تحقيقات

علوم البيانات: فتنـــة الصنـــاعـة

ينتهي المطاف بحاملي درجة الدكتوراة من أصحاب المهارات الكَمِّيَّة حاليًّا إلى وظائف في شركات التكنولوجيا.

مونيا بيكر
  • Published online:

PW Illustration/Getty


كان إيلي بريسرت يخطط لاستغلال وظيفته الأكاديمية في البحث عن كيفية تكوين النجوم، فقد كان إيلي حاصلًا على درجة الدكتوراة في عِلْم الفَلَك من جامعة إكستر بالمملكة المتحدة، ثم فاز بمنحة مرموقة لزمالة ما بعد الدكتوراة؛ لدراسة عِلْم الفَلَك الراديوي بالقرب من سيدني بأستراليا. كانت الاستشهادات من أوراقه البحثية، والدعوات التي يتلقّاها ـ إمّا بهدف التعاون معه، أو استضافته للحديث في المؤتمرات ـ في ازدياد مستمر. باختصار.. لم يكن هناك سبب يدعوه إلى أن يرغب في العمل خارج نطاق عِلْم الفَلَك.

بعد عام من العمل في بحوث ما بعد الدكتوراة في 2012، بدأ الواقع الكئيب لسوق العمل في المجال الأكاديمي يجعله يشعر بالعصبية والتوتر. ويتذكر بريسرت تلك الفترة بقوله: «جلستُ مع نفسي، وأخذتُ في حساب الاحتمالات التي تنتظرني. تُرى، ما هي فرصتي في الالتحاق بمؤسسة بحثية متميزة في مكان تشعر فيه عائلتي بالسعادة؟» كان بريسرت قد انتقل بالفعل هو وزوجته وطفله الذي يبلغ من العمر عامًا واحدًا إلى أستراليا، على مسافة تقرب من 16 ألف كيلومتر؛ لأجل بحث ما بعد الدكتوراة الذي كان يجريه، ولكن لم تَرُق للرجل فكرة السفر، والانتقال عبر أنحاء العالم في مقابل راتب قليل، واستقرار محدود. ورغم ذلك.. كان البحث الذي يعمل فيه يسير على ما يرام؛ ومن ثم، قرر الاستمرار ومواصلة العمل.

في العام نفسه، نشر بريسرت وزميل له كتابًا مختصَرًا عن البرمجة العِلْمية، وتمّ تعيينه في وظيفة (مرشد أكاديمي) لشركة مبتدئة كانت تقوم بصناعة البرمجيات؛ لمساعدة الباحثين المتعاونين على التأليف المشترك للأوراق البحثية. وقد انجذب بريسرت إلى روح الهمة والنشاط السائدة في تلك الشركة المبتدئة. وعندما سمع بمنحة زمالة لإعداد العلماء للحصول على وظائف في قطاع التكنولوجيا في وادي السيليكون؛ قدَّم طلبًا للحصول على تلك المنحة؛ وتم قبوله.

انتقل بريسرت وعائلته من جديد، ولكن في هذه المرة على بعد 12 ألف كيلومتر إلى بالو ألتو بولاية كاليفورنيا. وحاليًّا، يعمل بريسرت رئيسًا لمختبَرات البيانات في شركة «ستيتش فيكس» Stitch Fix، وهي شركة في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، تعمل في مجال تصميم الخوارزميّات التنبؤية، التي تساعد العملاء على اختيار الملابس. ويقول إنه يحب عمله في تقييم المناهج الحاسوبية إلى حد ما، لأنه يتيح له حرية التفكير والابتكار بدرجة أكبر مما كان متاحًا له في الحياة الأكاديمية.

