أنباء وآراء

بيولوجيا الخلية: النقـل المستقطـب في جهـاز "جولجـي"

يمكن نقل البروتينات عبر العضيّ الخلوي المسمَّى جهاز "جولجي" في أيٍّ من الاتجاهين. ومن الواضح أن بروتين CDC42 ـ وهو الجزيء الذي يمنح الخلية قطبيّتها ـ يعمل على التحكم في اتجاه النقل في جهاز "جولجي".

أكيهيكو ناكانو
  • Published online:

تُعتبر سمة القطبية جزءًا من الحياة بكل مستوياتها، بدءًا من قطبية الجسد ككل من الرأس إلى الذيل في الكائنات الحية، حتى التوجه القطبي في الخلايا. وتتسم حتى العضيّات داخل الخلية ـ مثل جهاز جولجي ـ بالقطبية. تدخل البروتينات ـ التي تقوم بتصنيعها الشبكة الإندوبلازمية ـ من أحد جوانب جهاز جولجي، ويُسمى cis، وبعد حدوث التعديلات الملائمة لها، تخرج من الجانب الآخر من الجهاز، ويُسمى trans. اكتشف الباحث بارك و زملاؤه1 أن البروتين CDC42 هو الذي ينظم اتجاه نقل البروتين المستقطب داخل جهاز جولجي.

إن جهاز جولجي ـ الذي يُعِدّ البروتينات للانتقال إلى وجهتها النهائية في الخلية ـ يُعتبر من العضيات الغامضة، فقد مرت أكثر من 100 سنة منذ اكتشافه، ولكن لا يزال هناك كثير من الخلافات بشأن الآلية التي تقوم عليها وظيفته. فعلى سبيل المثال.. هناك سجال مشهور بين علماء البيولوجيا الخلوية فيما يتعلق بكيفية نقل البروتينات الإفرازية عبر الهيكل الاستقطابي لجهاز جولجي من جانب cis إلى 2trans، أو ما يُسمى بالاتجاه التقدمي. وقد وضعت نماذج مختلفة لتفسير آلية التوجيه، ولكن هناك أدلة عديدة3,4 تدعم نظرية "نضوج البروتينات داخل الصهاريج"، حيث تتشكل في هذا النموذج حويصلات مسطحة وملاصقة للغشاء، تُسمى الصهريج، على جانب cis للعضيّ التي تشكل جهاز جولجي، وتتحرك نحو الجانب trans عند نضوجها حاملة معها البروتينات التي تنتجها الشبكة الإندوبلازمية.

ومع ذلك.. فإن هذه الآلية وحدها لا يمكن أن تفسر عملية فرز البروتين المعقدة في جهاز جولجي. فهذه العملية الأخيرة لا تتضمن النقل من cis إلى trans وحسب، بل تتضمن النقل في الاتجاه التراجعي أيضًا. ومن المكونات المشاركة في هذا النقل التراجعي: الحويصلات المغلفة ببروتين المركب الأول COPI)3,4) المسؤولة عن النقل بين الصهاريج، لكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه الحويصلات تشارك في عملية النقل التقدمي، أم لا. كما يفترض بعض الباحثين أن الهياكل الأنبوبية التي تربط الصهاريج تشارك في عملية النقل داخل جولجي3,4 (الشكل 1).

