تحقيق إخباري

الكيمياء: درجات الانفصال

يأمل الكيميائيون في تفكيك هيمنة الصين على العناصرالأرضية النادرة، عن طريق الوصول إلى طرق فعّالة لاستخلاص هذه العناصر من صورتها الخام.

جياوجي لي
  • Published online:

<p>عامل يصب اللانثانوم في قالب صهر في الصين</p>

عامل يصب اللانثانوم في قالب صهر في الصين

David Gray/Reuters/Corbis


في شهر يوليو 2010، صَدَمَت حكومة الصين شركات التكنولوجيا المتقدمة في العالم بإعلانها عن خفْض نسبة حصة الصادرات من العناصر الأرضية النادرة بمقدار %37، تتشكل هذه المجموعة من 17 عنصرًا معدنيًّا، تُعتبر من المكونات المهمة في شاشات العرض، وفي الإضاءة منخفضة الطاقة، وفي أجهزة الليزر ذات الطاقة العالية وفي الكثير من منتجات القرن الواحد والعشرين الأخرى.

تسيطر الصين بصورة شبه كاملة على إنتاج هذه العناصر، كما كانت تنتج %97 من إمدادات العالم منها في عام 2010. لذلك.. ورغم قول بكين إنها تحاول فقط تنظيف هذا القطاع شديد الاتساخ من قطاعات صناعة التعدين عندها، تَسَبَّب هذا الخفض في حصة الصادرات في رفع أسعار هذه العناصر الأرضية النادرة بشدة، وطرح احتمال حدوث زعزعة اقتصادية، غير أن ما حدث في واقع الأمر لم يكن سيئًا بدرجة كبيرة، إذ بدأت مجموعة من الشركات الغربية العاملة في مجال التعدين في إنتاج هذه العناصر في الوقت الحالي، كما أن الصين تعهدت بإنهاء هذا الخفض بحلول 2 مايو من هذا العام، بعد تعرضها لضغوط من منظمة التجارة العالمية. ورغم ذلك.. دعت هذه الحادثة الولايات المتحدة وأوروبا إلى إطلاق مبادرات بحثية تهدف إلى تأمين موارد للعناصر الأرضية النادرة غير خاضعة لسيطرة الصين. وبدأت هذه البرامج تؤتي أكلها في الوقت الحالي.

الأمر الأكثر أهمية في هذا الشأن هو التحدي الذي يواجهه الكيميائيون. والعناصر الأرضية النادرة تكاد تتطابق من المنظور الكيميائي، وعادة ما تُوجد في ترسبات الخامات، ولذا.. لا يمكن فصلها عن بعضها البعض إلا بصعوبة بالغة. وطريقة الفصل المتعارف عليها تشمل ما يقارب 300 خطوة، كما تتضمن استخدامًا واسعًا لمواد كيميائية خطرة. وتمتلك الصين شبكة من منشآت الاستخلاص التي يمكنها أن تتغلب على أي منافس آخر في العالم. ويرجع ذلك إلى التساهل التاريخي في شأن الإجراءات البيئية الاحترازية، إلى جانب وجود المصانع التي تدمج هذه العناصر في الأجهزة الإلكترونية. وإذا حدث وتوصَّل الكيميائيون إلى طرق استخلاص أسهل، وأسرع، وأقل إضرارًا بالبيئة، وأرخص تكلفة، (وهذا الاعتبار الأخير هو الأكثر أهمية)، فإن الكفة الأخرى الميزان قد ترجح، إذ سيصبح من الممكن أن تستطيع البلدان الأخرى تحمُّل تكلفة استغلال ترسبات العناصر الأرضية النادرة الخاصة بها، وأن تتمكن من استعادة العناصر الأرضية النادرة من النفايات الإلكترونية.

يقول جاك ليفتون، مستشار شركات صناعة العناصر الأرضية النادرة، الذي يعمل في فارمنتون هيلز، متشيجان: «لكي تتمكن أي شركة غربية من المنافسة، فإنه يتحتم عليها أن تنتج العناصر الأرضية المنفردة بتكلفة تقل عن تكلفة إنتاجها في الصين».


خليط المعادن

إنّ فصل العناصر المتشابكة هو أمر بالغ الصعوبة، ولذا.. لم يستطع علماء الكيمياء التعرف على جميع العناصر وتسميتها، إلا بعد مرور مئة عام. تم اكتشاف أول هذه العناصر، الإتريوم، في عام 1794، إلا أن العنصرين الأخيرين من هذه المجموعة، اللوتيتيوم والإتربيوم، لم يتم فصلهما إلا في عام 1907 (انظر: «الطيور على أشكالها تقع»). ولم يكلِّف المصنعون الأوائل أنفسهم عناء تنقية المعادن، إذ استَخدمت التطبيقات المبكرة في أوائل القرن العشرين خليطًا من المعادن في صوانات ولاعات السجائر والذخيرة.