لا يُعَدّ بريسرت حالة شاذة، أو خارجة عن المألوف؛ فشركته توظِّف 20 شخصًا من حملة الدكتوراة في تخصصات متنوعة، تشمل عِلْم الفَلَك، وعِلْم الأعصاب، والهندسة الكهربائية. وحسب ما يقوله إريك كولسن، مدير بريسرت، فإن الميزة الكبرى لهؤلاء الأشخاص تتمثل في دقة التفكير، التي يتمتعون بها. فالتدريب الذي يتلقونه أثناء إعداد الدكتوراة يعني تعلُّم صياغة الأسئلة، واختبار الفروض، وتقييم ما إذا كان يمكن الوثوق في حلٍّ ما. ويقول كولسن إنه عند التطرق إلى وضع نماذج للبيانات، فإن تلك الصفات تجعل من حملة الدكتوراة أكثر تشككًا من معظم الناس. ويضيف: «إذا كانت النتيجة رائعة في المحاولة الأولى، فإن رد الفعل الأول لحامل الدكتوراة سيتطرق إلى فكرة أن تلك النتيجة رائعة بدرجة تجعلها غير قابلة للتصديق. ويمتلك حملة الدكتوراة صبرًا، وأسلوبًا مميزًا في وضع إطار للمشكلات، لا يمتلكهما الحاصلون على ماجستير إدارة الأعمال». ويمثل حملة الدكتوراة العاملون في «ستيتش فيكس» مجموعة واحدة فحسب من بين الكثير من شباب العلماء، وبشكل أساسي في الولايات المتحدة، الذين تركوا مستنقع العمل الأكاديمي؛ للالتحاق بوظائف في مجال علوم البيانات الصناعية.


قُمْ بخطوة الانتقال

يتمتع علماء الرياضيات وعلماء الكمبيوتر بتمثيل جيد في مجال علوم البيانات، ولكن الذكاء الحاسوبي ومهارات الاتصال أكثر أهمية من التخصص العلمي. فالباحثون الجدد في بداية حياتهم المهنية، الذين يأملون في الانتقال إلى ذلك المجال، ينبغي عليهم إظهار أنه يمكنهم استخلاص نماذج وأنماط من البيانات غير المرتبة، ووضع تلك النماذج والأنماط في سياق أهداف تجارية محددة.

يقول مايكل لي، المؤسس المشارِك لدورة «حاضنة البيانات» The Data Incubator، وهي دورة تدريبية تُعقد في نيويورك وواشنطن دي سي، وتتولى تأهيل الخريجين؛ للحصول على وظائف في مجال علوم البيانات: «من المهم تذكُّر أن الصناعة لا تعطي قيمة كبيرة لوجهات النظر، وإنما تقدِّر التحليلات التي تكون قابلة للتطبيق». ووفقًا لما قاله جيك كلامكا، الذي أَسَّس برنامجًا تدريبيًّا مشابِهًا باسم «إنسايت» Insight لعلوم البيانات في بالو ألتو، فإن الأكاديميين يضيعون الفرص التي تسنح لهم، بسبب عدم عِلْمهم ببواطن الصناعة وظواهرها. وخلافًا لذلك.. فمن الممكن عدم توظيف المرشحين المؤهلين، ونَعْتهم بالجهل، نتيجة لاستخدامهم الكلمة الخاطئة، مثل المصطلح الأكاديمي «دراسة»، بدلًا من المصطلح المستخدَم في المجال الصناعي «تجربة»، أو «اختبار أ/ب».

<p>مجموعة من المتدربين يحضرون إحدى ورشات العمل، في إطار برنامج «من العلوم إلى علوم البيانات» في لندن.</p>

مجموعة من المتدربين يحضرون إحدى ورشات العمل، في إطار برنامج «من العلوم إلى علوم البيانات» في لندن.

Pivigo Academy


وقد وجد كلامكا أنّ من الصعب اقتحام دنيا الصناعة، ولذا.. انسحب من برنامج الدكتوراة الخاص به في دراسة فيزياء الجسيمات بجامعة تورونتو في كندا في عام 2010، وبدأ في تطوير أدوات تقنية في مطبخه. ورغم أنه كان يمتلك الخبرة، فإنه كان يفتقر إلى المعرفة بالصناعة. وكما يقول: «لقد نجحتُ في الوصول إلى نسبة %99.5 من المهارات المطلوبة، لكنني كنتُ في حاجة إلى التوجيه والإرشاد». وبعد عام مليء بالإحباطات، تَوَجَّه كلامكا إلى وادي السليكون، حيث التقى بمهندسي البرمجيات وروّاد الأعمال في ذلك المجال الذين وضعوه على أول الطريق السليم. وبفضل المساندة التي تلقّاها كلامكا جزئيًّا من حاضنة البيانات المبتدئة المعروفة باسم «واي كومبيناتور» Y Combinator، التي تقع في ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا، تمكَّن الرجل من تدشين شركته الخاصة، تحت اسم «نُوتْلِيف» Noteleaf.

