii، بينما كان يبدأ في إنشاء مختبر في مختبرات روكي ماونتن، التابعة للمعاهد الوطنية الأميركية الصحية، في هاميلتون، مونتانا. اعتقد هاينزن أن الجينوم يمكنه تقديم أدلة مهمة عن عملية أيض البكتيريا ونموها. ورغم ذلك.. استغرق الأمر من زميل ما بعد الدكتوراة أنديرس أومسلاند، حوالي أربع سنوات من الاختبار المنهجي لمئات من ظروف أنماط بيئات الزرع، للتوصل إلى صيغة مثالية لزراعة الميكروب خارج الخلايا2. ويذكر هاينزن في هذا الصدد: «عندما عَرَضَ عليّ بيئات الزرع، اعتقدتُ أنها لا بد أن تكون ملوثة»، لكنّ عدة أشهر إضافية من العمل أكّدت نجاحها.

ما تزال بكتيريا Coxiella burnetii واقعة ضمن قطاع الأقلية. وحتى الآن، لا يمكن زرع نسبة (85-99)% من البكتيريا والجراثيم العتيقة في المختبر، مما يضع حواجز أمام تنامي معرفة العلماء بالحياة الميكروبية، ويعوق البحث عن مضادات حيوية جديدة، حيث يتم اشتقاقها غالبًا من البكتيريا. ويصبح ذلك البحث أكثر إلحاحًا مع تعاظم مقاومة العقاقير المتوفرة حاليًّا: في مايو الماضي، وافقت منظمة الصحة العالمية على خطة عالمية لمكافحة مقاومة للمضادات الحيوية، وطالبت لجنة المراجعة التي عيَّنتها الحكومة البريطانية باستثمار 1.3 مليار جنيه استرليني (2 مليار دولار أمريكي) من الصناعة الدوائية العالمية، لإعادة إحياء بحوث المضادات الحيوية. يقول الباحثون إنه بغرض اكتشاف أدوية جديدة، يحتاجون إلى طرق بديلة لاستقصاء منظومة الكائنات الحية غير المزروعة، والمادة المظلمة الغامضة في عالم الميكروبات.

قَطَعَ العلماء بالفعل خطوات نحو هذا الهدف، وقد ساعدهم التقدم في طرق الزرع وغيرها من الوسائل التكنولوجية على زراعة الميكروبات التي كانت غير قابلة للزرع سابقًا، كما ساعدهم على تطوير طرق فك تتابُع الحمض النووي، ونظم المعلومات الحيوية، بغرض دراسة بعض الميكروبات، دون الحاجة إلى زرعها على الإطلاق. كشفت هذه الأعمال عن كمية مذهلة من التنوع الميكروبي في عيّنات تتراوح ما بين: التربة، والأراضي دائمة التجمد، والإسفنج البحري، والفتحات المائية الحرارية، وشقوق الجسم البشري. وتشير بعض الاكتشافات بالفعل إلى مضادات حيوية محتملة، ويقول العلماء إن كل هذا هو البداية فحسب. «هناك بالتأكيد إمكانية عالية لاكتشاف المزيد من التنوع البيولوجي. وإذا بحثت عن المزيد؛ فستجد المزيد»، حسب قول أوته هينتشل، خبير الأحياء المجهرية البحرية، في جامعة فورتسبورج في ألمانيا.


مزرعة مختلطة

جرت العادة أن يدرس البيولوجيون الميكروبات عن طريق إنماء بيئات زرع نقية من أحد الأنواع ضمن مجموعات قياسية مقبولة من العناصر الغذائية. والمشكلة هي أن البكتيريا لا تعيش بهذه الطريقة في الطبيعة، فهي تقطن في مجموعة واسعة من الأوساط البيئية، وعادة ما تجاورها كائنات أخرى. وقد ناضل العلماء كثيرًا لإعادة تخليق هذه الظروف، حتى أظهر هاينزن وأومسلاند في دراساتهما على بكتيريا C. burnetii، أن وضع التسلسل الجيني يمكنه فتح الباب لتحقيق هذا الهدف.

