تحقيق إخباري

أسلحة الليزر: من الخيال إلى الحقيقة

أسلحة الليزر التي طالما كانت جزءا من أفلام الخيال العلمي، تقترب حاليا من ساحة المعارك الحقيقية بفضل الألياف البصرية.

آندي إكستانس
  • Published online:

Lucasfilm/20th Century Fox/The Kobal Collection


تحلِّق طائرة استطلاع بدون طيار في صمت مطبق، فوق الأراضي القاحلة لولاية نيومكسيكو، حتى تخرج فجأة عن السيطرة، وتهبط بسرعة إلى الأرض، ثم تخرج قذيفه هاون من مِنَصَّتها، وترتفع عاليًا بشكل منحنى، ثم تبدأ في النزول نحو هدفها، وفجأةً تشتعل وتنفجر وهي في منتصف الطريق.

على أرض صحراوية، وعلى ظهر شاحنة كبيرة بلون الرمال، يرتكز جهاز مكعب الشكل ويُطلِق حزمة أشعة تحت حمراء غير مرئية؛ لتدمر هدفًا تلو الآخر. هذا هو النموذج المحمول من «أجهزة الليزر عالية الطاقة» HEL MD، وهو نموذج أوّلي لسلاح لِيزَرِي تم تطويره للجيش الأمريكي، عن طريق شركة «بوينج» للصناعات الجوية العملاقة في شيكاجو، إيلينوي. داخل هذه الشاحنة، تحدق ستيفاني بلونت ـ وهي مهندسة فيزياء إلكترونية في شركة بوينج ـ في الأهداف على شاشة حاسوبها المحمول؛ لتوجيه الليزر باستخدام وحدة تحكُّم ألعاب محمولة، وتصف نفسها بقولها: «إنك تشعر وكأنك تلعب لعبة فيديو».

يبدو شعورها هذا منطقيًّا للغاية، فأسلحة الليزر تُعتبر عنصرًا أساسيًّا في ألعاب الفيديو الحديثة، حيث كانت مَدافع الأشعة بمختلف أنواعها شائعة في أفلام الخيال العلمي على مدى عقود، قبل ظهور أول ليزر واقعي في عام 1960، ولكنها لم تَعُد ضربًا من الخيال الآن، فنموذج «بوينج» ما هو إلا واحد من عديد من هذه الأسلحة التي طُورت في السنوات الأخيرة في الولايات المتحدة، وأوروبا. ويرجع الفضل في هذا إلى ظهور ليزرات محمولة، وقوية، ورخيصة نسبيًّا، يمكنها توليد أشعة ليزرية باستخدام الألياف البصرية.

تُقاس قدرة أسلحة ليزرات الألياف بوحدة الكيلو وات، وهي أقل كثيرًا من قدرة أسلحة الليزر المُقدَّرة بوحدة (الميجا وات)، والمُتصورَّة لمبادرة الدفاع الاستراتيجي الأمريكي، وهي خطة الحرب الباردة التي باءت بالفشل، حيث كانت تسعى إلى استخدام الليزر في تعطيل الصواريخ الباليستية التي تحمل رؤوسًا نووية حربية.

أما الأسلحة الحديثة، فهي أقل طموحًا، وعلى شفا الانتشار في العالم الواقعي. فالاختبارات المماثلة لتلك التي أُجريت على منظومة بوينج، تبيِّن أن تلك الليزرات لديها ما يكفي من القوة للتغلب على تهديدات المجموعات الإرهابية، بجزء صغير من تكلفة الدفاعات التقليدية. وتقول بلونت في هذا الصدد: «إنها حلّ فعال جدًّا من حيث التكلفة لإنتاج وتطوير أسلحة رخيصة، كأنك تصنع مَدافع الهاون الصغيرة، أو الصواريخ من أنابيب الصرف الصحي».