كان كلامكا يعلم مدى اهتمام الكثير من أصدقائه في مجتمع الفيزياء بالانتقال إلى مجال علوم البيانات الصناعية، لكنهم كانوا يناضلون لاقتحام تلك الصناعة، تمامًا كما فعل هو من قبل. وفي الوقت ذاته، فإن أصدقاءه في المجتمع التقني كانوا يضجون بالشكوى من أن لديهم وظائف شاغرة، ولكنهم لا يجدون أشخاصًا أذكياء ومؤهلين بما يكفي لشَغْل تلك الوظائف. لذا.. أنشأ كلامكا برنامج «إنسايت» لعلوم البيانات؛ لتزويد حاملي الدكتوراة بما يحتاجونه من تدريب؛ للحصول على وظيفة في مجال علوم البيانات الصناعية. وحتى وقتنا هذا.. فإن جميع الأشخاص الذين أتمُّوا البرنامج التدريبي ـ الذي استغرق سبعة أسابيع ـ قد تلقّوا عروض عمل (انظر: «تَعَلَّمْ أين تضع قدميك»).


هناك كثيرون ممن يخطِّطون للانتقال إلى القطاع الصناعي يستغلون وقتهم في المؤسسات البحثية في صَقْل مواهبهم، واستكشاف خياراتهم. وينصح إيلي بريسرت ـ رئيس مختبرات البيانات في شركة «ستيتش فيكس» في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا ـ بتعلُّم أدوات البرمجة المفضلة في الصناعة، مثل «بايثون» Python، و«آر» R. أمّا مَن يحتاجون إلى تعزيز وتحسين مهاراتهم البرمجية، فإن البرامج من نوع «داتا كاربنتري» Data Carpentry، و«سوفتوير كاربنتري»Software Carpentry تنظم دورات مدتها يومان، وتطوف بها على مقارّ الأحرام الجامعية عبر دول العالم.

وقد شارك جلين وونج ـ نائب رئيس شركة الأمن السَّيبَري «ريكورديد فيوتشر» في سومرفيل بولاية ماساتشوستس ـ في حلقات دراسية في كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد، عندما كان طالبًا للدكتوراة في تخصص الفيزياء بجامعة هارفارد في كامبرديج بولاية ماساتشوستس. وقد ساعدته تلك الحلقات الدراسية لاحقًا في عبور المقابلات الشخصية في شركات الاستشارات الإدارية.

عندما كانت جوي ثاراثورن ريمتشالا ـ التي تعمل حاليًّا عالمة بيانات في شركة البرمجيات المالية «إنتويت» Intuit في ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا ـ تُجْرِي بحوث ما بعد الدكتوراة في تخصص عِلْم الأحياء التخليقي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، سيطرت عليها حالة من التردد بشأن التخلِّي عن وظيفتها الأكاديمية، إلى أن بدأت العمل في تدقيق دورة دراسية لعلوم الكمبيوتر. تقول ريمتشالا عن ذلك: «في ذلك الوقت، أحسستُ أن علوم البيانات مجال مثير وجذاب، فعلى الأقل كان مثيرًا بالدرجة نفسها التي كانت عليها رسالتي للدكتوراة».

وقد انتقلت ريمتشالا وبريسرت إلى مجال الصناعة، من خلال برنامج «إنسايت» لعلوم البيانات في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا. (افتُتح في العام الماضي برنامج موازٍ في نيويورك، وسوف يتم إطلاق برنامج ثالث في بوسطن في يوليو المقبل). ويعمل الأشخاص الذين يحضرون تلك الدورات في فرق عمل؛ لتطوير تطبيقات الويب التي تعمل من خلال البيانات، كما يلتقون أيضًا بعلماء البيانات في شركات التقنية. جدير بالذكر أن الدورة مجانية، حيث تتولى شركات التقنية دفع تكلفتها، بمعنى أنها تدفع لتوظيف الأشخاص.

وقد أطلقت مبادرة شبيهة باسم «من العلوم إلى علوم البيانات» Science to Data Science في لندن، وتتيح ورشة عمل مدتها 5 أسابيع لعدد يقرب من 85 طالبًا، يدفعون رسمًا يُقَدَّر بحوالي 360 جنيهًا إسترلينيًّا (540 دولارًا أمريكيًّا) يغطي تكاليف الإقامة. وبعد أسبوع ونصف تقريبًا من العمل في الورشة، يتم تشكيل فرق صغيرة، يعمل كل فريق منها مع مرشدين من شركات محلية على بناء أدوات عملية، باستخدام البيانات الخاصة بالشركات.