Illustration by Thomas Porostocky

استخدم أومسلاند التسلسل الجيني للمقارنة بين الجينات التي يتم التعبير عنها عندما تنمو البكتيريا بنجاح داخل الخلايا المضيفة، وبين الجينات التي يتم التعبير عنها عندما كانت البكتيريا تكافح لتنمو وحدها. وجد أومسلاند مجموعة من الجينات المسؤولة عن تخليق البروتين، التي كانت أقل نشاطًا في حالة الميكروبات التي تكافح لتنمو وحدها. وهي إشارة إلى أن إضافة الأحماض الأمينية والببتيدات إلى وسط الإنماء قد يساعد البكتيريا على الانقسام، ولكن حتى عندما تمكن أومسلاند من زيادة تخليق بروتين البكتيريا إلى 13 ضعفًا، لم تتمكن من الانقسام2.

وجاء الحل أخيرًا من الجينات التي تشير إلى أن بكتيريا C. burnetii يمكنها البقاء على قيد الحياة في الأوساط البيئية منخفضة الأكسجين. وعندما وضع الفريق الميكروب في أوساط تحتوي على نسبة أكسجين %5 أو أقل؛ شاهدوا البكتيريا تنمو أخيرًا. ويقول هاينزن بشأن هذا: «لقد كان اكتشافًا حاسمًا. لم تكن المغذيات هي المفتاح، بل كان عاملًا بيئيًّا».

منذ اعتماد التقنية الجديدة المسماة «المزرعة النقية»، أو الزرع بلا خلايا مضيفة، توسع مجال بكتيريا C. burnetii كثيرًا. وعن طريق التشغيل والتعطيل الانتقائي للجينات، تعرَّف الباحثون على طرق تفاعل البكتيريا مع خلايا المضيف لإصابتها بالعدوى، ثم انقسامها. و«بدون أيّ مبالغة، تمكنت القدرة على إنماء بكتيريا C. burnetii في بيئة نقية خارج خلايا المضيف من إحداث ثورة شاملة في دراسة هذا المجال»، حسب قول هايلي نيوتن، أحد علماء الأحياء الدقيقة، والباحثين في بكتيريا Coxiella في جامعة ميلبورن في أستراليا. كما أن البكتيريا قابلة للانتقال بسهولة شديدة في الهواء، وتُعتبر تهديدًا حيويًّا محتملًا. ويعمل مختبر هاينزن الآن على تخليق سلالات، تم تعطيل جينات الفوعة الرئيسة فيها، على أمل أن تكون مفيدة في تطوير اللقاحات.

«لقد كان اكتشافًا حاسمًا. ولم تكن المغذِّيات هي المفتـاح، بل كان عاملًا بيئيًّا».

ويعكف الباحثون الآن على تصميم أنظمة بيئات زرع للميكروبات الأخرى، التي تنمو داخل الخلايا فقط. وقد طوَّر أومسلاند ـ الذي يعمل حاليًّا في جامعة واشنطن في بولمان ـ نظام زرعٍ خالٍ من الخلايا من أجل بكتيريا3 Chlamydia trachomatis، وهي العامل المُمِْرض المسبِّب لواحد من أكثر الأمراض المنتقلة جنسيًّا شيوعًا. لم يكن قد تمكَّن بعد من دفع بكتيريا Chlamydia للانقسام في الوسط الخاص به، ولكنه يقول «وُلدت متفائلًا»، ونجاحه مع بكتيريا C. burnetii يحيي أمله.


بيئات زَرْع مصغَّرة

إحدى طرق تسريع عملية إيجاد صيغة مناسبة لبيئة الزرع، هي استخدام رقائق الموائع المجهرية. وهي أجهزة تحتوي على آلاف الحجيرات الصغيرة، المتصلة بقنوات تجعل إجراء العديد من التجارب في الوقت نفسه أمرًا ممكنًا. بعد استخدام هذه الطريقة لزراعة ميكروب جديد4، أطلق رستم إسماجيلوف من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا ومعاونوه اسم microfluidicus 1، على البكتيريا الجديدة التي عزلوها.