يقوم جهاز جولجي ـ الذي يحتوي على مجموعة من الأكياس المتحدة بغشاء تُسمى صهاريج ـ بتحضير البروتينات للانتقال حول الخلية. تتحرك البروتينات بشكل أساسي عبر جهاز جولجي في الاتجاه التقدمي، من جانب cis في جهاز جولجي إلى جانب trans، حيث تنتقل من موقع التصنيع في الشبكة الإندوبلازمية إلى غشاء الخلية. يمكن أيضًا نقل البروتينات في الاتجاه التراجعي. ويمكن نقل البروتينات عبر جهاز جولجي بثلاث طرق: أولًا، عن طريق "نضوج البروتينات في الصهاريج"، حيث تنقل هذه الصهاريج البروتينات من جانب cis إلى trans خلال نضوجها. ثانيًا، عن طريق الحويصلات المغلفة بغطاء بروتين المركب الأول (COPI)، التي تتوسط وتشارك في النقل التراجعي. ثالثًا، عن طريق الأنابيب، التي يتم فيها ارتباط غطاء بروتين COPI مع البروتينات المنقولة؛ لتعزيز النقل في كلا الاتجاهين.. التقدمي، والتراجعي. يَذكر الباحث بارك وزملاؤه1 أن البروتين،CDC42 يتنافس مع غطاء بروتين COPI في الارتباط بالبروتينات في الأنابيب في النقل التراجعي، وليس التقدمي؛ وبالتالي يعزز النقل التقدمي، ويثبط النقل التراجعي.

كبر الصورة


كشفت الأعمال السابقة5 لمجموعة الباحثين التي أجرت الدراسة الحالية أن غطاء البروتين COPI لا ينظم تشكيل الحويصلة فحسب، ولكن ينظم أيضًا تشكيل الأنابيب في جهاز جولجي بطريقة غير معروفة حتى الآن. كما أثبت بارك وزملاؤه أن غطاء البروتين COPI يرتبط بالبروتينات التي يجري نقلها في كلا الاتجاهين.. التقدمي، والتراجعي، عن طريق التعرف على إشارات هيكلية مختلفة موجودة على هذه البروتينات المنقولة، حيث يبدو أن هذا الارتباط ضروري للنقل الفعال في كلا الاتجاهين.

من ناحية أخرى، تعمل بروتينات GTPase الصغيرة كمفاتيح جزيئية لمجموعة واسعة من الوظائف الخلوية، حيث سجل الباحثون بروتين CDC42 في البداية على أنه أحد البروتينات التي تتحكم في تبرعم خلايا الخميرة، ثم اكتشفوا أنه ينظم قطبية الخلية6,7. وبحَث المؤلفون في إمكانية قيام بروتين CDC42 بتنظيم انتقائية غطاء بروتين COPI في الارتباط، لأنه من المعروف أن هذين البروتينين يتفاعلان لتعديل النقل التقدمي في جهاز جولجي8. ووجد الباحثون أن نشاط الشكل المتحور من بروتين CDC42 يسبب تسارع النقل التقدمي في جهاز جولجي، ولكنه يثبط النقل التراجعي. وعلى النقيض من ذلك.. فإن الحدّ من نشاط بروتين CDC42 تسبَّب في تثبيط النقل التقدمي، وعزَّز النقل التراجعي.

بعد ذلك، حلل الباحثون دور بروتين CDC42 في النقل عن طريق أنابيب جهاز جولجي على وجه التحديد. وأظهر بارك وزملاؤه5 باستخدام "نظام إعادة التشكيل" المُصمَّم لتوليد الأنابيب المغلفة بغطاء بروتين COPI، أن الحالة النشطة لبروتين CDC42، أدّت إلى خفض مستوى النقل التراجعي، من خلال منع غطاء COPI من الارتباط بالبروتينات المنقولة بالنقل التراجعي في الأنابيب، وبرغم ذلك لم يكن للبروتين المتحور أي تأثير على النقل التقدمي. كما أظهر الباحثون أن بروتين CDC42 يبدي خصوصية لفرز أنابيب جهاز جولجي بطريقتين: أولًا، من خلال جزئيتين من بقايا الحمض الأميني "لايسين" في نهايته الكربوكسيلية، حيث تتنافس مع البروتينات المنقولة بالنقل التراجعى ـ وليس مع المنقولة بالنقل التقدمي ـ في الارتباط بغطاء COPI. وثانيًا، عن طريق تشجيع تشكيل الأنابيب على حساب الحويصلات المغلفة بغلاف COPI، وبالتالي تقليل النقل التراجعي. وأخيرًا، فإن تحليل بروتينات GTPases الصغيرة، بما في ذلك بروتينات RhoA، وبروتينات RAC1، وبعض بروتينات Rab GTPases، وبروتينات Arf GTPases، قد كشف أنه لا يوجد بروتينات GTPases أخرى يمكن أن تؤثر على اتجاه النقل داخل جولجي، مما يدل على بروتين CDC42 بالتحديد.

