افتتاحيات

المزيـد مـن "قانـون مــور"

يقترب قانون مور في هذه الآونة من الحدود النهائية للفيزياء، ولذا.. نحتاج إلى فيزياء جديدة لتوسيع نطاق القانون.

  • Published online:

شهد تاريخ 19 إبريل النبوءة الشهيرة للعالِم هيل جوردون مور بأنّ نهايات القرن العشرين ستشهد طفرة هائلة في القدرة الحاسوبية، وستدشِّن انطلاقة عصر التكنولوجيا.

تؤثر الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات حاليًّا على كل مناحي الحياة تقريبًا. فمنذ اختراع الدوائر المتكاملة في عام 1958، استطاعت الثورة التكنولوجية المستمرة أن تصل بنجاح إلى حالة من التجاوب الكامل مع الصناعات التكنولوجية، فيما صار يُعرف بـ"قانون مور".

لاحظ مور في عام 1965 ـ وهو الكيميائي الذي أصبح مهندس إلكترونيات فيما بعد ـ أنه في السنوات التي تَلَت تصميم أول دوائر متكاملة، تمكَّن المهندسون من مضاعفة أعداد المكونات ـ كالترانزستورات ـ على الشريحة الواحدة كل عام. كما تنبّأ أيضًا بأن معدَّل تصغير حجم المكونات سوف يستمر على مدى عقد كامل على الأقل، ثم عَدَل عن تنبُّؤه؛ محوِّلًا معدل تصغير المكونات إلى الضعف كل عامين.

هذا.. ولم تتقهقر صناعة أشباه الموصلات يومًا إلى الوراء، مما أدَّى إلى استمرار تصغير حجم الترانزستورات، وإنتاج شرائح كمبيوتر تجمع بين جودة الأداء والوظيفة. وعلى مدار العقود القليلة الأولى، تماشت صناعة أشباه الموصلات مع "قانون مور"، من خلال الإنجازات التي حققتها العبقريات الهندسية، والخطوات الواسعة التي قطعتها عمليات التصنيع. ورغم هذا.. ينبغي ألا نغفل دور العلوم الأساسية المحوري، لا سيما في ظل الجهود التي يبذلها الباحثون اليوم؛ للتوصل إلى أساليب تساعد على المحافظة على معدلات التقدم.

تُعَدّ التطورات التي شهدتها نظرية نطاقات الطاقة في أشباه الموصلات هي الأساس الذي استند إليه اختراع الترانزستور في "مختبرات بل" ـ بمدينة موراي هيل، نيوجيرسي ـ في أربعينات القرن الماضي. كما لعبت الإنجازات العلمية الهائلة دورًا محوريًّا فيما تلا ذلك من تقدم تكنولوجي في أشباه الموصِّلات. ومن الأمثلة الجديرة بالذكر، أن عالِم الفيزياء الروسي نيكولاي باسوف ومعاونيه نجحوا في عام 1970 في تطوير ليزرات الاستثارة، التي استُخدمت بعد ذلك في حفر نماذج الدوائر الصغيرة على رقائق السيليكون، التي تُصنع منها الشرائح.

ثم جاءت تسعينات القرن الماضي، وفي طياتها دعوة حثيثة إلى مزيد من الابتكار. حتى ذلك الحين، شهدت الترانزستورات ـ في ظل تصغير أحجامها المستمر ـ طفرة واضحة في سرعة وكفاءة استهلاك الطاقة، ولكنْ مع تصغير حجم المكونات إلى حوالي 100 نانومتر فقط، بدأت تظهر آثار سلبية لتصغير الحجم؛ مما اضطر الشركات المنتجة للشرائح ـ مثل شركة "إنتل" Intel، التي شارك مور في تأسيسها، وشركة "آي بي إم" IBM ـ إلى اللجوء إلى العلوم الأساسية؛ للارتقاء بأداء مواد الترانزستور. وجاء الدعم الأكبر من علماء فيزياء المواد المكثفة، الذين عرفوا ـ على مدى عقود سابقة ـ أن قدرة السيليكون على توصيل الكهرباء تزداد بصورة جوهرية مع تمدُّد شبكته البلورية. وعلى سبيل المثال.. عن طريق وضْعه على بلورة أخرى؛ تتباعد ذرّاتها بمسافات مختلفة. وبحلول العقد الأول من الألفية الثالثة، طوَّر مهندسو الإلكترونيات السيليكون المجهد على شكل شرائح، ليظل "قانون مور" صحيحًا وساريًا لعدة سنوات أخرى.

والآن، تمتلك المعالِجات الدقيقة المتطورة ترانزستورات، يبلغ عرضها 14 نانومترًا فقط، ليقترب "قانون مور" أخيرًا من الحدود الفيزيائية القصوى، لكن مشكلة الحرارة المهدرة على وجه التحديد أصبحت مثارًا للقلق على "قانون مور"، إذ تسببت المشكلة في تعطيل إحدى صيغ القانون، وهي الصيغة الخاصة بالتسارع الأسي للكمبيوتر "سرعة الساعة". كما أن الشرائح كثيرة الاستهلاك للطاقة تحدّ من قدرة الهواتف النقالة على البقاء مشحونةً لأكثر من ساعات قليلة.

من ناحية أخرى، ساعد ظهور المواد المتقدمة ـ مثل أكسيد الهافنيوم ـ التي توفر عَزْلًا ـ حتى في حالة رقة طبقاتها الذَّرِّيَّة ـ على الحفاظ على الشرائح أكثر برودة. ولا يزال بإمكان الجهود الجبارة المبذولة في هذا الإطار أن تتمخض عن جيل أو اثنين من الترانزستورات الأصغر حجمًا، التي قد يصغر حجمها، حتى يصل إلى 5 نانومترات، إلا أن تطوير الأداء في هذه الحالة سيتطلب حتمًا فيزياء جديدة بقوانين جديدة.

ويبقى السؤال: إلى أين نتجه؟ هل نحو الترانزستورات التي تَستخدِم أنفاق ميكانيكا الكَمّ؟ أم صوب الترانزستورات التي تنقل فيها التيارات اللف المغزلي الكَمِّي، بدلًا من الشحنة الكهربائية؟ تُجْرِي حاليًّا معامِل عديد في جميع أنحاء العالم التجارب، باستخدام أساليب ومواد يمكنها تخفيض استهلاك الطاقة بشكل مؤثر. ويمثل الثبات الطبيعي في الخواص المشتركة الطوبولوجية للذَّرّات إحدى الوسائل التي يمكن استغلالها في تخفيض استهلاك الطاقة، فيما يُعَدّ لمسة عصرية على ممارسة قديمة تتعلق بترميز المعلومات، عن طريق ربط العقد. ويقوم بعض الباحثين في الوقت الراهن بتجريب هياكل دوائر محاكاة الدماغ "النيرومورفية"، المستوحاة من لدونة الشبكات العصبية بالمخ البشري.

ليس بالضرورة أن المبدأ الذي يعمل جيدًا داخل جدران معامل الفيزياء سيحقق نجاحًا عند تصديره إلى السوق بغزارة كمنتَج. ومن المؤكد أن غالبية المحاولات المبذولة اليوم سوف تذهب أدراج الرياح، لكن لا بد أن يثق المجتمع في أن العلوم الأساسية سوف تقدِّم ـ بشكل ما، أو بآخر ـ الوسيلة المناسبة للحفاظ على سير التقدم والتطور. أمّا مور، فيجب أن يفتخر بأننا لم نعثر حتى الآن على الاستثناء الذي يثبت قانونه.