في أواخر عام 2014، على سبيل المثال، عرضت البحرية الأمريكية سلاح ليزر محمولًا على سفينة، يُسمى LaWS، ويمكنه أن يستهدف قوارب صغيرة، مثل التي يستخدمها الإرهابيون والقراصنة. يتم تثبيت هذا السلاح التجريبي حاليًّا على سفينة USS Ponce، وهي سفينة دعم برمائية في منطقة الخليج.

لا تزال هناك تحديات كثيرة تواجه استخدام هذا النوع من الأسلحة على نطاق واسع، حيث يشدِّد المطوِّرون على الحاجة إلى تعزيز قوة السلاح، خاصة في الأجواء التي يعمل فيها الليزر بصعوبة، مثل الضباب والغيوم. وبرغم ذلك.. بدأ المتخصصون في مجال الدفاع والأمن في أخذ الليزر على محمل الجد. وصدر تقرير في هذا الصدد عن أسلحة الليزر في إبريل الماضي1، كتبه بول شار، وهو متخصص في مجال التكنولوجيا المتقدمة، في «مركز الأمن الأمريكي الحديث» CNAS الموجود في العاصمة واشنطن. ومما ذُكر فيه: «بعد نصف قرن تقريبًا من السعي، فإن الجيش الأمريكي اليوم على أعتاب إرسال أسلحة موجهة للطاقة، ذات صلة من الناحية العملية».


مأزق الطاقة

لطالما فَتَنَت أسلحة الليزر مطوِّري الأسلحة، وعلى الأخص في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، خلال ذروة مبادرة الدفاع الاستراتيجي، الملقَّبة بـ(حرب النجوم)، حيث بلغ إنفاق الولايات المتحدة على بحوث أسلحة الليزر ذروته في عام 1989، وبلغ ما يعادل 2.4 مليار دولار أمريكي في 2014، وفقًا لتقرير1 مركز «مركز الأمن الأمريكي الحديث». واستمر التمويل منذ ذلك الحين، ولكن على مستويات أدنى من الإنفاق. والهدف الأساسي لكل هذه الأبحاث ـ وهو المقدرة على إسقاط الصواريخ الباليستية ـ اتضح أنه بعيد المنال.

تكمن قوة أي سلاح ليزر في تركيز طاقته في بقعة صغيرة بما يكفي لتسخين الهدف وتدميره. وأثناء محاولة اختبار القيام بذلك مع آلة مدمجة ومحمولة، بما يسمح باستخدامها في أجواء معركة، اتضح أن الكلام النظري أسهل بكثير من التنفيذ؛ ففي عام 1996، على سبيل المثال، بدأ سلاح الجو الأمريكي مشروع تطوير سلاح ليزر محمول جوًّا، كواحد من إسهاماته في الدفاع ضد الصواريخ الباليستية. وحيث إنه كان من المستحيل في ذلك الوقت توليد قدرة الميجا وات المطلوبة من القدرة الضوئية كهربائيًّا، اختار المطوِّرون «ليزر اليود الأكسجيني الكيميائي» COIL، الذي يمكن تشغيله عن طريق تفاعل كيميائي، ولكن «ليزر اليود الأكسجيني الكيميائي» كان من الضخامة بحيث لا يمكن حمله، إلا على طائرة من طراز بوينج 747، تاركًا مساحة صغيرة لوقود الليزر. يقول بول شاتوك في هذا الصدد، وهو رئيس نُظم الطاقة الموجهة في شركة «لوكهيد مارتن لأنظمة الفضاء»، التي أمدّت المشروع بتقنيات التحكم في الشعاع: «إنه يحتاج إلى وحدات خلط عن بُعد، ومواد كيميائية وزنها عشرات الآلاف من الأرطال».