وقد عاد معظم المشاركين في الورشة العام الماضي إلى مختبراتهم، بعد الانتهاء من البرنامج الافتتاحي في سبتمبر الماضي، ولكن %75 يشغلون حاليًّا وظائف في علوم البيانات في القطاع الصناعي، وفقًا لما يذكره المؤسس المشارِك كيم نيلسون، الحاصل على درجة الدكتوراة في الفيزياء الفَلَكية.

هناك خيار آخر.. يتمثل في دورة حاضنة البيانات المجانية، التي تبلغ مدتها 7 أسابيع، ويتم تنظيمها في نيويورك وواشنطن دي سي، ومن المقرر افتتاحها أيضًا في سان فرنسيسكو في صيف هذا العام 2015. وأخيرًا، فإن برنامج أكاديمية علوم البيانات في نيويورك ـ الذي يستغرق 12 أسبوعًا، والذي انطلق هذا العام ـ تبلغ تكلفته 16 ألف دولار أمريكي، بما فيها الأعمال الدراسية على الأدوات، مثل آر، وهادوب، وبايثون. وجدير بالذكر أن عدد المتقدمين لجميع تلك البرامج يفوق عدد الأماكن المتاحة بها.


الوصف الوظيفي

تختلف الوظائف المتاحة لعلماء البيانات اختلافًا كبيرًا.. فهناك وظائف تتطلب في الأساس أداء مهمة مملّة ورتيبة، تُعرف باسم «تحويل البيانات»، وتنظيف البيانات، وملء الفجوات؛ لكي تصبح مجموعات البيانات مناسبة للتحليل البسيط نسبيًّا. كما يعمل بعض علماء البيانات في وظيفة مستشارين في مجال تطبيقات البيانات، ويبرع آخرون في وضع نماذج ومنهجيات جديدة. وتتجه الشركات الكبرى، مثل «لِينْكِد إن»، و«جوجل»، و«فيسبوك» ـ بما تملكه من قواعد مستخدمين، ومجموعات بيانات ضخمة ـ إلى دعم عمليات نمذجة البيانات الأكثر تقدمًا وتعقيدًا.

وكما يقول جلين وونج، الحاصل على الدكتوراة في الفيزياء، والذي يعمل حاليًّا نائبًا للرئيس في شركة «ريكورديد فيوتشر» Recorded Future بمدينة سومرفيل بولاية ماساتشوستس، التي تقوم بتنظيم بيانات الويب؛ لمساعدة العملاء على تجنب الهجمات السَّيبريّة، فإنه ينبغي على الأشخاص الراغبين في أن يصبحوا علماء بيانات أنْ يفكروا بشكل واسع بشأن اهتماماتهم، والأماكن التي يمكنهم فيها عمل ما يثير اهتمامهم. ويوضح وونج: «لا أقصد كيف (تتفاعل هذه القصاصة من الحمض النووي مع تلك القصاصة الأخرى)، لكنني (أفضِّل حل المشكلات ذات الطبيعة المعقدة، ثنائية الأبعاد)، أو (أحِب أن أكون محاطًا بأشخاص لديهم أفكار شديدة الغرابة، ولا يكترثون بمسألة التدرج الوظيفي)».

وقد حصلت إيمي هاينايك على إجازة غياب من برنامج الدكتوراة الخاص بها في العلوم الاجتماعية الحاسوبية، وذلك للالتحاق بوظيفة في شركة مبتدئة في مجال التكنولوجيا، يقع مقرّها في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا. وتعمل تلك الشركة على تقديم الاستشارات، وتقييم روّاد الأعمال الجدد، الذين ما زالوا يضعون أقدامهم على بداية الطريق. وتقول هاينايك عن عملها في الشركة: «السبب الذي جعلني أقوم بإجراء رسالة الدكتوراة هو اهتمامي بحل المشكلات المثيرة، ولكننا هنا في هذا العمل نقوم بذلك بالفعل». وبعد مرور عدة سنوات على خروجها من الحياة الأكاديمية، وفي ظل الوظائف الكثيرة المعروضة عليها حاليًّا في كثير من الشركات المبتدئة الأخرى، فإن هاينايك تعتقد أن لديها فرصًا أفضل لابتكار الأفكار وتنفيذها في القطاع الصناعي، لأن الشركات بالفعل تتواصل مع الأشخاص الذين يستخدمون المنتجات.

