افتتاحيات

أبحاث تُبْعَث من جديد

الاستشهاد بالأبحاث المجهولة سابقًا يمنح الأمل لمزيد من الباحثين.

  • Published online:

كم عدد الأوراق البحثية التي صدرت في عدد الأسبوع الأخير من مايو الماضي في دورية Nature ـ أو في أي دورية علمية ـ ويمكنها أن تَبقَى لتُحْدِث تغييرًا في العالم؟ وكم شخصًا سيُقْدِم على إحداث أثر عميق في مجال تخصصه الأكاديمي؛ لإلهام أعمال مستقبلية، وربما قَلْب صفحة الماضي الذي وَلَّى؟ إن استشهاد الباحثين بأبحاث بعضهم البعض هو طريقة انتشار العِلْم الحديث، وهو الدليل على إقرار المتخصصين هذه الأبحاث إقرارًا مهنيًّا، من شأنه أن يعكس أثرها، ولكن إلى متى ينبغي على المرء انتظار هذه الاستشهادات المرجعية؟ من المتعارَف عليه أنه يُمكن قياس مدى انتشار إصدارٍ ما بعدد المرّات التي استُشهد به في أول خمس سنوات بعد إصداره، مما يمنح مؤلفي الأعمال الصادرة حاليا وقتًا حتى عام 2020.

لم تُتَح الفرصة لفينسينت فان جوخ أن يشهد تطبيق هذا الافتراض في حياته، فقد عانَى من التجاهل طوال حياته، وعلى الرغم من ذلك.. فقد بِيعت لوحته "L’Allee des Alyscamps" بمبلغ قدره 66 مليون دولار أمريكي في نيويورك في أوائل مايو الماضي. أمّا عن هيرمان ملفيل، فقد نفدت طبعات كتبه عند وفاته، ولم تظهر روايته موبي ديك (Moby-Dick) ـ الصادرة في عام 1851 ـ على الساحة إلّا بعد ذلك بسنوات. ولا يختلف العِلْم في ذلك كثيرًا عن الفن، فلم يُعترَف بالعالِم جريجور مندل كأب روحي لعِلْم الوراثة الحديث، إلا بعد مرور عقودٍ على تجاربه على نبتة البازلّاء.

قد تبدو هذه الحالات مبالَغ فيها بعض الشيء، ولكنْ تُثبت إحدى الدراسات حقيقة الأمل اليائس بأنّ التأخر في الاعتراف بعملٍ ما قد لا يكون أمرًا نادرًا على أي حال، فبعد تحليل قاعدة بيانات مكوّنة من 22 مليون ورقة بحثية، وَجَدَ الباحثون كثيرًا من الأعمال التي لم يُعترف بها ولم يُستشهَد بها كأعمال مهمة، إلّا بعد مرور عقود على إصدارها (Q. Ke et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA http://dx.doi.org/10.1073/pnas.1424329112; 2015)، فعلى سبيل المثال.. ظلّ البحث المعنون "فيما يتعلق بالامتزاز في المحاليل" Concerning adsorption in solutions مهجورًا، ولم ينتشر لقرابة قرن من الزمن، وكان كاتبه ـ عالِم الكيمياء الألماني هربرت فروندليش ـ قد نشره في عام 1906، وتوفّي في عام 1941، ولم تحدث قفزة حقيقية في الاستشهاد ببحثه قبل عام 2002.

بيد أن ما يبدو أنه إهمال لهذا العمل لم يضر مسيرة عمله كثيرًا، فقد ازداد الاعتراف بفروندليش، والاستشهاد بأعماله كرائد في مجال أبحاث الغرويات، حتى إنّ قلّة الاستشهادات المرجعية بالبحث الصادر في عام 1935 عن الميكانيكا الكَمِّيَّة في البدايات لم يعكس مكانة مؤلّفيه.. الفيزيائيين بوريس بودولسكي، وناثان روزن، والشهير ألبرت أينشتاين، ولم يزدد الاستشهاد المرجعي بهذا الإصدار إلّا في عام 1994.

«ظلّت هناك أعمال كثيرة غير مُعترَف بها، ولم يُستشهَد بها كأعمال مهمة، إلّا بعد مرور عقود على إصدارها».

عادةً ما يكون اتجاه الأبحاث العلمية في جذب الاستشهادات المرجعية اتجاهًا منتظمًا في البداية، ثمّ يصل إلى ذروته، ومن ثم يبدأ في الاضمحلال. ويُطلَق على تلك الأبحاث التي تظل في البداية مهجورة قبل اكتشافها وانطلاقها انطلاقًا متأخرًا اسم "الجمال النائم"، وعادةً ما يستيقظ هذا الجمال النائم عندما يلاقي البحث المنشور تطبيقات في مجال آخر، كأنْ تُستخدَم المناهج الإحصائية في بعض التطبيقات البيولوجية. وكانت هناك أبحاث سابقة لعصرها، حتى إنها طرحت تقنيات لا يمكن استخدامها بطريقة سليمة، إلا بعد تكوين وتنظيم قواعد بيانات كبيرة وحديثة، ولكنْ على مؤلفي تلك الأبحاث أن يدركوا عدم وجود ضمان بأنّ الأمير الذي سوف يوقظ الجمال النائم قادم لا محالة، فعلى الرغم من أن آخِر دراسة تشير إلى أن الأبحاث التي يتأخر انتشارها أكثر ازدهارًا مما كان متوقَّعًا في السابق، فهناك الكثير من الأبحاث التي لم يُستشهَد بها على الإطلاق، ولن يُستشهَد بها أبدًا.

يقول فيليبو راديكّي، الباحث في الشبكات المركبة بجامعة إنديانا في مدينة بلومنتون، الذي شارك في هذه الدراسة: "بالنسبة إلى الأبحاث التي تبلغ من العمر 10 سنوات (ولم يُستشهَد بها)، فأنا أتوقع ألّا يُستشهَد بها أبدًا" (انظر: Nature http://doi.org/4tb; 2015). ويعمل فيليبو الآن على محاولة التعرف على الأبحاث التي يُمكنها أن توقظ الدراسات المهمَلة من غفوتها باستشهاد حيوي لها.

إن أهمية تحليلات الاستشهادات المرجعية تزداد كأحد أهم عناصر المجال الأكاديمي، وتوضح هذه الدراسة أن الأرقام وحدها لا تعبِّر عن الصورة الكاملة، ولا يمكنها أن تفعل ذلك، فببساطة.. يصعب قياس بعض التأثيرات والإنجازات الشخصية، حتى ولو من خلال مسيرة عملية مثمرة.

لقد حقَّق هربرت فروندليش الكثير في حياته، وأكثر منه بعد وفاته، ولكنه لم يحصل على كل ما أراده، فحسبما أوضح نعيه في دورية Nature، فإنّه كان موسيقيًّا موهوبًا، ولكنه لم يحقق النجاح المرجو، ومن ثم فقد "ترك الموسيقى من أجل الكيمياء"، على حد قول النعي، وذلك "عندما شعر أنه لن يكون أبدًا ملحِّنًا عظيمًا"، ولكننا نقول لهربرت: "لم يزل هناك متسع من الوقت".