وثمة مشكلة رئيسة أخرى تكمن في الغلاف الجوي، كما يوضح فيليب سبرانجل، كبير علماء فيزياء الطاقة الموجهة، في مختبر الأبحاث البحرية في واشنطن. لا يقتصر الأمر فقط على تشتيت شعاع الليزر عن طريق الغبار والاضطرابات الطبيعية، ولكن مروره خلالهما يسبِّب «التوهج الحراري»، حيث يوضح سبرانجل أنه عندما ينتشر شعاع بقدرة عالية جدًّا، «فإن الغلاف الجوي يمتص ضوء الليزر، مسخِّنًا الهواء؛ مما يتسبب في تشتُّت شعاع الليزر»، حيث يبدد هذا التشتت طاقة الليزر.

كان الخبر السار لمشروع سلاح الليزر المحمول جوًّا أن مشكلة الغلاف الجوي على الأقل أصبح لها حل.. وهو استخدام تكنولوجيا البصريات التكيفية، المماثلة لتلك التي استخدمها علماء الفلك لتنقية رؤيتهم للنجوم (انظر: Nature 517, 430–432; 2015). في هذه التكنولوجيا يتم استخدام مرايا لتشويه شعاع الليزر تلقائيًّا بطريقة تلغي آثار الاضطراب، وهو الفعل ذاته الذي تقوم به النظارة الطبية في تصحيح انحرافات الزيغ البصري في العين. ويشرح شاتك هذا الأمر بقوله: «عندما يمر شعاع الليزر عبر الغلاف الجوي، فإنه يُنقَّى، ويصبح قويًّا ومركَّزًا عندما يصل إلى الهدف».

بحلول عام 2010، كانت البصريات التكيفية جيدة بما فيه الكفاية؛ لتهيئة سلاح الليزر المحمول جوًّا؛ لتدمير الصواريخ البالستية في الجو، ولكن القضايا اللوجستية التي ظهرت وقتها ـ مثل مشكلة الحجم ـ أدّت إلى أن تفقد وزارة الدفاع حماسها لأسلحة الطاقة بشكل عام. ثم جمدت برنامج الليزر المحمول جوًّا برمّته في أوائل عام 2012، بالتزامن مع تقليص وزارة الطاقة للإنفاق على ليزر الطاقة العالية بشكل عام، حيث انخفض من 961 مليون دولار أمريكي في عام 2007، إلى 344 مليون دولار في عام 2014.


الألياف في دائرة الضوء

إنّ التمويل لم يختفِ تمامًا.. فقد تحوَّل الاهتمام بالفعل إلى ليزرات الألياف، كوسيلة لتحقيق نتائج بتكلفة أكثر اقتصادية. فقد تم اختراع ليزرات الألياف في عام 1963، وتطورت تلك الليزرات بشكل فاق التوقعات منذ تسعينات القرن الماضي، عن طريق شركة «آي بي جي فوتونيكس» IPG Photonics في أكسفورد، ماساتشوستس، حيث إن ليزرات الحالة الصلبة الأخرى العادية تستخدم قضبانًا، أو ألواحًا، أو أقراصًا صلبة من البلّور؛ لتوليد شعاع الليزر، ولذلك.. يجب أن تكون كبيرة بما يكفي، بينما على الجانب الآخر، يتم استخدام الألياف الضوئية الرفيعة في ليزرات الألياف، التي يمكن لفّها في لفائف صغيرة (انظر: «قوة الألياف»). يمكن للألياف جمع طاقتها الضوئية من الإصدارات الأكثر سطوعًا من الصمامات الثنائية الليزرية الرخيصة، المستخدَمة في مشغِّلات الـ(دي في دي)، ومن ثم تضخيم الضوء إلى طاقة أعلى، بكفاءة تحويل «كهربائية إلى ضوئية» كلية أكبر من %30. هذه النسبة هي ـ على الأقل ـ ضعف نسبة الكفاءة النموذجية لليزرات الحالة الصلبة الأخرى، وقريبة من نسبة كفاءة الليزرات الكيميائية، مثل «ليزر اليود الأكسجيني الكيميائي». كما أدَّى كون الألياف طويلة ودقيقة إلى احتوائها على نسبة «مساحة سطحية إلى الحجم» عالية؛ ومن ثم يمكنها أن تطرد الحرارة الزائدة بعيدًا بسرعة عالية، وهي ميزة تساعد على حفاظ الليزر على فترة عمل طويلة، واحتياجه إلى متطلبات صيانة أقل.