Illustration by Thomas Porostocky


كان إسماجيلوف قد بدأ بالفعل العمل على الموائع متناهية الصغر في عام 2012، عندما وضعت مجموعة من علماء الأحياء المجهرية قائمة بالأنواع «الأكثر طلبًا»، موجِّهين نداءً إلى مجتمع الباحثين، لإنماء ووضع تسلسل جينوم الميكروبات التي كانت شائعة نسبيًّا في جسم الإنسان، وكانت على صلة بعيدة بالكائنات الموضوع تسلسلها بالفعل، التي استعصت كل محاولات زرعها5.

لبَّى إسماجيلوف وفريقه النداء بجهاز يحمل 3,200 حجيرة بحجم نانولتري، يمكن وضعه في راحة اليد، حيث كشطوا عيِّنات من بطانة أمعاء متطوع سليم، ثم خفّفوها بحيث لا توجد أكثر من خلية واحدة في كل حجيرة. وبملء الكثير من الحجيرات، زاد الباحثون فرص عثور الكائن المستهدف ـ ميكروب يوجد في الأمعاء البشرية، من جنس بكتيريا Oscillibacter ـ عن طريق الوصول إلى بعض منها على الأقل. استخدم الفريق نحو عشر رقائق لاختبار مختلف الظروف، واستطلعوا نمو الميكروب، عن طريق فحص الحمض النووي؛ بحثًا عن الجين الرئيس الدال على نمو الميكروب.

تمكَّن الفريق من العثور على البكتيريا، ثم إنمائها إلى كميات أكبر في أطباق بتري، حيث كانت هذه البكتيريا واحدة من أوائل أعضاء القائمة المطلوب زراعتها. وكشفت دراسة جينية أخرى أن بكتيريا الموائع المجهرية microfluidicus 1، لم تكن في الواقع جزءًا من جنس بكتيريا Oscillibacter، إذ تم تصنيفها بشكل خاطئ، بينما هي في الواقع جزءًا من مجموعة جديدة قريبة، يعمل الفريق الآن على توصيفها.

وجد الفريق أن دَفْعَةً من السوائل التي تم استخلاصها من أمعاء المتطوع كانت عنصرًا أساسيًا لنمو هذه البكتيريا. يقول إسماجيلوف إن القدرة على مدّ استخدام عينة ثمينة كهذه على مدى آلاف التجارب هي ميزة مهمة لنهج الموائع المجهرية. وثمة ميزة أخرى، هي أن كل خلية بداية لا تضطر للتنافس مع الأنواع الأخرى. يقول إسماجيلوف: «تتيح لنا الموائع متناهية الصغر تحديد شروط الزرع بكفاءة، ومن ثم زيادة فرصنا لنمو البكتيريا المستهدفة».

تَستخدم شياو شيا نينا لين ـ المتخصصة في الهندسة الكيميائية في جامعة متشيجان في آن أربور ـ علم الموائع المجهرية، للوصول إلى أعضاء القائمة الأكثر طلبًا من البكتيريا في عيّنات براز الإنسان، حيث تعيش الميكروبات عادةً في مجتمعات معقدة، وغالبًا تعتمد في حياتها على فصائل كائنات أخرى. لذا.. تحاول شياو تشريح تلك العلاقات، عن طريق وضع خليتين أو ثلاث أو أربع معًا في مجموعات لا حصر لها على رقاقة، لتستنتج أيهما يعتمد على الآخر. وفي هذا الصدد، يقول فنسنت يونج، وهو باحث الأمراض المعدية في جامعة متشيجان، يساعد لين في الحصول على عينات إكلينيكلة: «إنها مقاربة هندسية جيدة، حيث يمكنك تقليل التعقيد بسرعة».