لم يُشْرَع في استخدام العناصر الأرضية المنفردة، إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما استرعت مشكلة كيفية فصل هذه العناصر انتباه فرانك سبيدنج، عالِم الكيمياء فيما يُعرف الآن باسم جامعة ولاية أيوا في إيمس، الذي كان رائدًا في مجال تنقية اليورانيوم في مشروع مانهاتن. أتقن سبيدنج طريقة تُعرف باسم كروماتوغرافيا تبادل الأيونات، يتم فيها صَبّ خليط العناصر الأرضية النادرة عبر عمود زجاجي رأسي معبَّأ بخرزات من البوليمر. وفي هذه العملية تلتصق العناصر الأرضية النادرة بالخرزات، ومن ثم يتم غسلها بمحلول حمض الستريك المخفف. تَحَكَّم سبيدنج في قيمة الأس الهيدروجيني للحمض، بحيث يذوب كل عنصر من البوليمر بمعدل يختلف عن معدل ذوبان العناصر الأخرى بدرجة طفيفة. ونتيجة لذلك.. تنتقل الأيونات عبر العمود بسرعات مختلفة، قبل أن تخرج من أسفله في شكل حِزَم ذات تكوينات متباينة بدرجة طفيفة. إنّ تكرار هذه العملية لعدد كاف من المرات يمكِّن الباحثين من عزل العناصر ذات الدرجة العالية من النقاء بكميات تكفي لدراسة خصائصها.

كبر الصورة


قادت هذه المجهودات إلى حدوث توسُّع مهول في تطبيقات العناصر الأرضية النادرة، بدايةً من الأعوام المبكرة من ستينات القرن العشرين، عندما تم اكتشاف أن مَزْج حفنة من أكسيد الأوروبيوم مع مواد أخرى ينتِج اللون الأحمر الوهّاج في شاشات التليفزيون. وبحلول عام 1965، دفعت الطلبات المتزايدة بشدة شركات التعدين الغربية إلى التوسع في إنتاج عنصر الأوروبيوم، والى إنشاء أولى منشآت الفصل. ولأن طريقة التبادل الأيوني لم تكن تصلح لإنتاج كميات كبيرة من هذا العنصر، لجأت هذه الشركات إلى طريقة أخرى تُعرف باسم الاستخلاص بواسطة المذيب. في هذه الطريقة، يتم تذويب خليط من العناصر الأرضية النادرة في الماء، ثم يتم رجّها مع مذيبات عضوية تحتوي على مستخلصات (مركّبات) ترتبط ببعض هذه العناصر بدرجة أقوى من ارتباطها بالعناصر الأخرى. وفي هذه العملية، تنتقل العناصر الأرضية النادرة إلى المذيب العضوي. وبعد أن يستقر الخليط، يصبح من الممكن أن تزال هذه العناصر بطريقة كيميائية من المستخلصات، وأن تتم إعادة إذابتها في الماء. ويتطلب فصل العناصر بهذه الطريقة مئات المحاولات.

في العقود التالية، بدأ المهندسون الكيميائيون الصينيون في زيادة العمل بتقنية الاستخلاص بواسطة المذيب في منشآتهم الخاصة، التي استطاعت في فترة وجيزة أن تبيع العناصر الأرضية النادرة ذات النقاء العالي بأسعار منخفضة، مقارنةً بالأسعار التي يمكن للمنتجين الغربيين أن يقدموها. وبحلول عام 1999، استحوذت الصين ـ بصورة شبه كاملة ـ على إمدادات العناصر الأرضية النادرة في العالم.


أرخص، وأسرع، وأنظف

إحدى الطرق التي يمكن بها تغيير الوضع هي زيادة الإنتاج في العدد القليل من منشآت الاستخلاص بواسطة المذيب، التي توجد خارج الصين، مع العثور على طرق لتقليل تكلفة عملية الإنتاج وزيادة فعاليتها. «إن تغيير الطرق الكيميائية هو أسهل من تغيير البِنَى التحتية» حسب قول أليكس كنج، مدير معهد المواد الحرجة CMI (مركز الأبحاث الذي بلغت تكلفته 120 مليون دولار، ويقع في إيمس، أيوا، والذي أنشأته وزارة الطاقة في الولايات المتحدة في عام 2013؛ لمعالجة مشكلات إمدادات العناصر الأرضية النادرة والمواد الأخرى).

