أخبار

زرع جهاز في المخ عن طريق الحقن.. يراقب نشاط كل خلية عصبية على حدة

شبكة إلكترونية تستطيع كشف طريقة عمل أدمغة الثدييات.

إليزابيث جيبني
  • Published online:

<p>يمكن لتلك الشبكة اللينة الموصِّلة، المصنوعة من البوليمر، أن تُلَفّ وتُحقَن في أدمغة الفئران.</p>

يمكن لتلك الشبكة اللينة الموصِّلة، المصنوعة من البوليمر، أن تُلَفّ وتُحقَن في أدمغة الفئران.

Lieber Research Group, Harvard University


حَقْن بسيط.. هو كل ما يتطلبه الأمر الآن لتتبع نشاط المخ، حيث تمكّن فريق متعدد الخبرات من الفيزيائيين وعلماء الأعصاب والكيميائيين من زرع شبكة حريرية ملفوفة، مرصّعة بأجهزة إلكترونية صغيرة جدًّا، في أدمغة الفئران؛ تتوغّل بها للتتجسس على الخلايا العصبية، وتحفّز كل واحدة منها على حدة.

إن الشبكة المزروعة تستطيع لأول مرة كشف تفاصيل طريقة عمل أدمغة الثدييات. «إنه لأمر رائع، ونهج مبدع جديد لحل مشكلة تسجيل الإشارات الصادرة عن عدد كبير من خلايا الأعصاب الدماغية»، كما يقول رفائيل يوستي، رئيس مركز تكنولوجيا الأعصاب بجامعة كولومبيا في نيويورك، الذي لم يكن أحد المساهمين في هذا العمل.

وإذا ما تَبَيَّن أنها آمنة، فإن تلك الشبكة اللينة يمكن أن تُستخدم في البشر لعلاج مرض باركنسون، على سبيل المثال، حسب قول تشارلز ليبر، كيميائي يعمل في جامعة هارفارد بكمبريدج، ماساتشوستس، وهو من تولى قيادة الفريق. نُشر هذا البحث بدورية Nature Nanotechnology في الثامن من يونيو الماضي1.

لا يزال علماء الأعصاب غير قادرين على فهم الكيفية التي يُترجم بها النشاط العصبي لكل خلية منفردة إلى قدرات معرفية عليا، كالإدراك والعاطفة، وهو ما دفعهم إلى البحث عن تقنيات تسمح بدراسة آلاف، بل ملايين من الخلايا العصبية في آن واحد، بيد أن استخدام جهاز مزروع في الدماغ حاليًّا يتسم بسلبيات عديدة. فحتى اللحظة الراهنة، تتألف أفضل التقنيات المتاحة من أجزاء إلكترونية صلبة نسبيًّا، وهو الأمر الذي يجعلها أشبه بـ«صنفرة» خشنة تلامس الخلايا العصبية الرقيقة. كما يعاني علماء الأعصاب خلال تتبع خلية عصبية على مدى فترة طويلة، لأن كل خلية منفردة بالحيوان يمكن أن تتحرك مع عمليات معينة، مثل التنفّس، أو ضربات القلب.

تغلَّب فريق هارفارد على تلك المشكلات عن طريق استخدام شبكة من خيوط البوليمر الموصِّلة، مع أقطاب نانوية، أو ترانزيستورات معلَّقة في نقطة تقاطع الخيوط مع بعضها البعض. وتتسم تلك الخيوط بأنها ناعمة كالحرير، ومرنة كأنسجة المخ نفسه. وثمة مساحة من الفراغ تشكل %95 من الشبكة، مما يسمح للخلايا بترتيب نفسها من حولها.

في عام 2012، أثبت2 الفريق أن الخلايا الحية التي تم إنماؤها في أطباق (بتري) يمكن حثها لتنمو حول تلك السقالات المرنة، وتتجانس معها، غير أن تلك الأنسجة الذكية تم إنماؤها خارج الجسم الحي. ويتساءل ليبر: «كيف لنا أن نُدخِل ذلك الشيء في الدماغ الموجودة أمامنا؟».