الطبيعية كحاضنة للميكروبات

عندما بدأ كل من سلافا إبشتاين، وكيم لويس التعاون منذ 15 عامًا، أدركا أنهما قد لا يحتاجان إلى دفع الميكروبات المتمردة على النمو في المختبر. فإذا كانت البكتيريا تنمو بالفعل بسلاسة في بيئتها الطبيعية، فبالمنطق: لِمَ لا يزرعانها هناك فحسب؟ وهكذا بدأ عالما الأحياء المجهرية ـ من جامعة نورث إيسترن في بوسطن، ماساتشوستس ـ بالعمل على جهاز بسيط، يمكن غرزه في الأرض، وأطلقا عليه اسم «الرقاقة الذكية» iChip.

Illustration by Thomas Porostocky

ظهرت منافع هذا النهج في وقت مبكر، عندما أبلغ لويس وإبشتاين وعلماء آخرون من شركة «نوفوبيوتك فارماسيوتيكالز» NovoBiotic Pharmaceuticals التي أطلقاها في كمبريدج، ماساتشوستس، أنهم استخدموا الرقاقة الذكية لعزل نوع بكتيري جديد من التربة6. هذا الجهاز ذو حجم إصبع الإبهام، وهو أقل تعقيدًا من رقاقة الموائع المجهرية؛ يتكون من 384 حجيرة صغيرة، مليئة بعينات من التربة التي مُزجت مع مادة الأجار الهلامية، ثم خُفِّفت للتأكد من استقرار خلية واحدة فقط في كل حجيرة، ثم أُغلقت الرقاقة بغشاء يحبس البكتيريا، ولكنه يسمح بانتشار الجزيئات ذهابًا وإيابًا، ثم زُرعت في حقل عشبي في ولاية ماين، وهذا في التربة نفسها التي أُخذت العينة منها.

بعد مرور شهر، نقل الباحثون المستعمرات من الرقاقة إلى أطباق بتري في المختبر، وأخذوا مستخلصات منها، وفحصوها؛ لمعرفة فعاليتها كمضاد حيوي. وكانوا قد زرعوا 10 آلاف نوع بكتيريا، وهو عدد أكبر بكثير مما لو كانوا قد اكتفوا بوضع عينة التربة على طبق مادة الأجار. وقد توصلوا إلى تحديد فصيلة جديدة، أطلقوا عليها اسم بكتيريا Eleftheria terrae6، ووجدوا أن هذه البكتيريا تنتج مضادًّا حيويًّا، أطلقوا عليه اسم «تيكسوبكتين» teixobactin، حيث يمكنه قتل العديد من مسبِّبات الأمراض البشرية في المختبر، ومن ضمنها سلالات مقاومة للعقاقير من بكتيريا Staphylococcus aureus. ويقول شون برادي في هذا الصدد، وهو عالم الكيمياء الحيوية في جامعة روكفلر في نيويورك: «هذه نتيجة استثنائية بالنسبة لي، لأنهم تمكنوا من إيجاد جزيئات جديدة نقية من مجموعات من الكائنات الحية، لم تركز الصناعة الدوائية عليها».

كان اكتشاف أن البكتيريا الأخرى لم تطور مقاومة تجاه المضاد الحيوي6 «تيكسوبكتين» ـ كما تفعل ضد معظم المضادات الحيوية الأخرى ـ هو ما وصل إلى عناوين الأخبار العلمية. ويرجع هذا إلى أن المضاد الحيوي «تيكسوبكتين» يرتبط بجزيئات لها أدوار مهمة في تركيب الجدار الخلوي؛ ولا يُعرَف عن البكتيريا أنها تعدل هذه الجزيئات، لتفادي تأثيرات المضادات الحيوية. يقول لويس إن النقطة الفاصلة هي أنه على الرغم من أن بكتيريا Eleftheria terra مقاومة أصلًا للمضاد الحيوي «تيكسوبكتين»، فلا يبدو أنها تحتوي على جينات المقاومة التي يمكن نقلها بسهولة إلى بكتيريا أخرى. وهذا لا يعني أن المقاومة لن تحدث أبدًا، ولكن هذا قد يستغرق 20 أو 30 عامًا.