يحاول بعض الباحثين الآخرين أن يغيِّروا الكيمياء ذات الصلة بفصل هذه العناصر، عن طريق الوصول إلى مستخلصات ذات قدرة أفضل على التمييز ما بين العناصر الأرضية النادرة. وهذه المهمة ليست بالسهلة، حسب قول سكوت هيرست، المهندس الكيميائي في معهد المواد الحرجة، الذي يعمل على هذا المشروع في مختبر إيداهو الوطني، الواقع بالقرب من إيداهو فولز. «أنت كمن يحاول فَصْل حبات التفاح عن حبات التفاح». يقوم هذا المهندس الكيميائي وزملاؤه بالعمل على حل هذه المشكلة نظريًّا، بواسطة استخدام أجهزة الحاسوب؛ لتصميم مركبات أفضل، عن طريق النمذجة الحاسوبية، وعمليًّا عن طريق استقصاء ما إذا كان متاحًا أن يستخدموا بعض المستخلصات التي تم تطويرها في أنواع أخرى من الصناعات.

تقوم مجموعة أخرى من الباحثين بالسعي وراء الحصول على مذيبات أفضل. على سبيل المثال.. يقوم الكيميائي كيون بينيمانز، الذي يعمل في الجامعة الكاثوليكية في لوفين، بتحضير واختبار مجموعة متنوعة من السوائل الأيونية (الأملاح التي توجد في الهيئة المنصهرة عند درجة حرارة الغرفة). وتتكون هذه المجموعة من المركبات في العادة من مركبات عضوية تحمل شحنة كهربائية، يرتبط بها أيون غير عضوي ذو شحنة مضادة. يقول بينيمانز إن السوائل الأيونية أكثر أمانًا في الاستخدام، كما إنها أقل تطايرًا، ويمكن إعادة تدويرها بدرجة تفوق نظيراتها من المذيبات العضوية المستخدَمة في الصناعة. وإضافة إلى كل ما سبق، تستطيع هذه السوائل الأيونية أن تحمل ما يقارب ستة أضعاف عدد أيونات العناصر الأرضية النادرة الذائبة. ويحاول بينيمانز أن يطور سوائل أيونية تستطيع أن تقوم أيضًا بدور المستخلصات.

تقوم بعض الشركات بتَبَنِّي طرق فصل مأخوذة من صناعات أخرى. يقول ليفتون: «إذا استطاعت هذه الشركات أن تخفض التكلفة، فسوف تتمكن من أن تنافس بدرجة أكبر». وفي أحد مواقع الرسوبيات في ألاسكا، على سبيل المثال، تمكنت شركة «يوكور رير ميتالز» Ucore Rare Metals التي يوجد مقرها في بيدفورد، كندا، من تحويل الخام إلى جرامات من العناصر الأرضية النادرة المنفردة بنسبة نقاء تصل إلى %99 باستخدام تقنية التعرف الجزيئي. هذه التقنية التي تم تطويرها في شركة «آي بي سي أدفانسد تكنولوجيز» IBC Advanced Technologies في مدينة أميريكان فورك، يوتاه، تم استخدامها في الصناعة؛ لإزالة شوائب البزموث من النحاس، ولاستعادة عناصر مجموعة البلاتين من المحوِّلات الحفزية التي تم التخلص منها.

في نظام شركة «يوكور»، يتم تمرير محلول من العناصر الأرضية النادرة المخلوطة عبر سلسلة من 17 عمودًا مختلفًا، يعبأ كل واحد منها بمركب صُمم خصيصًا لكي يترابط مع عنصر محدد. يمكن بعد ذلك أن يتم استخلاص العنصر في هيئة نقية بدرجة %99، عن طريق غسل العمود بمحلول حمضي مخفف. تقول «يوكور» إنه ليس من الضروري تكرار هذه العملية، إلا لعدد محدود من المرات، اعتمادًا على درجة النقاء المطلوبة، ولذا.. يمكن لهذه العملية أن تصبح فعالة وصديقة للبيئة. وتعمل الشركة مع علماء شركة «آي بي سي»؛ للبرهنة على صلاحية هذه التقنية في منشأة اختبارية في الشهور القادمة.


ابدأ مرة أخرى

إنّ الحَفْر بحثًا عن العناصر الأرضية النادرة ليس خيارًا متوفرًا على الدوام، خصوصًا في أوروبا، التي لا يوجد بها سوى عدد قليل من الترسبات، التي تنتشر فيها معارضة عمليات التعدين، إلا أن الدول النامية في جميع أنحاء العالم تحتوي على موارد ضخمة محتملة للعناصر النادرة على هيئة الأجهزة الكهربائية المستخدَمة. يحتوي العدد الأكبر من مصابيح الفلورسنت على الأوروبيوم، والإتريوم، والتربيوم، على سبيل المثال، كما تحتوي المغناطيسات الدائمة القوية في العادة على النيوديميوم، والديسبروسيوم. يقول توم فان جيرفن، المهندس الكيميائي في جامعة كي يو لوفين: «حينما يتم الانتهاء من استخدام هذه الأجهزة، نقوم بإرسالها إلى الصين»؛ بغرض إعادة التدوير. ويتابع بقوله: «نود أن نوقف هذه العملية. ولسوف يكون بمقدورنا أن نتوقف، إذا ما استطعنا أن نقوم بعمليات إعادة التدوير في أوروبا».