جذبت هذه المزايا الاهتمام أولًا خلال تسعينات القرن الماضي، عندما بدأ استخدام ليزرات الألياف لتعزيز الإشارات الضوئية التي تحمل بيانات الإنترنت خلال الكابلات البحرية. ومنذ وقت مبكر في العقد الأول من القرن الحالي، ركّزت شركة «آي بي جي فوتونيكس» على تطوير ليزرات فئة الكيلو وات للتطبيقات الصناعية، مثل اللحام، والحفر، والقطع، وهي الأجهزة التي جذبت أيضًا اهتمام الباحثين العسكريين.

يذكر شاتك أنه في حوالي عام 2010 سمع هو وزملاؤه في شركة «لوكهيد مارتن» حكاية من المدنيين الإسرائيليين، إثر إطلاق صواريخ من قطاع غزة: «وقف رئيس بلدية قرية ما، وقال: من فضلك، أعطني نوعًا ما من الدفاع». أوحى هذا الموقف إلى «لوكهيد مارتن» بتطوير «نظام الدفاع المساحي لمكافحة الذخائر» ADAM، حيث يَستخدِم هذا النظام ليزرًا جاهزًا بقدرة 10 كيلو وات من شركة «آي بي جي فوتونيكس»؛ للحفاظ على انخفاض التكاليف. ومنذ عام 2012، أوضحت الشركة أن «نظام الدفاع المساحي لمكافحة لذخائر» يمكنه تعطيل أهداف، مثل الزوارق، والطائرات بدون طيار، وصواريخ المحاكاة ذات القطر الداخلي الصغير، من مسافة حوالي 1.5 كيلومتر. وعلى الرغم من أنها غير راغبة في الكشف عن سعر «نظام الدفاع المساحي لمكافحة الذخائر» ـ أو ما إذا كان أي شخص قد اشتراه ـ تقول «لوكهيد مارتن» إنها الآن على استعداد لتقديم هذا النظام للعملاء.

أما بلونت، فهي أقل تحفُّظًا حول النموذج الأوّلي «بوينج HEL MD»، الذي يستخدم بدوره ليزر ألياف تجاريًّا فئة 10 كيلو وات، حيث يستمد هذا النظام طاقته من محرك سيارة، أو مولِّد منفصل. وتستطرد بلونت قائلة: «إنه يأخذ أقل من كوبين من الوقود؛ لإطلاق ليزر طويل المدى بما يكفي لتعطيل العديد من الأهداف»، وهذا يجعله أرخص بكثير من استخدام الصواريخ التقليدية للدفاع، «حيث يقدَّر ثمن الصاروخ غير المكلف بمائة ألف دولار أمريكي، إضافةً إلى أنه يُطلَق مرة واحدة»، حسب وصف ديفيد دي يونج، مدير شركة بوينج لأنظمة الطاقة الموجَّهة. ويضيف: «يتكلف الإطلاق من نظام سلاح ليزري أقل من 10 دولارات في المرة الواحدة». وتؤكد بلونت أن الفضل في عودة ظهور الأسلحة الليزرية، يُنسب إلى الأنظمة المتقدمة للتعرف على الصورة والاستهداف، كما يُنسب إلى الليزر نفسه. كما تقول أيضًا: «كلما كان نظام التصويب والتتبع أفضل، تزداد المقدرة على إصابة الشعاع لنقطة الضعف المؤثرة في الهدف».

