تحقيق إخباري

السرطان: بـروتينـات (راس) في دائرة الضوء مجددًا!

فشلت محاولات عديدة لمدة ثلاثين عامًا في إنتاج دواء يقضي على أخطر عائلة من البروتينات المسبِّبة للسرطانات، لكنّ الباحثين يُجْرُون محاولة أخرى حاليًّا.

هايدي ليدفورد
  • Published online:

Laguna Design/SPL


عندما ترك ستيفن فيسيك صناعة الأدوية، لإطلاق مختبر أكاديمي لاكتشاف الأدوية، أعد قائمة تحتوي على خمسة من أهم البروتينات المطلوبة المسبِّبة للسرطان والمعروفة للعلماء والباحثين. وهذه البروتينات مسؤولة عن نمو الأورام، ولكنها تحولت إلى كابوس لمصنعي الأدوية، فهي في غاية النعومة والمرونة، أو متغيرة ومتحولة، مما يجعل من العسير للغاية التصاق الأدوية بها ووقفها. فهي باختصار ـ بلغة هذا المجال ـ «عصية على الأدوية».

من أوائل البروتينات «العصية على الأدوية» التي أضافها فيسيك إلى قائمته عائلة بروتينات تسمى «راس» Ras. فطوال أكثر من 30 عامًا كان معروفًا أن التحورات في الجينات التي تشفر بروتينات (راس) تُعَدّ من أقوى مسببات السرطان في بعض أشرس حالات السرطان وأشدها فتكًا، وتشمل حوالي %25 من أورام السرطان، وحوالي %90 من أورام البنكرياس. وبالنسبة إلى بعض أمراض السرطان المتقدمة، ترتبط الأورام التي تحتوي على تحورات (راس) بحالات الوفاة المبكرة أكثر من الأورام التي تخلو من هذه التحورات.

لم تتوصل الأبحاث طوال عدة عقود إلى عقار يحدّ من نشاط بروتينات (راس). وقد تسببت الإخفاقات السابقة في إبعاد الباحثين عن مجال تطوير الأدوية، وأجبرت شركات الأدوية على التخلي عن مشروعات تطوير الأدوية المتقدمة، لكن مختبر فيسيك في جامعة فاندربيلت في ناشفيل بولاية تينيسي، وعدد من أعضاء الفرق البحثية الأخرى ركزوا جهودهم مجددًا على هذه البروتينات، مسلحين بتكنولوجيا متطورة، وفهم أفضل لكيفية عمل بروتينات (راس). ففي العام الماضي، أطلق المعهد الأمريكي الوطني للسرطان مبادرة (راس) بقيمة 10 ملايين دولار؛ للعثور على طرق جديدة للتغلب على السرطانات التي تسببها بروتينات (راس). وكشف الباحثون بالفعل عن مركبات بعد تعديلها، يمكن أن تثمر عن باكورة الأدوية التي تستهدف بروتينات (راس).

يدرك الباحثون أن هناك عقبات عديدة ينبغي تخطِّيها وتجاوزها. يقول تروي ويلسون، رئيس شركة ويلسبرينج للعلوم الحيوية في لا جولا بولاية كاليفورنيا، التي تم إنشاؤها في عام 2012؛ لتصبّ تركيزها بالكامل على بروتينات (راس): «ينبغي أن نكن كثيرًا من الاحترام لبروتين (راس)، فهو يحظى بالتقدير اللازم، لكنه أيضًا واحد من أهم الجينات الورمية المسببة للسرطان».

يقول أنصار التركيز المتجدد على بروتينات (راس) أن أي بشائر للنجاح ستثمر دروسًا يمكن الاستفادة منها في معرفة طرق جديدة لاستهداف البروتينات الأخرى المهمة، التي تُعتبر من البروتينات العصية على العلاج. ولأن بعض العلماء يفترضون أن بروتينات (راس) صعبة للغاية على الاستهداف، فإن ذلك لا يعني، حسب قول تشانينج دير ـ باحث السرطان في جامعة نورث كارولينا في تشابيل هيل ـ أن يقنط العلماء، أو يصيبهم اليأس، وذلك «لأن الآراء تتغير باستمرار»، حسب تعبيره.


