تأبين

ألكساندر ريتش (2015–1924)

عالِم الأحياء الذي اكتشف تجمُّعات الريبوسوم، والحمض النووي الأيسر Z-DNA.

بول شيمل
  • Published online:

التقيتُ أول مرة بألكساندر ريتش في عام 1963، وكانت صورته على غلاف عدد 13 مايو من ذلك العام لمجلة «نيوزويك»، مع طالبه الذي يحضِّر للدكتوراة جوناثان وارنر. كان كلاهما قد اكتشف تجمُّعات الريبوسومات التي تُدعى عديد الريبوسومات، وهي مكونات أساسية تدخل في بناء البروتين.

Josiah D. Rich

توفي ريتش في يوم 27 إبريل الماضي، وكان مولده في عام 1924 في هارتفورد بولاية كونيكتيكت لأبوين مهاجرين من روسيا وأوروبا الشرقية. نشأ ريتش أثناء فترة الكساد العظيم في سبرينج فيلد بولاية ماساتشوستس، حيث كان يذهب إلى المدرسة الثانوية الفنية صباحًا، ويعمل ليلًا بمصنع مَحَلِّيّ للبنادق. وفي مرحلة معينة، عاشت عائلته لدى أحد أندية جمعية الشبان المسيحيين المحلية، بعد طَرْدهم من منزلهم. ورغم تلك الصعاب، استطاع ريتش الالتحاق بجامعة هارفارد بكمبريدج، ماساتشوستس، حيث تخرَّج فيها من قسم علوم الكيمياء الحيوية سنة 1947. وبعد عامين، نال درجة طبية من مدرسة هارفارد الطبية في بوسطن.

وفي عام 1949، انضمّ ريتش إلى الكيميائي لينوس باولينج بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا «كالتيك»، في باسادينا، حيث أقام لمدة خمس سنوات، تعلَّم فيها عِلْم تصوير البلورات بالأشعة السينية، ولكنه ـ للأسف ـ لم ينشر أبدًا مع باولينج. وحينما سُئِلَ باولينج عما أنجزه ريتش في فترة عمله معه، أجاب باولينج: «ليس كثيرًا، لكنه تعلَّم الكثير».

وقد تعلَّم الكثير بالفعل، حيث ترك ريتش «كالتيك»؛ ليرأس قسم الكيمياء الفيزيائية في المعهد القومي الأمريكي للصحة العقلية، في بثيسدا بولاية ميريلاند. وفي عام 1955، أثناء فترة الإجازة في معمل «كافينديش» بكمبريدج بالمملكة المتحدة، قام هو وفرانسيس كريك بتحديد تركيبات اثنين من البروتينات المهمة: (بوليجلايسين II، والكولاجين)، ثم عاد ريتش إلى المعهد القومي الأمريكي للصحة العقلية في عام 1956، بعد ثلاثة أعوام من اكتشاف نموذج اللولب المزدوج الأيقوني للحمض النووي، ليكتشف هو وزملاؤه أن الحمض النووي الريبي يمكنه أيضًا تكوين لولب مزدوج، أو تركيب لولبي من ثلاثة شرائط. وهذه الاكتشافات مهَّدت الطريق للدراسات التي أظهرت قدرة الحمض النووي الريبي للالتفاف ليكوِّن تركيبات معقدة.

وفي عام 1958، أصبح ريتش أستاذًا مساعدًا بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بكمبريدج. وهناك، أظهر أن الحمض النووي الريبي يمكن أن يُهَجَّن، أو يرتبط بالحمض النووي؛ ليكوِّن لولبًا مزدوجًا. ومنذ بداية السبعينات، تم تطبيق هذه الظاهرة على نطاق واسع؛ لتحديد تسلسل الحمض النووي، على سبيل المثال.. باستخدام تقنية اللطخة الشمالية. وفي الوقت الحالي، تُكَوِّن هذه الظاهرة أساس رقاقات الحمض النووي التي تُستخدَم لقياس مستويات تعبير عشرات الآلاف من الجينات في الوقت نفسه.

يكشِف بحث ريتش حول عديد الريبوسات الذي تم إنجازه في عام 1963 كيف تصطف الريبوسومات ـ وحدة بناء بروتين الخلية ـ بطول جزيء الحمض النووي الريبي المرسال، كالخرز المربوط بخيط. وكلما تحركت الريبوسومات بطول الحمض النووي الريبي المرسال؛ تلتصق الأحماض الأمينية المناظرة له معًا؛ لتنتج البروتين. ولقد أسَّس البحث آلية محددة في بناء البروتين.