وبفضل التصويب الحاسوبي، يمكن لنموذج «بوينج HEL MD» أن يعمل في وضع مستقل بالكامل، حيث اختبرته بوينج بنجاح في مايو 2014. وجدير بالذكر أن التجارب كشفت تحديًا غير متوقع، هو أن سلاح شعاع الليزر صامت وغير مرئي، وليس كل الأهداف تنفجر عندما تتم إصابتها. ولذلك.. فإن تلك المعركة الآلية يمكن أن تنتهي من قبل أن يلاحظ المشغِّلون للأهداف أي شيء. وتضيف بلونت: «يحدث الاشتباك بسرعة. وإذا كنتَ لا تحدِّق في الشاشة طوال الوقت، بدون أن تغفل لحظة؛ فلن ترى الهجوم عندما يحدث. لذلك.. قمنا بتضمين إشارة صوتية عند إطلاق الليزر. ونخطط للاستفادة من الكثير من المقاطع الصوتية في حلقات ‹ستار تريك، وحرب النجوم›».


قوة الأرقام

قد يكون التصويب والاستهداف جاهزًا للمعركة في أي وقت، ولكن قوة الليزر لا تزال مشكلة يجب حلها، فقوة الليزر الـتجاري فئة 10 كيلو وات هي الحد الأدنى لسلاح ليزر فعَّال، حيث إن استخدام الألياف البصرية يضع قيودًا على قوة وجودة الشعاع، لعدة أسباب، ليس أقلها أنه عند استخدام قدرات الليزر العالية، يتسبب تدفق الفوتونات عبر الألياف في سخونتها أسرع مما يمكن للألياف أن تشع طاقة السخونة الزائدة وتطردها، وبالتالي يتسبب هذا في ضرر للنظام. ولتجنُّب ذلك.. يعكف الباحثون على الجمع بين أكثر من شعاع من عدة ليزرات في السلاح الواحد.

إن الطريقة المثلى للقيام بذلك هي «التجميع الموجي المتسق»، بحيث تسير موجات الأشعة من كل ليزر في تشكيل متزامن دقيق محكم. تُستخدم هذه التقنية على نطاق واسع في تطبيقات الإذاعة والميكروويف، كما يوضح تسو يي فان، وهو عالِم ليزر في مختبر لينكولن الموجَّه للدفاع، بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في لكسينجتون. إنّ تحقيق الاتساق الموجي في الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء أكثر صعوبة بكثير، لأنه يجب أن تكون الأطوال الموجية للأشعة من كل ليزر تقريبًا متطابقة، ويجب ضبط مستويات تذبذبها بالضبط، بحيث تتطابق قمم وقيعان كل موجة. ويقول فان في هذا الصدد: «الطول الموجي في الترددات الراديوية أو الموجات الدقيقة هو بضعة سنتيمترات، بينما في البصريات، تدور الأطوال الموجية حول الميكرو متر، ولذلك.. كان من الصعب حقًا القدرة على القيام بتلك الأنواع من الضبط الدقيق»، لكنّ هذا قد لا يهم كثيرًا، كما يقول سبرانجل، حيث إنه في عام 2006 نشر هو وفريقه تقريرًا عن محاكاة حاسوبية تَفترض أن فعالية تجميع موجي غير متسق لأشعة مكوَّنة من عدة ليزرات ألياف تسقط على بقعة واحدة، ستكون تقريبًا الفعالية نفسها لـ«تجميع موجي متسق»2. ويضيف سبرانجل قائلًا إنه لا فارق في تطبيق أيٍّ من الطريقتين، حيث إنه «عندما ترسل الأشعة خلال مدى بعيد في اضطرابات الغلاف الجوي، تحصل تقريبًا على تأثير بالقوة نفسها على الهدف». وقد أثبتت مجموعة سبرانجل هذه النظرية في عام 2009، عن طريق استخدام مرايا لتجميع 4 أشعة من ليزرات ألياف في بقعة مساحتها 5 سنتيمترات على هدف يبعد أكثر من 3 كيلومترات3.