وبناءً على هذه النتائج.. إذا كان بروتين CDC42 يضبط النقل التقدمي والتراجعي للبروتينات في أنابيب جهاز جولجي، فإن هذه الدراسة تُعتبر خطوة مهمة نحو توفير فهْم أشمل للآلية الدقيقة التي تدعم النقل داخل جولجي. ينظم بروتين CDC42 القطبية الخلوية من خلال التفاعل مع خيوط الأكتين، مما يساعد على الحفاظ على هيكل الخلية7. ربما لا ينطوي دور بروتين CDC42 في أنابيب جهاز جولجي على تدخُّل الأكتين بشكل مباشر، وهذا يطرح سؤالًا محوريًّا عن ماهية الطريقة التي ينظم من خلالها البروتين الاتجاه في هذا الوسط. وتُترك إجابة هذا السؤال للمستقبل، حيث إنه لا بد من وجود عوامل أخرى، لم يتم تحديدها بعد، تشترك مع بروتين CDC42 في هذه العملية.

الأمر الآخر الذي يبقى معلقًا أيضًا لحين ثبوته بشكل قاطع، هو ما إذا كانت الأنابيب التي تحتوي على البروتينات التقدمية ترتبط بصهاريج جهاز جولجي خلال عملية النقل التقدمي، أم لا. ويرى الباحثون أن إنزيم كينيز التيروسين SRC يقوم بتنظيم عمل بروتين CDC42، مع العلم بأن هذا الإنزيم ـ في كثير من الأحيان ـ يكون متحورًا في الخلايا السرطانية، الأمر الذي أدّى بالباحثين إلى افتراض وجود علاقة بين النقل داخل جهاز جولجي، وتطوُّر الأورام السرطانية. ولكن، في نهاية المطاف، تبقى الإشارة التي تشغل النقل التقدمي لغزًا محيرًا.

بقي بروتين CDC42 محفوظًا خلال العملية التطورية، حيث وُجِد في الكائنات الحية، من الخميرة حتى الثدييات. كما أن النباتات أيضًا لديها عديد من بروتينات GTPases التابعة لعائلة Rho. وسواء أكانت هذه البروتينات تلعب أدوارًأ مماثلة لبروتين CDC42 في الارتباط بالبروتينات المنتقلة، وتشكيل الأنابيب وعملية التوجيه والنقل في جهاز جولجي، أم لا، فسوف تكون ذات فائدة كبيرة للباحثين الذين يعملون على هذا العضيّ. وبعض الباحثين يعتقد أن مسارات الانتقال قد تعرضت لتطور موازٍ، ولكن هل ظلت هذه البروتينات عوامل أساسية في هذه المسارات؟

  1. Park, S.-Y., Yang, J.-S., Schmider, A. B., Soberman, R. J. & Hsu, V. W. Nature 521, 529531 (2015).

  2. Pelham, H. R. B. & Rothman, J. E. Cell 102, 713719 (2000).

  3. Glick, B. S. & Nakano, A. Annu. Rev. Cell Dev. Biol. 25, 113132 (2009).

  4. Nakano, A. & Luini, A. Curr. Opin. Cell Biol. 22, 471478 (2010).

  5. Yang, J.-S. et al. Nature Cell Biol. 13, 9961003 (2011).

  6. Johnson, D. I. & Pringle, J. R. J. Cell Biol. 111, 143152 (1990).

  7. Hall, A. Biochem. Soc. Trans. 33, 891895 (2005).

  8. Wu, W. J., Erickson, J. W., Lin, R. & Cerione, R. A. Nature 405, 800804 (2000).