افتتاحيات

دولـــة طـمـوحــــــة

تحقِّق الهند تقدمًا ملحوظًا على طريق الارتقاء بالبحث العلمي، لكن عليها أن تنظر بعناية إلى المنهج الذي تتبعه، وحجم تعاونها مع بقية دول العالم؛ للاستفادة من كامل طاقاتها.

  • Published online:

يشير الموقع الإلكتروني لـ"دائرة العلوم والتكنولوجيا الهندية" بفخر إلى أن "الهند تصنَّف ضمن دول القمة في مجال البحوث العلمية الأساسية".

ورغم أن الهند حققت تقدمًا ملحوظًا في بعض المجالات، مثل التكنولوجيا الحيوية، والطاقة المتجددة، والفضاء الجوي، إلا أنها ـ في الوقت نفسه ـ لا تزال غارقة في مستنقع مشكلات معقدة، تقف عائقًا في طريقها نحو الابتكار والتقدم. تتمثل هذه المشكلات في عدم وجود قاعدة عريضة ومؤهَّلة من القوة العلمية العاملة، والقلة النسبية في عدد الجامعات عالية الجودة، وضعف قطاع الصناعات التحويلية، وتفشِّي وباء الروتين والبيروقراطية في الجسد الإداري للدولة؛ مما يدفع بالعديد من العلماء الهنود إلى التوجه إلى دول أخرى؛ للحصول على التدريب اللازم، أو البحث عن فرص العمل الملائمة.

ومن السهل الإشارة إلى ضعف التمويل، كأحد أسباب تأخر الهند، والحيلولة بينها وبين أن تصبح قوة علمية عظمى، إذ تقل نسبة مخصصات البحث العلمي والتنمية في البلاد عن 1% من إجمالي الناتج المحلي، مما يضعها في مرتبة أدنى بكثير من الدول الصاعدة في هذا المجال، مثل الصين والبرازيل، والاقتصاديات الراسخة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، إلا أن علاج الأمراض العلمية العديدة التي يعاني منها الجسد الهندي لا يكمن في زيادة حجم الإنفاق، على النحو الذي يبينه العدد الخاص الذي أصدرته دورية Nature في منتصف مايو الماضي عن أوضاع البحث العلمي في الهند (انظر صفحة 141 من عدد 14 مايو 2015 من دورية Nature).

يمثل دعم البحث العلمي أحد التحديات الكبرى التي تواجهها الهند؛ للدفع قدمًا بعجلة التقدم الوطني. وتكمن الخطوة الأولى على طريق مجابهة هذه التحديات في توسيع قاعدة القوة العاملة البحثية، إلا أن هذا سوف يتطلب المزيد من الجامعات عالية الجودة، والمزيد من فرص العمل الملائمة لخريجيها. وتأخذ الحكومة الهندية خطوات جادة في الاتجاه الصحيح، حيث قامت بوضع حوافز ضريبية على البحوث والتنمية، التي تأتي ضمن أفضل أنظمة الحوافز في العالم؛ مما ساعد على زيادة الاستثمارات البحثية من قِبَل عدد قليل من الصناعات، إلا أن الدولة ما زالت في حاجة إلى تشجيع الابتكار على نطاق أوسع.

في السياق ذاته، ينبغي على الهند أن تعالِج معضلة البيروقراطية، التي تقف كعقبة كؤود في سبيل البحث العلمي والابتكار، حيث يشكو العلماء مِن تأخر وصول تمويل المِنَح العلمية لشهور عديدة بصورة دورية، فضلًا عن أن شغل الوظائف قد يستغرق سنوات. ولمعرفة حجم المشكلة، يكفي أن نعلم أن ثلث المختبَرات الوطنية في الهند ـ التي تخضع لإشراف مجلس البحوث العلمية والصناعية ـ تفتقر إلى القيادة الدائمة، بل إن مادهوكار جارج ـ مدير عام مجلس البحوث العلمية والصناعية ـ يعمل في هذا المنصب بصورة مؤقتة، مما دفعه إلى التصريح لدورية Nature بأنه في حال استمرار المؤسسة على هذا المنوال؛ فإن "منظومة الابتكار الوطني برُمّتها ستتأثر سلبًا".

«إنّ الحلّ لا يكمن في منع المناقشات، أو تقليص الرقابة البيئية».