وبناءً على أبحاث سبرانجل، فقد طوَّر مركز بحوث البحرية الأمريكية نظام (LaWS)، ذا قدرة 30 كيلو وات، ويجمع ستة ليزرات ألياف غير متسقة من الفئة التجارية. تم تثبيت نظام LaWS على سفينة USS Ponce منذ سبتمبر من عام 2014، وجرى اختباره على أهداف معينة، مثل قوارب صغيرة، وطائرات بدون طيار. صممت شركة MBDA، المتخصصة في الصواريخ في شروبنهاوزين، ألمانيا، نهجًا مماثلًا4، إذ إنه في أكتوبر عام 2012، نجحت هذه الشركة في استخدام نظامها المجمِّع لأشعة من ليزرات الألياف بقدرة 40 كيلو وات؛ لتدمير قذائف مدفعية نموذجية، أصابوها في الهواء على بُعْد حوالي كيلومترين. وقد ساعدت اختبارات شركة MBDA أيضًا على دحض فكرة الدروع العاكسة في أفلام الخيال العلمي، والادعاء بأنها ستدافع ضد أسلحة الليزر. فقد وجد الباحثون أن أي غبار على السطح العاكس سيحترق، ويؤدي إلى تدمير الهدف أسرع من السطح غير العاكس.

يناقش ماركوس مارتنشتيتر ـ من إدارة الأنظمة المستقبلية في شركة MBDA ـ أن الدقة العالية في الاستهداف تقلل من فرص إيذاء المارة بطريق الخطأ أثناء محاولة إصابة الأهداف، لا سيما بالمقارنة مع ما يحدث عند استخدام المتفجرات التقليدية. ويشير إلى أنه «لا يوجد أي خطر من تطاير شظايا الذخيرة، لأننا لا نبدأ في إطلاق الأشعة، إلا عندما تكون النقطة المستهدَفة بالضبط على الهدف».

تعمل شركة «لوكهيد مارتن» أيضًا على أسلحة ليزر يمكنها التعامل مع أهداف أكثر تعقيدًا، أو أبعد مما يمكن التصدي له بواسطة نظام «نظام الدفاع المساحي لمكافحة لذخائر» منخفض التكلفة. على سبيل المثال.. أعلنت الشركة في مارس الماضي عن نظامها المتقدم لاختبار قوة الطاقة العالية، الذي يُدعى «أثينا»، ويمكنه تعطيل محرك شاحنة صغيرة مثبتة على منصة اختبار، إذ يستخدم «أثينا» نظام تكيُّف بصري على غرار الليزر المحمول جوًّا، حيث يعمل إلى جانب «نموذج لوكهيد الأولي لليزر المعجل» ALADIN، لنظام ليزر الألياف.

<p>نموذج سلاح ليزر محمول، يمكنه إسقاط طائرات بدون طيار.</p>

نموذج سلاح ليزر محمول، يمكنه إسقاط طائرات بدون طيار.

Boeing


يجمع نموذج الليزر المعجل أشعة خارجة من عدة ليزرات ألياف، لكل منها طول موجي مختلف قليلًا، لينتج شعاعًا واحدًا بقدرة 30 كيلو وات. نشأ أسلوب «تجميع الأطوال الموجية للأشعة» في مختبر لينكولن5، ويشبه حركة سير قنوات الإنترنت إلى كابلات الألياف البصرية. ويعلق فان قائلًا إن هذه الطريقة أسهل من طريقة التجميع الموجي المتسق، حيث إنها تتيح أشعة ذات نوعية أفضل من طريقة تجميع الأشعة غير المتسقة، ولذلك.. يمكنها أن تصيب أهداف أصغر، من مسافات أطول، بسهولة أكثر.