تابَع فريق شركة «نوفوبيوتك» زرع كميات كبيرة من البكتيريا. إنهم ينتجون الآن عدة جرامات من العقار باستخدام التخمير، ويجرون اختبارات قبل إكلينيكية موسعة عن هذا العقار وغيره من العقاقير المرشحة، ويبحثون عن المزيد من الأدلة، في الميكروبات غير المزروعة في عينات التربة ومياه البحر. يستعمل إبشتاين الرقاقة الذكية لزرع ميكروبات جديدة من التربة والمياه في جرينلاند، ويقول إنه تلقى أكثر من 200 طلب هذا العام للرقاقة، ولتقديم المشورة بشأن كيفية استخدامها.


لا تزرع، بل فُك التتابع

على الرغم من هذه النجاحات، لا يزال زرع الميكروبات في البيئات أمرًا معقدًا، يحتمل النجاح والفشل. لذا.. يتجاوزه كثير من الباحثين، ويستبدلونه بتعلُّم ما في وسعهم من الحمض النووي، حيث إن التقدم في أساليب فك تتابع الحمض النووي يعني أن العلماء يمكنهم الآن تحليل الجينومات من الخلايا الميكروبية الفردية غير المزروعة، بعكس ما كان يجري سابقًا، وهذا عن طريق فك تتابع مجتمع يضم العديد من أنواع الميكروبات المختلفة بشكل جماعي، ثم محاولة وضع أجزاء التتابع معًا مرة أخرى.

Illustration by Thomas Porostocky


أبدت الباحثة تانيا ويكي ـ من معهد الجينوم المشترك التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، الكائن في وولنت كريك، كاليفورنيا ـ اهتمامًا بفك تتابع الخلايا المفردة للمرة الأولى. وهذا بعد مضي وقت قصير على الاكتشاف المهم منذ عشر سنوات، المتعلق بإمكانية استعمال إنزيم ناتج من فيروس يصيب البكتيريا، في صنع عدة نسخ من جينوم7 الخلية البكتيرية. أرادت ويكي استخدام الأدوات لملء الفجوات في شجرة الحياة الميكروبية.

قامت ويكي ومجموعتها بجمع عيِّنات من تسعة أوساط بيئية مختلفة، ومن ضمنها ترسبات مياه نبع حار في ولاية نيفادا، بالقرب من الفتحات الحرارية المائية في المحيط الهادئ، ثم تمكنوا من عزل قرابة 200 خلية، وفكّوا تتابع جينوم كل منها، وصنفوها إلى أكثر من عشرين سلالة جديدة، ليس لها أي ممثل تمت زراعته8. ويذكر هينتشل في هذا الصدد: «لقد كانوا بالفعل أول مَنْ نقل علم جينوم الخلايا المفردة إلى مستوى جديد، وذلك من حيث عدد التتابعات، والخلايا المفردة التي تم تحليلها».

في العام الماضي، ذكر يورن بيل من المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ وزملاؤه، أنهم استخدموا تتابع وحيدة الخلية وغيرها من التقنيات، لتحديد البكتيريا غير المزروعة في الإسفنج البحري9. فلطالما كانت هذه المخلوقات التي تتغذى بالتصفية مركزًا لاهتمام العلماء، لأنها تنتج مجموعة غنية من المواد الكيميائية ذات الخصائص المضادة للسرطان، والمضادات الحيوية، وغيرها من الخصائص الطبية. كما أنها تؤوي مجتمعات ميكروبية كثيفة، تشكل ما يصل إلى %40 من كتلة الإسفنج، وكان يُعتقَد أنها مصدر هذه المواد الكيميائية، ولكن أعضاء تلك المجتمعات لم تُزرَع.

«لقد كانوا بالفعل أول مَنْ نقل علم جينوم الخلايا المفردة إلى مستوى جديد».

