رؤية كونية

ضرورة تقنين تقنيات التحرير الجيني في الحيوانات البرية

تقول جنتين لانشوف إنه يجب إحكام السيطرة على استخدام أدوات تعديل الجينوم في الأنواع البرية؛ لتفادي أيّ أضرار من الصعب تجنُّبها، يمكن أن تلحق بالنظام البيئي.

جنتين لانشوف
  • Published online:

Madeleine P. Ball

إنّ قضية التحرير الجيني قضية شائكة، جاءت بعد اهتمام كثيف باستخدام أدوات "كريسبر" في تعديل صفات الأجنة البشرية. ولِكَوْنِي متخصصة في عِلْم الأخلاقيات، وأعمل في معمل هندسة الجينوم، فقد كنتُ شاهدة عيَان على التطورات العلمية الأخيرة. ومن ثم، فلَدَيَّ مخاوف تجاه كيفية استخدام تلك التقنيات، لكن هذه المخاوف ليست من النوعية التي يمكن للقارئ توقُّعها.

لم تعد المسائل الأخلاقية التي أثارتها هندسة (خط الخلايا الجنسية البشري) وراثيًّا جديدة. وإذا كانت هذه المسائل تستدعي الاهتمام والتفكير، فلا ينبغي أن تلهينا موجة الغضب المناهِضة للتعديل الجيني بالأطفال والعلاج الجيني الدقيق عن مشكلة أكثر إلحاحًا، ألا وهي الاستخدام المتزايد لتقنية "كريسبر" في تحرير جينومات الحيوانات البرية، وهو النهج الذي ما لم يُقَنَّن ويُنظَّم جيدًا، فمن الممكن جدًّا أن يؤدي إلى تغيير النظم البيئية بسرعة، والإضرار بها إضرارًا لا يُمكن تجنُّبه.

لقد استخدم العلماء تقنية "كريسبر" بالفعل في التعديل الوراثي للناموس وذبابة الفاكهة Drosophila melanogaster. كما استطاع العلماء ـ من خلال الجمع بين تقنية "كريسبر"، وإحدى تقنيات علم الأحياء الجزيئي، تُسَمَّى "الدفع الجيني" gene drive ـ زيادة كفاءة نقل هذه التعديلات إلى النسل بشكل كبير. وبمجرد إجراء هذه التغيرات الجينية؛ فهي تنتشر بذاتها، وإذا خرجَت من المعمل؛ فسينتشر تأثيرها في كل جيل جديد؛ وستخرج بسرعة عن حيِّز السيطرة.

تحقِّق تقنية "الدفع الجيني" تغيرات سريعة في الجماعات التي تتكاثر جنسيًّا، لأنها تعتمد على الجينات القادرة على الانتشار التفضيلي، من خلال تعاقب الأجيال. وبدون هذه التقنية.. تواجِه الخصائص المدخَلة عَقَبةً إحصائية، ألا وهي الوراثة "المندليّة"، وتتباطأ وتيرة ثباتها في الجماعات. فتعديل جماعات الحيوانات البرية وراثيًّا باستخدام تقنية "الدفع الجيني" يهدف إلى التدخل السريع؛ للإخلال بإحدى الخصائص، مثل قدرة بعوضة Anopheles على نقل الملاريا. وهذه الطريقة تُحدِث تغييرًا مبدئيًّا ضيق النطاق بالنظام البيئي المعنِيّ. وفي هذا المثال ـ تحديدًا ـ سيُرْصَد الإخلال الأَوَّلِي الذي يجري لإحدى خصائص البعوضة في بيئتها الطبيعية، بيد أن المخاطرة بحدوث الإخلال في النظام البيئي على نطاق أوسع غير معلومة، وتتطلب مزيدًا من النمذجة الرياضية؛ لتوقُّعها وحسابها.

لقد طُوِّرت تقنية " الدفع الجيني" في معملنا. وعند الإصدار المبدئي لهذه الطريقة، دُعِيَ زملائي إلى اتخاذ إجراءات صارمة للسلامة الحيوية، مصدَّق عليها، وإلى عَرْض الأمر على الرأي العام؛ للحصول على موافقته (K. M. Esvelt et al. eLife 3, e03401; 2015)، بينما استمر العمل الذي يجمع بين تقنيّتي "كريسبر" و"الدفع الجيني" في التقدم. وقد استخدم العلماء بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو هذه الطريقة المجمّعة، التي يُطلَق عليها اسم "التفاعل المتسلسل المطفر وراثيًّا" لتعديل ذبابة الفاكهة Drosophila melanogaster وراثيًّا (V. M. Gantz and E. Bier Science 348, 442–444; 2015). أثار هذا البحث تخوُّفًا كبيرًا وخطيرًا لديَّ ولدَى آخرين بخصوص السلامة الحيوية، فعلى الرغم من أن هذا العمل أُجرِيَ في معمل، إلا أنه في حالة هروب أيّ حشرة من الحشرات المعدَّلة وراثيًّا؛ سينتشر هذا التعديل على نطاق واسع؛ وتتناسل الحشرات في الجماعات البرية، على خلاف الناموس الذي يعتمد على مكامن بيئية معينة. بالطبع، ينبغي السماح بإجراء مثل هذه التجارب، ولكن يجب أن يكون ذلك تحت ظروف صارمة، وإجراءات احترازية ملائمة.