يكمن التحدي في عملية التدوير في استخلاص الموارد المخففة، إذ لا تحتوي النفايات الإلكترونية في العادة إلا على تركيزات تقل عن تلك التي توجد في الخام، إلا أن كل المكونات المنفردة تحتوي في العادة على مجموعة أقل من العناصر التي ينبغي فصلها.

في العادة، ينبغي أن يتم تذويب المغناطيسات في أحماض قوية؛ لكي يتم استخلاص العناصر الأرضية النادرة منها. ويبحث فان جيرفن عن طريقة بديلة لهذه العملية، إذ يقوم بقذف المغناطيسات الصلبة بالموجات فوق الصوتية، التي عادةً ما تُستخدم في مختبرات الكيمياء؛ لتنظيف المعدات، عن طريق إزاحة الجسيمات من على سطحها. وعلى الرغم من أن هذه التجارب ما زالت مستمرة، إلا أن المأمول هو أن تتمكن الموجات فوق الصوتية من تجريف أسطح المغناطيس، بحيث تسمح للمستخلصات أن تستخرج العناصر الأرضية النادرة من غير حاجةٍ إلى إذابة المغناطيس بكامله.

يوجد كذلك فريق آخر في معهد المواد الحرجة، يقوم بالتركيز على عملية إعادة التدوير. وفي أحد المشروعات، ترتبط المستخلصات بغشاء، بحيث تقوم بالقبض على العناصر الأرضية النادرة عندما يًمرَّر بها محلول. ويمكن لهذه التقنية أن تفصل العناصر من محاليل ذات تركيزات منخفضة جدًّا، حسب قول رئيس المشروع، إريك بيترسون، الذي يعمل في مختبر إيداهو الوطني. كما يتوقع أن يتم تسويق هذه التقنية بشكل كامل خلال عام أو اثنين.

يصعب التنبؤ بتأثيرات هذه الأبحاث على أرض الواقع. وأحد أسباب هذه الصعوبة هو أن الصين هدف متحرك. وتعمل الصين باجتهاد من أجل إصلاح صناعة العناصر الأرضية النادرة، وتعزيز تحكُّمها بها، عن طريق دمج 140 شركة من التي تعمل في هذا المجال في ست شركات، وعن طريق تضييق الخناق على التعدين غير القانوني، وإلغاء منشآت الفصل التي لم تعد ثمة حاجة إليها؛ من أجل تقليل الإمدادات ورفع الأسعار، وعن طريق تنفيذ المعالجات البيئية؛ لجعل هذه الصناعة مربحة ومقبولة اجتماعيًّا. يقول ليفتون: «كانت هذه الصناعة متفلِّتة، كَتَفَلُّت رعاة البقر. وتقوم السلطات الصينية في الوقت الحالي بتطويعها».

يمكن لهذه النفقات الحديثة أن ترفع من تكلفة التشغيل في صناعة الفصل في الصين، الأمر الذي سوف يسهل من منافسة الشركات الغربية في هذا المجال، إلا أن الفصل ليس هو وحده الأمر المهم، حسب قول كنج. إذ ليس للمصنِّعين الغربيين ما ينافسون به شبكة المصانع الصينية التي تحول العناصر الأرضية النادرة التي يتم فصلها إلى مكونات من قبيل الشاشات، والمغناطيسات، والمصابيح. يقول: «ينبغي أن تتوفر كل حلقات السلسلة». والى أن تبنى مثل هذه المصانع في الغرب، لن يتوفر لمنتجي العناصر الأرضية النادرة من قبيل شركتي «موليكورب» في جرينوود فيليج، كولورادو، و«ليناس» في بيرث، أستراليا إلا عدد قليل ممن يرغبون في شراء منتجاتهم، ما عدا الصين. ومع تهديد الطلب العالمي المتزايد لتجريف مقدرة بلادهم التعدينية، بدأ المنتجون الصينيون مسبقًا في البحث عما يغذّون به مصانعهم عن طريق إجراء عمليات التعدين في البلدان الأخرى.

لذا.. حتى لو تمكّن المنتجون الغربيون من تطوير عمليات فصل تستطيع أن تنتج العناصر المنفردة بتكلفة منخفضة، فإن قوانين الاقتصاد قد تحتِّم حدوث انقلاب ينضوي على مفارقة، تستورد فيها الصين العناصر الأرضية النادرة من الغرب.