ركّز بيل وفريقه على نوع الإسفنج Theonella swinhoei، الذي يؤوي نحو ألف نوع من البكتيريا، ويولد عشرات المركبات المعروفة النشطة بيولوجيا. بدأ الفريق عام في2011 فك تتابع الحمض النووي لخلايا بكتيرية فردية معزولة من عيِّنات الإسفنج، وبحثوا عن مجموعتين جينيتين معروفتين بمشاركتهما في إنتاج جزيئات نشطة بيولوجيا. ووجدوا هذه الجينات في بكتيريا تُدعى Entotheonella9.

وأكثر ما أثار دهشة بيل، هو أن هذا الكائن كان مسؤولًا عن جميع المركبات النشطة بيولوجيًّا، المرتبطة بالإسفنج تقريبًا، وهو ما وضح عندما أظهرت بيانات فك التتابع أن البكتيريا احتوت جميع الجينات الضرورية. ويحكي بيل عن دهشته عند تلقِّيه البيانات الأساسية من معاونيه: «كدت أسقط من مقعدي من الدهشة!»؛ فقد كان هذا أول دليل على أن ميكروبًا غير مزروع يمكنه أن يكون مُنتِجًا «موهوبًا» للمواد الكيميائية النشطة بيولوجيا. كما يضيف: «إن القدرة على توليد العديد من المركبات المتميزة في سلالة واحدة ليس بالأمر المألوف».

يحاول مختبَر بيل حاليًّا هندسة مجموعات جينات من بكتيريا Entotheonella في كائن قابل للزرع، مثل بكتيريا Escherichia coli، بحيث يمكن للمضيف أن يولد المركبات. ومن غير المرجح أن يكون هذا سهلًا، نظرًا إلى أن الجينات المُولَّدة حيويًّا قد تكون ضخمة. كما إنه يفحص جينومات جراثيم الإسفنج الآتي من اليابان، وبابوا غينيا الجديدة، وإسرائيل، بحثًا عن مُنتِجات بكتيرية فائقة أخرى.


تنقيب في الجينات

قام مايكل فيشباخ ـ المتخصص في الكيمياء الحيوية في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو ـ بوضع طريقة مختلفة لتحليل التتابعات الميكروبية.. فبدلًا من عزل خلايا وحيدة، عمد إلى غربلة بنوك بيانات الجينومات البكتيرية المتنامية، حيث طوّر فيشباخ ومجموعته خوارزمية للتعلم الآلي، مدربة على التعرف على الأنماط الرئيسة المرتبطة بالجينات البكتيرية، التي تولد جزيئات مهمة كالمضادات الحيوية، ثم تركوها تعمل على مجموعة كبيرة من الجينومات البكتيرية، من أجل البحث عن مجموعات جينية جديدة ذات ميزات مشابهة.

Illustration by Thomas Porostocky


تضمَّنت أهدافهم بكتيريا من التربة والمحيطات، يُعرف عنها إيواؤها لمجموعة متنوعة مذهلة من الميكروبات، لكن الخوارزمية أنتجت عددًا مذهلًا من الإشارات، من ميكروبات تعيش على جسم الإنسان، أو فيه، وتُعرف مجتمعةً باسم مجهريات البقعة البشرية. كان فيشباخ متحمسًا ومتخوفًا في الوقت نفسه عندما حصل على النتائج الأولى.. كان متحمسًا لأن المركبات النشطة بيولوجيا التي صنعتها مجهريات البقعة كانت مجالًا بِكْرًا، وقد تكون لها أدوار مهمة في صحة الإنسان ومرضه؛ وكان متخوفًا لأن أغلب أبحاثه كان على الكائنات الحية الدقيقة في التربة.

ورغم ذلك.. قرر فيشباخ أخذ زمام المبادرة. ومنذ ذلك الحين، حوَّل تركيز كل مختبره نحو الميكروبيوم البشري. وباستخدام نسخة مطورة من الخوارزمية، تابَع فريقه التنقيب في جينومات ما يقرب من 2,500 كائن حي في جسم الإنسان10، وعثروا على ما يزيد على 14 ألف مجموعة جينية مولَّدة حيويًّا. ويتحدث فيشباخ في هذا الصدد قائلًا: «لقد كان العثور على جزيئات مثيرة للاهتمام في الميكروبيوم البشري سهلًا إلى درجة ملحوظة. وأستطيع القول إن صعوبة الأمر لا تتعلق بقدرتنا على العثور على الجزيئات، لأن ما نستطيع العثور عليه كثير لدرجة مذهلة».