نحتاج إلى مراجــعة مُلِحَّـــة لبروتوكولات السلامة الحيوية للتجارب التي تُجْرَى على الكائنات الحية في البـريــــــة وتجمع بين تقنيّتي "كريسبر"، و"الدفع الجيني".

أصبحت تقنية "كريسبر" في أقل من ثلاث سنوات أداة أساسية يستخدمها علماء الأحياء. ومن ثم، فلا مجال لأنْ نسأل سؤالًا مِثل: "هل ينبغي عليهم التوقف عن ذلك قبل فوات الأوان؟" وإذا قَيَّمْنا التطبيقات المتعددة لتقنية "كريسبر" تقييمًا دقيقَا؛ لوجدنا أنه لا يوجد تقييم أخلاقي واحد يمكن أن يتناول جوانبها بالكامل، لأن التَّبِعات المختلفة المترتبة على تعديل الجينوم البشري، سواء في الخلايا الجسدية، أم خط الخلايا الجنسية والنظام البيئي، تتطلب أنواعًا مختلفة من التقييمات الأخلاقية والمنهجية.

يدَّعي بعض النقاد بأنه قد تكون هناك آثار غير متوقَّعة لتحرير جينوم خط الخلايا الجنسية البشري على الأجيال القادمة؛ مما يجعل الأمر خطيرًا وغير مقبول أخلاقيًّا، بيد أن عدم التيقن ليس طريقة نافعة للحُكْم على كون أمر ما مقبولًا أخلاقيًّا أم لا، كما أن هناك آخرين يلقون الضوء على الأغراض غير العلاجية المحتمَلة للتعديلات الجينية في خط الخلايا الجنسية. وإذا نظرنا إلى الأمر من الناحية الأخلاقية؛ فلن نجد سببًا واضحًا يجعل من التعديل الجيني للخصائص ـ في حد ذاته ـ شيئًا سيئًا، كما أن المعايير التي تقرِّر ما الذي يندرج تحت العلاج، وما الذي يندرج تحت التحسينات، ليست واضحة.

جدير بالذكر أن عواقب تعديل الجينوم البشري ستظل محدودة، لأنها ستكون محصورة في البشر، أي في الشخص (الدليل)، وخط نَسْله، ولا تظهر مخاطر من ناحية السلامة أو الأمن في هذه المرحلة. وعندما يحدث التقنين، فقد يتطلب الأمر تكييف هذا التقنين على الوضع آنذاك، بالإضافة إلى التشريعات، وأطر المعايير الثقافية والدينية السائدة في هذا الوقت.

مِن هذا المنطلق.. نجد أن استخدام التطبيقات البشرية لتقنية "كريسبر" أقل خطرًا من إمكانية التعديل الوراثي للنظام البيئي، فمثل هذا النوع من الاختلال له ـ بطبيعته ـ عواقب وخيمة وأشد تعقيدًا، حتى إنه من الصعب تصوُّر مدى تأثيره ومُدَّته. أما تقنية "الدفع الجيني"، فهي مصمَّمة بحيث يمكن عكس تأثيرها، ولكن ذلك الأمر ما زال في حاجة إلى مزيد من الاختبارات، لأنه لا يمكن احتواء الكائنات المعدلة وراثيًّا، القادرة على التكاثر ذاتيًّا، مما يشكِّل تحديًا كبيرًا أمام تنظيم الأمر وتقنِينه. وعليه، فإننا بحاجة إلى مراجعة مُلِحَّة لبروتوكولات الأمن والسلامة للتجارب التي تُجرى على الكائنات الحية بالبرية، وتجمع بين تقنيتي "كريسبر" و"الدفع الجيني"، سواء في المعامل، أم الاختبارات الحقلية. ولذلك.. يجب على جهات التمويل والمؤسسات أن تضع لوائح معينة، وتفرضها.

لقد أفاد استخدام تقنيات التحرير الجيني في إلقاء الضوء على أدوات الهندسة الحيوية، ولكنْ إذا نظرنا إلى الأمر من الناحية الأخلاقية؛ فسنجد أنّ السؤال الذي يطرح نفسه ـ بطبيعة الحال ـ لن يكون حول ما يمكن لتقنية "كريسبر" أن تقدِّمه للبشر، بل ماذا يمكن للبشر أن يفعلوا بها.