أخبار

جينوم الماموث يحتوي على وصفة لمساعدة فيلة القطب الشمالي

مقارنة الاختلافات الوراثية تكشف كيف تَحَدَّت عمالقةُ العصر الجليدي البرد.

إوين كالاواي
  • Published online:

<p>تطور الماموث الصوفي من سَلَفِه المشترك مع الفيل لمقاومة البرد (من منظور الرسّام).</p>

تطور الماموث الصوفي من سَلَفِه المشترك مع الفيل لمقاومة البرد (من منظور الرسّام).

Natural History Museum, London/SPL


تُعَدّ حيوانات الماموث الصوفي من المخلوقات المتكيفة مع البرد، عكس أبناء عمومتها من الفيلة، فهي مغطاة بشعر طويل يشبه المعطف، وطبقات سميكة من الدهون، بالإضافة إلى آذان صغيرة، تضمن جميعها أدنى مستوى للفقد الحراري. والآن، للمرة الأولى، يُجْرِي العلماء فهرسة شاملة لمئات التغيرات الجينية التي أدّت إلى نشوء هذه الاختلافات .

تكشف الأبحاث كيف تطوَّر الماموث الصوفي Mammuthus primigenius من سلف مشترك بينه وبين الفيلة الآسيوية (Elephas maximus؛ انظر: «تشعُّب الماموث»). وقد يتضمن هذا الاكتشاف طريقة يمكن بها تطوير فيلة قادرة على الحياة في سيبيريا باستخدام الهندسة الوراثية. تقول بيث شابيرو، وهي عالمة الوراثة التطورية في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز، التي لم تشارك في هذه البحوث الحديثة: «هذه هي الجينات التي سنحتاج إلى تعديلها في جينوم الفيل؛ لاستيلاد حيوان أقرب ما يمكن إلى الفيل، وبرغم ذلك.. قادر على البقاء حيًّا في الأماكن الباردة». وعلى الرغم من أن الفكرة تبدو خيالية، إلا أن هذا البحث لا يزال في مراحله المبكرة في مختبر الأبحاث في بوسطن، ماساتشوستس.

تم نشر جينوم الماموث الصوفي1 لأول مرة في عام 2008، لكنه احتوى على أخطاء كثيرة أدّت إلى صعوبة تحديد مواضع الاختلاف عن جينوم الفيل بدقة، إلا أن دراسات أخرى أشارت إلى اختلافات معينة في جينات الماموث، ربما تكون قد أدّت إلى تكوين معاطف من الشعر2 ذات ألوان فاتحة؛ لتغطي جلودهم، وتكوين بروتينات الهيموجلوبين الحاملة للأكسجين، التي تعمل في البرد3.

أجرى فريق علمي بقيادة فنسنت لينش، عالم الوراثة التطورية في جامعة شيكاغو في ولاية إيلينوي، آخِر دراسة علمية حديثة، بوصف تحليل تسلسل الجينوم الذي أجروه لثلاثة فيلة آسيوية، واثنين من حيوانات الماموث الصوفي (توفي أحدهم قبل 20 ألف سنة، والآخر قبل 60 ألف سنة). ووجد الباحثون أن ما يقرب من 1.4 مليون وحدة من وحدات الحمض النووي متغيرة بين الماموث والفيلة، حيث غيَّرت هذه الوحدات تَتابُع أكثر من 1,600 من جينات شفرة البروتينات. تم نشر الدراسة4 على موقع bioRxiv.org في 23 إبريل الماضي.

وقد أدّى البحث عن وظيفة تلك البروتينات في الكائنات الحية الأخرى إلى اكتشاف جينات، قد تكون ذات صلة بالتكيف والحياة في القطب الشمالي. ودلَّت الدراسات على أن العديد منها يشارك في ضبط الساعة البيولوجية اليومية، وهو ما قد يسهم في التكيف مع الحياة في عالَم مظلم شتاءً، ومعرَّض للشمس لمدة 24 ساعة يوميًّا صيفًا. تتضمن جينومات الماموث أيضًا نُسَخًا إضافية من الجين الذي يتحكم في إنتاج الخلايا الدهنية، كما أن بعض الجينات التي تختلف بين الفيلة والماموث تشارك في الاستشعار الحراري، وتنقل معلوماته إلى الدماغ.