يقول جيسون إيليس، وهو زميل زائر في «المركز الأمني الأمريكي الحديث» وباحث رئيس في تقرير1 مؤسسة بحثية لأسلحة الليزر، إن هذه التطورات تقنعه بأن أسلحة ليزر الألياف بلغت مرحلة التأثير، وأن هذه التطورات الناشئة يمكنها الوصول إلى قدرة تبلغ مئات الكيلو وات، ومدى يصل إلى مئات الكيلومترات. وعلى الرغم من هذا التقدم، كشف استطلاع للرأي6، جرى خلال فبراير 2014 في الولايات المتحدة، أن خُمس المتخصصين في الأمن القومي فقط يعتقدون أن تقنيات أسلحة الطاقة الموجهة ستكون ناضجة في غضون عشر سنوات.

يحذِّر مايكل كارتر، وهو مدير برنامج علوم الفوتون في مختبر لورانس ليفرمور الوطني في ليفرمور، كاليفورنيا، من أن الفارق لازال كبيرًا جدًّا بين ليزرات اليوم ونظرائها في أفلام الخيال العلمي. ووضح ذلك قائلًا: «لم نصنع أسلحة فيلم «ستار تريك» المدمرة بعد. يتحدث الناس عن اشتباك بسرعة الضوء، لكن الأسلحة لا تزال تحتاج إلى وقت لتدمير الأهداف. فعلى سبيل المثال.. إذا كان لا يمكنك أن ترى الهدف ـ في حالة وجود الكثير من المطر أو الضباب ـ فإن الليزر الخاص بك لن يستطيع ضرب عدوك». ويشير هنا إلى أن أكبر قيمة للجيل الحالي لنظم أسلحة الليزر الأولية قد تكون في العمل على حل هذه التحديات الكبيرة قبل ظهور ليزرات أفضل وأكثر تطورًا، وتلافيًا للمشكلات الحالية، حيث يقول كارتر في هذا الصدد: «لا خطأ في ما يفعلونه على سفينة USS Ponce لضمان التفوق الاستراتيجي الحديث. وقد تكون هذه هي الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، ولكنها لن تغيِّر من سير المباراة نفسها».

هذا.. وحتى شركات الأسلحة تتوخى الحذر في المبالغة في الأمر. فعلى سبيل المثال.. تتوقع شركة MBDA أن الأمر سيستغرق 3-5 سنوات، لكي تَظهَر أنظمة تشغيل حقيقة فعالة، حتى في مدى عشرات الكيلو وات فقط. وستظل الأسلحة التقليدية دائمًا أكثر فعالية في بعض الحالات، مثل يوم ضبابي. ويوصي دي يونج قائلًا: «يجب أن تعطي المُدافِع عن المستقبل كلا النوعين من الأسلحة على حد سواء، ومن ثم تضع الاختيار بين يديه».

وعلى الرغم من قدرات أسلحة ليزر الألياف المتواضعة، إلا أن شار يتوقع أن تجد مكانها اللائق في جيش الدفاع الأمريكي في غضون 5-10 سنوات. وأضاف أيضًا: «ربما قد لا تكون عظيمة، ولا استراتيجية بمفهوم حرب النجوم، لكنها يمكن أن تنقذ الأرواح، وتحمي قواعد وسفنًا وأفراد خدمة الولايات المتحدة».

  1. Ellis, J. D. Directed-Energy Weapons: Promise and Prospects (CNAS, 2015); available at http://go.nature.com/eipivo

  2. Sprangle, P., Peñano, J. & Hafzi, B. J. Directed Energy 2, 7195 (2006).

  3. Sprangle, P., Ting, A., Penano, J., Fischer, R. & Hafizi, B. IEEE J. Quantum Elect. 45, 138148 (2009).

  4. Mohring, B. et al. Proc. SPIE 8733, 873304 (2013).

  5. Daneu, V. et al. Opt. Lett. 25, 405407 (2000).

  6. FitzGerald, B. & Sayler, K. Creative Disruption: Technology, Strategy and the Future of the Global Defense Industry (CNAS, 2014); available at http://go.nature.com/7iwlaq