وفي عام 1973، قام بأول إثبات لتركيب الحمض النووي الريبي مزدوج الشريط على المستوي الذَّرِّي. وأتبع هذا في عام 1974 بإيجاد حل لتركيب جزيء الحمض النووي الريبي الناقل ذي الشكل (L)، حيث توصلت مجموعة ريتش في معهد ماساتشوستس إلى هذا الحل في الوقت نفسه مع مجموعة «آرون كلوج» في معمل مجلس البحوث الطبية للأحياء الجزيئية بكمبريدج في المملكة المتحدة.

وربما كان ريتش ذا شهرة طيبة؛ لاكتشافه تركيب الحمض النووي الذي يلتف فيه اللولب المزدوج ناحية اليسار، بدلًا من اليمين، إذ إنه في عام 1979 كَشَف بالتزامن مع العالِم المختص بدراسة البلورات ـ آندرو وانج ـ عن ذلك التركيب المستقر للحمض النووي «الأيسر»، الذي يُدعى Z-DNA، باستخدام تصوير البلّورات بالأشعة السينية. وبعد إثبات أن الحمض النووي الأيسر يمكنه أن يؤثِّر على إنتاج وتغيير بعض جزيئات الحمض النووي الريبي المرسال، استنبط ريتش تركيب جزء الحمض النووي الأيسر المرتبط بإنزيم تصحيح الحمض النووي الريبي. كما أنه كَشَف أيضًا مع زملائه كيفية ارتباط القدرة الإمراضية للقاح لأحد فيروسات عائلة الجدري، وربما فيروس الجدري نفسه، مع بروتين متخصص للفيروس، مرتبط بـالحمض النووي الأيسر الخاص بالعائل.

كان اهتمام ريتش بآخِر الاكتشافات في التخصصات المختلفة واضحًا. فأثناء السبعينات، عمل مستشارًا في «ناسا»، وباحثًا في المشروعات التي تستكشف إمكانية وجود حياة عضوية في المريخ. كما أنه خاض في مجال التكنولوجيا الحيوية، وأنشأ في الثمانينات من عمره ثلاث شركات: «ريبليجن» Repligen، و«ألكيرميس» Alkermes، و«ثري دي ماتريكس» 3-Matrix D.

حصل ريتش على عديد من الدرجات الفخرية والجوائز، بما في ذلك قلادة العلوم الوطنية الأمريكية، التي قدّمها له رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وقتها ـ بيل كلينتون ـ في عام 1995. وبرغم هذا المدى الواسع من الإنجازات، فألكساندر كان معروفًا بين أصدقائه المقربين برصانته، وشخصيته العظيمة، وذكائه النقدي، وإنسانيته. لقد أقام هو وزوجته (جين) حفلات أسطورية بديعة في منزلهما الكلاسيكي، المبنِيّ بالطوب، بالقرب من ميدان هارفارد، ودَعَيَا إليها مختلف الشخصيات، بما في ذلك أولاده الأربعة، وأحفاده، البالغ عددهم حتى الآن سبعة أحفاد.

بعد سنوات قليلة من رؤيتي لصورة ألكساندر على غلاف مجلة «نيوزويك»؛ أصبحنا أنا وهو زملاء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. لقد حظينا بمحادثات لا تنتهي، وتناولنا الطعام معًا خمس مرات في الأسبوع تقريبًا بمطعم السَّمَك في كمبريدج، وأخذنا جولات كثيرة بسياراته العتيقة الضخمة. وذات مرة، استوقفتنا الشرطة، لأنهم ارتابوا في أن تكون إيماءاته العنيفة ـ وهو يشرح لي وقتها شيئًا ما عن نظرية التطور ـ دلالةً على قيادته مخمورًا. لقد كان ألكساندر مثابرًا، ذا حماس زائد. وذات مرة، كان عليَّ أن أرفض إحدى دعواته على العشاء، بسبب التزاماتي الأسرية في آخر الأسبوع؛ فرَدَّ عليَّ في الحال: «لا توجد مشكلة، سوف آتي إلى منزلك في المساء ـ بدلًا من ذلك ـ لنتحدث»، وقد كان ما قاله.