كانت إجابة الفريق البحثي تتمثل في طيّ شبكة ثنائية الأبعاد، يبلغ عرضها بضعة سنتيمترات، بشكل محكم، ثم استخدام إبرة يبلغ قطرها 100 مايكرومتر فقط؛ لحقن الشبكة مباشرة في المنطقة المستهدَفة عبر ثقب في أعلى الجمجمة. بعد ذلك، تنبسط الشبكة لتملأ أي تجاويف صغيرة، وتتشابك مع نسيج المخ (اقرأ: «مراقبة المخ»). أما الأسلاك النانوية البارزة من الجمجمة، فيمكن توصيلها بجهاز كمبيوتر؛ من أجل تسجيل القراءات، وتنشيط الخلايا.

كبر الصورة


حتى الآن، زرع الباحثون شبكات تتألف من 16 عنصرًا كهربيًّا في منطقتين من أدمغة فئران تحت التخدير، حيث تمكنوا من رصد الخلايا العصبية، كلٍّ على حدة، وتنشيطها. يقول جيا ليو، عضو فريق هارفارد البحثي: «تندمج الشبكة بإحكام مع الخلايا. ويحدث ذلك من دون أي دلائل على ارتفاع الاستجابة المناعية بعد مرور خمسة أسابيع. إن الخلايا العصبية تتعامل مع الشبكة البوليمرية بلطف، مثلها مثل السقالات».

أما الخطوات التالية في هذا الشأن، فتتضمن زرع شبكات أكبر تحتوي على مئات الأجهزة، مع أنواع مختلفة من المستشعرات، بالإضافة إلى تسجيل نشاط الفئران اليقظة، إمّا عن طريق تثبيت رؤوسها، أو تطوير تقنيات لاسلكية تعمل على تسجيل إشارات الخلايا العصبية، بينما تتحرك الحيوانات بحرية. يود الفريق أيضًا أن يُحقن الجهاز في أدمغة فئران حديثة الولادة، حيث تنبسط الشبكة أكثر، بينما ينمو المخ، فضلًا عن إضافة مجسّات نانوية، لها شكل دبوس الشعر، على الشبكة، لتسجيل النشاط الكهربي داخل وخارج الخلايا.

عندما عرض ليبر هذا العمل في مؤتمر عُقد في عام 2014، فإنه «أصاب بعضنا بدهشة شديدة»، على حد قول يوستي. وتُعَدّ تقنيات دراسة نشاط أعداد كبيرة من الخلايا العصبية على مدى فترة طويلة من الزمن، ومصحوبة بأقل ضرر ممكن، بإمكانيات ضخمة، حسب قول جينس شوينبورج، رئيس مركز الأبحاث العصبية النانوية بجامعة لوند في السويد، الذي طوّر إبرة مصنوعة من الجيلاتين؛ لإدخال الأقطاب الكهربية إلى المخ3، لكنه لا يزال متشككًا حيال تلك التقنية، ويقول: «أود أن أرى مزيدًا من الأدلة على توافق الأجهزة المزروعة مع الجسم على المدى الطويل». ومن هنا، تظهر الحاجة إلى إجراء اختبارات صارمة، قبل البدء في زرْع تلك الأجهزة في البشر. ومع ذلك.. يقول ليبر إنه ثمة احتمال أن تنجح الأجهزة المزروعة في علاج تلف أنسجة المخ، الناجم عن السكتة الدماغية، بالإضافة إلى مرض باركنسون.

إن فريق ليبر ليس مدعومًا ماديًّا من قِبَل مبادرة الحكومة الأمريكية لأبحاث الدماغ «برين» BRAIN، التي أُطلقت في عام 2013 بميزانية قدرها 4.5 مليار دولار أمريكي، غير أن هذا العمل يلقي الضوء على القوة الكامنة في الجهود المبذولة، عن طريق منهجية التخصصات المتعددة المتبعة، حسب قول يوستي، الذي كان من أوائل المؤيدين لمبادرة «برين»، كما قال إن الإتيان باختصاصيين في العلوم الطبيعية، للعمل في مجال علم الأعصاب؛ يمكن أن يساعد في «اختراق العقبات التجريبية والنظرية الضخمة، التي علينا أن نقهرها؛ من أجل فهْم كيفية عمل المخ».

  1. Liu, J. et al. Nature Nanotechnol. http://dx.doi.org/10.1038/nnano.2015.115 (2015).

  2. Tian, B. et al. Nature Mater. 11, 986994 (2012).

  3. Lind, G., Linsmeier, C. E., Thelin, J. & Schouenborg, J. J. Neural Eng. 7, 046005 (2010).