من المؤكَّد أن حملة الدكتوراة يشعرون بالارتياح، لابتعادهم عن المطالب المتكررة بتحرِّي أكبر قَدْر من الدقة لصالح الأهداف التجارية. فبمجرد أن يبدأ نموذج البيانات في العمل، فإن الأكاديميين ربما يركِّزون على إجراء تعديلات متقدمة؛ لتحسين مدى الدقة، وتبرير حالات النشوز. تقول هاينايك: «في المجال الصناعي يمكنك أن تقول ‹كيف يمكنني أن أقوم بذلك داخل البرمجيات؟ كيف أتأكد من أن البرنامج لن يتوقف، أو يتعطل؟› لا بد أن تمضي في طريقك حتى النهاية؛ من أجل تحقيق ما يريده المستخدمون بالفعل. أمّا في الحياة الأكاديمية، فلا يتاح لك الوقت للقيام بذلك».

يعبِّر بعض مديري التوظيف عن قلقهم من أن الرغبة في صياغة نماذج متزايدة الدقة يمكنها أن تقود الأكاديميين إلى الوقوع في مشكلة ضَعْف الإنتاجية. ويتذكر جون بيكر ـ الذي أَسَّس مكتبًا استشاريًّا لخدمات علوم البيانات، أسماه «داتاكين» Datakin، في بوسطن بولاية ماساتشوستس ـ أحد العلماء المتخصصين في الفيزياء الفَلَكية، الذي كان زملاؤه يُطْلِقون عليه اسم «المادة المظلمة»، لأن حماسه لإتقان نماذج البيانات كان لا يجعله يكمل مشروعاته مطلقًا.

يقول ديفيد فريمان ـ رئيس قسم علوم البيانات الأمنية في شركة «لِينْكِد إنْ للشبكات» في ماونتن فيو ـ إنه بالإمكان التخلص من تلك النوعية من الأشخاص أثناء إجراء المقابلات الشخصية. وعندما يطلب من المرشحين الأكثر تأهيلًا لوظيفة ما وصف إنجازاتهم، فإنهم يركِّزون على الأكواد التي قاموا بتنفيذها، أكثر من تركيزهم على الأوراق البحثية التي نشروها. كذلك، فإن ملفات الإنجاز التي يتم تطويرها بشكل مستقل، أو من خلال برامج التدريب ـ كما يقول بيكر ـ تُعَدّ مؤشرًا طيبًا آخر على ملاءمة الشخص للعمل في القطاع الصناعي: «يمكنك أن تميِّز الشخص الأكاديمي، وكذلك الشخص صاحب الإمكانيات والقدرات الحقيقية من خلال مشروعاتهما».

«يشعر حملة الدكتوراة بالارتياح لابتعادهم عن المطالب المتكررة بتحرِّي أكبر قَدْر من الدقة لصالح الأهداف التجارية ».

وقد تمت ملاحظة ويل كوكيرسكي بهذه الطريقة، فقد حصل على درجة الدكتوراة من جامعة روتجرز في نيو برونزويك بنيو جيرسي، حيث كان يقوم بتعليم أجهزة الكمبيوتر كيف تتعرف على الأمراض الدالة على الأنسجة السرطانية. وفي الفترة المسائية، كان يعمل على حل أحد التحديات المطروحة من شركة «نِتْفِلِيكْس»، مزوِّد الوسائط المتدفقة عبر الإنترنت، الذي كان يتمثل في جائزة مقدارها مليون دولار أمريكي، تُمنح لأي شخص يستطيع تحسين الخوارزميّات المتعلقة بترشيحات الأفلام التي تعرضها الشركة. لم يَفُز كوكيرسكي بالجائزة، ولكنه التقط خيوط الفكرة، وبدأ يقضي وقت فراغه في المشاركة في مسابقات شبيهة، تنظمها شركة «كاجل لعلوم البيانات»، التي يقع مقرها في سان فرنسيسكو. وفي عام 2012، اتصل به مديرو الشركة، فقد لاحظوا عدد الإجابات التي كان يرسلها، وجال بخاطرهم أنه يمكن أن يحصل على مكان في فريقهم. وقد بدأ عمله هناك في وظيفة «عالِم بيانات»، بعد أسبوع من مناقشته لرسالة الدكتوراة.