من جانبه، استنكر رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي ـ شأنه في ذلك شأن أسلافه ـ المعوقات البيروقراطية التي تَحُول دون تقدُّم البحث العلمي في الهند، إلا أن شيئًا لم يطرأ على هذا الملف حتى الآن. وتكمن الخطوة الأساسية لحل هذه المعضلة في الارتقاء بالعلماء الموهوبين، الذين يتمتعون بخبرات إدارية، إلى مصاف مواقع المسؤولية ومراكز اتخاذ القرار. ويمثل عالِم الوراثة الفذّ كريشناسوامي فيجاي راجهافان أحد هذه النماذج. تولَّى راجهافان رئاسة قسم التكنولوجيا الحيوية ـ المموِّل الرئيس للمِنَح البحثية في العلوم الحيوية ـ في عام 2013، حيث شهد القسم في ولايته العديد من التغييرات، من بينها محاولته تحويل التقدم للحصول على المنح الدراسية من عملية شديدة التعقيد إلى عملية تتسم بالسلاسة واليسر.

إضافة إلى ذلك.. يمكن للهند الاستفادة من بعض المساعدات، لا سيما أن مستوى التعاون الدولي الذي تحظى به البلاد يُعَدّ منخفضًا نسبيًّا، مقارنةً ببعض الدول النامية الأخرى، حتى مع المملكة المتحدة، التي تربطها بالهند علاقات تاريخية خاصة، لكنْ يبقى هناك بعض المبشِّرات التي تلوح في الأفق، أهمها الاهتمام الكبير الذي يوليه وزير الجامعات والعلوم البريطاني الجديد ـ جو جونسون ـ بالهند، حيث شارك في تحرير كتاب بعنوان "إعادة التواصل بين بريطانيا والهند.. أفكار لتعزيز المشارَكة"، (مؤسسة أكاديميك، 2012).

من ناحية أخرى، تحتاج الهند إلى إلقاء نظرة فاحصة على التغييرات التي تشهدها، لا سيما أنها ليست إيجابية كلها. ومن ذلك.. ما سعت إليه إدارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي ـ في إطار جهودها لدعم التنمية ـ لتكميم أفواه بعض منتقدي سياسات الطاقة والمناخ وحقوق الإنسان، التي تنتهجها الدولة. إضافة إلى ذلك.. قامت الحكومة الهندية في إبريل الماضي بشطب آلاف المنظمات غير الحكومية، التي تتلقى تمويلًا من الخارج، كما قامت بتجميد أصول "منظمة السلام الأخضر"؛ بدعوى انتهاكها قواعد إعداد التقارير حول الإسهامات الخارجية. وفي 6 مايو الماضي، حذَّر ريتشارد فيرما - السفير الأمريكي لدى الهند - من "الآثار الكارثية المحتمَلة، التي يمكن أن تنجم عن هذه الإجراءات الرقابية التي تتخذها الدولة ضد المنظمات غير الحكومية".

رغم ذلك.. فهناك مِن العلماء مَن يجدون في أنفسهم ميلًا إلى تشجيع الإجراءات القمعية التي تتخذها الدولة ضد جماعات حماية البيئة، التي تسبَّبت في إعاقة بعض المبادرات البحثية. ففي مارس الماضي، أعاقت هذه الجماعات إنشاء مرصد أساسي للنيوترينو، بدعوى أن ذلك سيضرّ بالمياه الجوفية. كما أوردت دورية Nature في منتصف مايو الماضي أن حكومة مودي تواصل بهدوء محاولات زراعة المحاصيل المعدلة وراثيًّا، التي طالما طالَب بها الباحثون المتخصصون في التكنولوجيا الحيوية، لكنها تعرّضت للتوقف، بسبب جماعات حماية البيئة.

هذا.. ولا ينبغي على العلماء في الهند الاحتفاء بأيّ ممارسة قمعية تقوم بها الدولة ضد المعارضين، حتى لو كان في ذلك عون لهم على تحقيق أهدافهم البحثية. كما أنه من الخطأ أن نلقي باللوم على الإجراءات الحكومية المطوَّلة والمعيبة لتقييم آثار المشروعات على أنصار البيئة. إنّ الحلّ لا يكمن في تكميم الأفواه، ومَنْع المناقشات، أو في تقليص الرقابة البيئية، وإنما في تطورات استراتيجية لعملية التقييم البيئي، تَضْمَن تحقيق التوازن بين التقدم والحماية.