ثمرة بعيدة المنال

في عام 1982، كان فريق دير أول فريق يثبت أن التحورات في الجينات البشرية التي تقوم بترميز بروتينات (راس) يمكن أن تسبب السرطان1. تَوَّجَ هذا الاكتشاف أبحاث الجينات الورمية التي تسبب الأورام السرطانية في الجينوم البشري. فهي لم توصف من قبل سوى في النماذج الفيروسية والحيوانية.

أرسى الاكتشاف الجديد الأساس لسلسلة طويلة من الأبحاث الحديثة على السرطان، التي تركز على تتبع التحورات الجينية وتخطيط المسارات الجزيئية المتغيرة. وقد أنعش هذا الاكتشاف الأمل في العثور على أدوية تستهدف الجينات الورمية، وتعالج بعض أنواع السرطان.

كانت السنوات التالية حافلة بالاكتشافات، فقد أصبح واضحًا أن البشر ينتجون ثلاثة بروتينات (راس) شديدة التشابه، وأن هذه البروتينات تنشط عندما تحتاج الخلايا إلى الانتشار (لتغيير الأنسجة التالفة على سبيل المثال). تغير الإشارات القادمة من خارج الخلية بروتين (راس) إلى حالة التشغيل التي يتحول فيها إلى جزيء يُسمى GTP. أما الأشكال المسبِّبة للسرطان من بروتينات (راس)، فتكون في حالة تعطيل أو إيقاف، ولا يمكنها معالجة جزيء GTP. ولهذا.. يبدو منطقيًّا البحث عن أدوية تستطيع وقف قدرة جزيء GTP على الالتصاق لإيقاف التحول في بروتين (راس).

ومع تطور واتساع فهم الكيمياء الحيوية لبروتينات (راس)، زاد الإحساس بالتشاؤم وشحبت الآمال. فقد اتضح أن الارتباط العائلي لجزيء GTP قوي للغاية، وبدا العثور على مركب آخر يحجب تأثير جزيء GTP ضربًا من ضروب المستحيل. فبروتينات (راس) تعمل من خلال التداخل مع البروتينات الأخرى، لكن أدوية الجزيئات الصغيرة القادرة على اختراق الخلايا غالبًا ما تكون صغيرة للغاية، ولا تستطيع الإحاطة بمنطقة السطح الواسعة الناتجة عن التفاعلات بين البروتينات. إنّ (المضادات الحيوية تُعتبر أدوية ممتازة، ويمكنها تغطية منطقة كبيرة من الخلايا والأجزاء المستهدفة، لكن أغلبها لا يستطيع اختراق أغشية الخلايا).

هناك أسباب أخرى للقلق، بسبب بنية وتكوين بروتينات (راس)، فمطورو الأدوية يفحصون شكل البروتين لحساب احتمال العثور على مركب يلتصق بموقع حيوي. فهم يحبون رؤية بروتين بجيوب عميقة، يستطيع الدواء الانسياب بينها، والالتصاق بنقاط عديدة، وبروتينات (راس) ملساء وناعمة نسبيًّا.

قبل عشرين عامًا، اعتقد العلماء أنهم تمكنوا من حل المشكلة. فبروتينات (راس) تحتاج إلى الالتصاق بداخل غشاء الخلية من خلال ذيل سميك، حتى تعمل بكفاءة. ينشأ هذا الذيل بواسطة إنزيم فارنيسيل ترانسفيريز، الذي يسهل استهدافه بالأدوية عن بروتينات (راس). ولهذا.. نشأت فكرة إعاقة نشاط بروتين (راس) من خلال العثور على أدوية تثبط نشاط هذا الإنزيم.

في البداية، بدت هذه الاستراتيجية ناجحة للغاية. فقد نجحت مثبطات إنزيم فارنيسيل ترانسفيريز في تحجيم انتشار الخلايا في خلايا السرطان في الفئرات والبشر2. ومع بداية الألفية الجديدة، تنافست ست شركات مصنِّعة للأدوية على الأقل على طرح الأدوية في السوق. وتخلّت عدة شركات عن المشروعات المرتبطة ببروتين (راس) لأنها اعتقدت ـ كما أوضح الكيميائي هيربيرت وولدمان من معهد ماكس بلانك للفسيولوجيا الجزيئية في دورتموند بألمانيا ـ أن مشكلة بروتين (راس) قد حُلَّت وحُسمت، وعَلَّقَ على ذلك بقوله: «تنفس القطاع بأكمله الصعداء، وانتظروا».