يرى كثير من حملة الدكتوراة أن مفتاح النجاح يتمثل في العثور على شركةٍ، تبهرهم المنتجات أو الخدمات التي تقدمها، حسب ما يقوله سيباستيان جوتيريز، مؤلف كتاب «علماء البيانات في العمل»، الذي يضيف: «تحتاج إلى شخص يجد متعة في العمل بما يكفي لأنْ يدرك فعلًا أنه مطلوب منه الالتزام بالميزانيات والأهداف ربع السنوية».

بدأت تظهر في المجال الأكاديمي وظائف لعلماء البيانات (انظر: «مسيرة البيانات الأكاديمية»)، لكن الكثيرين يرون بيئة العمل في القطاع الصناعي أكثر جاذبية. ويقول عن ذلك.. شاني أوفن، الذي كان في السابق أستاذًا للبحوث في عِلْم الأعصاب بجامعة نيويورك، ويعمل حاليًّا عالِم بيانات في موقع الإجابة عن الأسئلة (About.com)، الذي يقع مقره في نيويورك: «في الصناعة يمكنني استخدام %20 من وقتي؛ لتحقيق %80 من الهدف، بينما في الحياة الأكاديمية نجد أن العكس هو الصحيح». ويحب تومي جاي ـ عالِم البيانات في عملاق التكنولوجيا «مايكروسوفت» في بلفيو بواشنطن ـ أن تتم مكافأته على التوصل إلى الإجابة الصحيحة، بغضّ النظر عن ماهية تلك الإجابة. وعلى سبيل المثال.. يمكنه استخدام تحليل البيانات؛ لاستنتاج أن هناك سمة جديدة مقترَحة، لن تحظى بالشهرة والانتشار لدى المستخدمين، ويقدِّم الحجج المطلوبة لإلغائها، مما يوفر على الشركة مبالغ طائلة، ويجني هو التقدير والمكافأة. أمّا في الحياة الأكاديمية، فبالعكس.. نادرًا ما يُكافأ المرء على توصُّله إلى نتائج سلبية.


تشهد العلوم الأكاديمية ـ وليس فقط القطاع الصناعي ـ احتياجًا متزايدًا إلى علماء البيانات. وقد تم تدشين مشروع في العام الماضي بتكلفة 58 مليون دولار أمريكي؛ بهدف سد هذه الفجوة، من خلال إنشاء مراكز لعلوم البيانات في جامعة واشنطن في سياتل، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجامعة نيويورك. وتقوم الجامعات ـ إضافة إلى مؤسسة «جوردون وبيتي مور» في بالو ألتو بكاليفورنيا، ومؤسسة «ألفريد بي. سلون» في نيويورك بالمشاركة في تمويل تلك المراكز. وسوف تُخصص مِنَح من مؤسسة «مور» للباحثين؛ من أجل تطوير أدوات لاستخدام البيانات، وصَقْلها.

يُعَدّ كارثيك رام ـ الباحث المساعد بمعهد بيركلي لعلوم البيانات المُنشَأ حديثًا، والتابع لجامعة كاليفورنيا في بيركلي ـ من أوائل المستفيدين، حيث يَعتمِد تقدمه الوظيفي على إسهاماته التي تتمثل في الأكواد مفتوحة المصدر، وجهوده لجعل البيانات أكثر قابلية للنسخ بدرجة أكبر من اعتماده على المعايير التقليدية للوظائف الثابتة، مثل سجلات النشر، والاستشهاد. ويصف كريس مينتزل ـ مدير برنامج «مؤسسة مور» ـ رام وزملاءه بأنهم روّاد في مجالٍ يحصل على قوة دفع كبيرة في الوقت الراهن. ويقول: «نحاول أن ننشئ أماكن لهذه النوعيات من الباحثين». مونيا بيكر


يعبِّر فريمان عن إعجابه بإيقاع العمل في «لِينْكِد إن»، ويتذكر القيام ببحوث متقدمة في إطار عمله في مرحلة ما بعد الدكتوراة في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا، ويقول: «إنّ الموضوع الذي كنتُ أعمل فيه لا يمكن أن يُستخدَم فعليًّا لمدة 20 عامًا من الآن، هذا إنْ حدث. لقد كنتُ أبحث عن شيء يكون له تأثير مباشر بدرجة أكبر». ولا يوجد ما يجعل الذهنَ أكثر تركيزًا من تحديد مواعيد نهائية ثابتة.