عمدت المجموعة إلى تضييق القائمة إلى أكثر من 3,000 مجموعة جينية شائعة، ووجدت أن أحد المضادات الحيوية المولدة، ويُسمى «لاكتوسيلين» lactocillin، ويصنعه ميكروب شائع الوجود في المهبل. وهو واحد من حفنة من المواد الكيميائية النشطة بيولوجيا، التي يمكن عزلها من مجهريات البقعة البشرية. يمنع المضاد الحيوي «لاكتوسيلين» نمو الجراثيم المهبلية الشائعة، مثل جراثيم S. aureus، ولكنه لا يمنع نمو أنواع البكتيريا الأخرى التي تعيش عادة في المهبل. ويعمد فيشباخ مع معاونين الآن إلى توليد جزيئات من المجموعات الجينية التي يجدها، وتفكيك بِنْيتها، بغرض معرفة المزيد عن وظيفتها.

جَنَحَ مجال المنتجات الطبيعية للتركيز على الكائنات الحية الدقيقة الموجودة في التربة، والكائنات البحرية، بدلًا من التركيز على تلك الموجودة في البشر، حسب قول جيري رايت، المتخصص في الكيمياء الحيوية في جامعة ماكماستر في هاميلتون، كندا، الذي تابَع بقوله: «أعتقد أنها فكرة عظيمة أن نبحث تلك الجينات والمجموعات»، لكن تحويل هذه المركبات إلى أدوية ممكنة الاستخدام يتطلب الكثير من العمل قبل الإكلينيكي. كما أضاف: «من شبه المستحيل معرفة ما إذا كان جزيء ما سيصلح كدواء، أم لا، بمجرد النظر إليه». وحتى لو بدا واعدًا، فإن عوائق تسويق مضاد حيوي جديد كبيرة (انظر: M. Woolhouse and J. Farrar Nature 509, 555–557; 2014).

يستمد لويس الأمل من التقدم الذي حدث مؤخرًا. فمع كل الجهود المتنامية لزرع وتحليل الميكروبات غير المزروعة، فإنه يتخيل ما يمكن اكتشافه بالفعل، إذا زاد حجم هذه الجهود. وهو يأمل أن يرى مستوى لاكتشاف الأدوية، مطابقًا لما حدث في عصر واكسمان، وهي فترة أربعينات وخمسينات القرن الماضي، التي اكتشف فيها عالم الأحياء المجهرية الحائز على جائزة «نوبل» سلمان واكسمان أكثر من 20 مضادًّا حيويًّا، عن طريق إجراء مسح منهجي لآلاف من ميكروبات التربة، بغرض اكتشاف قدرتها على منع نمو أنواع البكتيريا الأخرى.

يقول لويس: «إن حقيقة عثورنا على مركبات لها طرق عمل مثيرة للاهتمام غير مسبوقة الاكتشاف هي الجزء الأكثر إثارة». ويتابع بقوله: «لقد قمنا باستكشاف جزء صغير جدًّا من أُمِّنا الأرض».

  1. Seshadri, R. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 100, 54555460 (2003).

  2. Omsland, A. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 106, 44304434 (2009).

  3. Omsland, A., Sager, J., Nair, V., Sturdevant, D. E. & Hackstadt, T. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, 1978119785 (2012).

  4. Ma, L. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 111, 97689773 (2014).

  5. Fodor, A. A. et al. PLoS ONE 7, e41294 (2012).

  6. Ling, L. L. et al. Nature 517, 455459 (2015).

  7. Raghunathan, A. et al. Appl. Environ. Microbiol. 71, 33423347 (2005).

  8. Rinke, C. et al. Nature 499, 431437 (2013).

  9. Wilson, M. C. et al. Nature 506, 5862 (2014).

  10. Donia, M. S. et al. Cell 158, 14021414 (2014).