استطاع الفريق «إعادة إحياء» نسخة جين الاستشعار الحراري المطابِقة للنسخة الموجودة في الماموث، وهو الجين الذي يشفر بروتينًا جلديًّا يُسَمَّى TRPV3، وينظم نمو الشعر. وقد تم ذلك من خلال إدخال السلسلة الجينية المشفرة في خلايا بشرية في المختبر، ثم أَنتجت هذه الخلايا بدورها البروتين. ومن خلال تعريض جين الاستشعار الحراري للماموث TRPV3 لدرجات حرارة مختلفة، تَبيَّن أنه أقل استجابة للحرارة من نسخة جين الاستشعار الحراري الموجود في الفيلة. يقول لينش إن الخطوة التالية ستتضمن إدخال الجين نفسه إلى خلايا الفيل التي تمت برمجتها لتتصرف كخلايا جنينيّة، وبالتالي يستطيع تحويلها إلى أنواع مختلفة من الخلايا التي يمكن استخدامها لدراسة كيفية عمل بروتينات الماموث في الأنسجة المختلفة. كما يعتزم فريق لينش استخدام هذه الطريقة؛ لاختبار آثار جينات أخرى للماموث .


مهمة الماموث

يَجري حاليًا عملٌ مماثل في مختبر جورج تشرش، عالِم الوراثة في كلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، حيث يَدَّعي أعضاء فريق العمل أنهم نجحوا في تخليق خلايا فيل تحتوي على 14 جينًا من الجينات المسؤولة عن التكيف مع البرودة، وهذا باستخدام تقنية جديدة تسمح بتعديل الجينات، اسمها (كريسبر/كاس9).

يقول تشرش إن هذا العمل يُعتبر مقدمة للتعديل المستقبلي لكل جينات الفيل التي تميزه عن جينات الماموث الصوفي، وربما نتمكن في يوم من الأيام من إعادة إحياء الماموث الصوفي، أو ـ على الأقل ـ إعطاء الفيل الآسيوي جينات الماموث الكافية، التي تساعده على البقاء على قيد الحياة في منطقة القطب الشمالي، والتكيف مع برودتها. بالإضافة إلى ذلك.. تم اقتراح محمية في شمال سيبيريا، يُطلَق عليها اسم حديقة العصر الجليدي، لتكون وطنًا لمثل هذه الفيلة المقاوِمة للبرد.

هذا.. وليس واضحًا ما إذا كان ما سبق ممكنًا فعليًّا، أم لا، لكن بإمكان مشروع جريء كهذا السماح للفيل الآسيوى المهدَّد بالانقراض أن يتكاثر، مع وجود عقبات لا حصر لها تقف في طريق تزاوُج «الفيلة الصوفية» المعدَّلة وراثيًّا. ذكرت شابيرو هذه النقطة في كتابها «كيف تستنسخ ماموثًا» (مطبعة جامعة برينستون، 2015)، وحددت أخلاقيات استخدام التقنيات التكاثرية للأنواع المهدَّدة بالانقراض، منوهةً إلى أن مجال التكاثر الحيوي للفيلة ما زال مجالاً بكرًا. تقول شابيرو «ربما كان ينبغي أن أسمِّي الكتاب «كيف يمكن للمرء أن يستنسخ ماموثًا؟ (وهل من الضروري أن يكون ذلك ممكنًا عمليًّا؟ وهل هي فكرة جيدة أصلًا؟ وإنْ كانت في الأغلب سيئة)»، ولكنّ عنوانًا كهذا لن يكون مقنعًا.

  1. Lynch, V. et al. Preprint at bioRxiv http://dx.doi.org/10.1101/018366 (2015).

  2. Miller, W. et al. Nature 456, 387390 (2008).

  3. Römpler, H. et al. Science 313, 62 (2006).

  4. Campbell, K. L. et al. Nature Genet. 42, 536540 (2010).