انتهى هذا الانتظار بخيبة أمل تُعَدّ الأكبر في تاريخ صناعة الأدوية. فقد فشلت الأدوية، الواحد تلو الآخر، في التجارب الإكلينيكية على البشر. وقال دير، الذي كان لا يزال يدرس بروتين (راس) في ذلك الوقت، إنّ ما حدث لَقَّنه ولَقَّن الآخرين درسًا لا يُنسى بشأن الخصائص الحيوية لبروتين (راس).

كبر الصورة


إنّ الصور الثلاث لبروتينات (راس) البشرية متطابقة تقريبًا من حيث البنية، وتسلسل الحمض الأميني. وقد افترض الباحثون أن وظائفها ستكون متماثلة بالضرورة أيضًا. وتم تطوير أغلب الأدوات المستخدمة لدراسة بروتينات (راس)، مثل بنية الخلايا والفئران المعدلة وراثيًّا والمضادات الحيوية، باستخدام بروتين (هـ - راس) H-Ras، الذي يسهل التعامل معه، مقارنةً بالصور الأخرى من بروتينات (راس). وقال دير: «اعتَقَد الجميع، وأنا منهم، أن دراسة بروتين (هـ - راس) ستغني عن دراسة الصور الأخرى لبروتينات (راس). وللأسف الشديد، تم إنفاق الكثير من المال بسبب هذا الفهم الخطأ».

اتضح أن الصورتين الأخريين من بروتين (راس) – وهما (ك – راس) K-Ras، و(ن – راس) N-Ras أخطر في الأهمية من حيث التسبُّب في الإصابة بالسرطان، وأن الخلية لديها خطة طوارئ للإبقاء عليهما في حالة تشغيل. ففي ظل غياب إنزيم فارنيسيل، استطاع إنزيم آخَر الالتصاق؛ ليجعل الأدوية التجريبية عديمة الجدوى، ولا طائل منها.

أدَّت هذا الواقعة إلى تشويه مجال دراسة بروتين (راس)، واستغرق الأمر بعض الوقت، قبل أن يرغب الباحثون في دراسة هذه البروتينات مرة أخرى، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد مرور عقد كامل. يقول وولدمان: «فجأة تجمَّع العلماء والباحثون، ليكون لسان حالهم: «لا يزال هذا البروتين أحد أهم الأهداف في علم الأورام. فلم ينجز أحدٌ شيئًا يُذكر في هذا المجال طيلة 10 سنوات. لذا.. لا بد أن نحقق أي إنجاز». وفي هذه المرة، طبَّق الباحثون منهجًا جديدًا من خلال دراسة نقاط الضعف في الأورام التي يسببها بروتين (راس).

إحدى هذه النقاط تُعرف باسم «الفتك التوليفي»، فعندما تشهد بروتينات «راس» حالة نشاط فائق، تعتمد الخلايا السرطانية في الغالب على مسارات الجزيئات الأخرى؛ من أجل البقاء والاستمرار. وحَجْب هذه المسارات الأخرى ربما لا يؤثر على الخلايا العادية، ولكنه يقتل الخلايا السرطانية التي يسببها بروتين (راس). وشرعت المختبرات تفحص أنماط «الفتك التوليفي» للجينات المتحورة، التي تشكل الشفرة الوراثية لبروتين (راس)، وتقوم فكرة العلاج على استهدافها لقتل الخلايا السرطانية، مع الإبقاء على الخلايا العادية سليمة، دون ضرر.

أثمر ذلك المنهج الجديد عن فيض من الأوراق البحثية التي أسهبت في وصف الأهداف الجديدة المحتملة، أعقبتها موجة أخرى من التقارير والدراسات التي تبين أن نتائج الفتك التوليفي للبروتين غير قابلة لإعادة التمثيل أو المحاكاة3. ففي أكتوبر الماضي، أعلن ويليام سيلارز، الرئيس العام لقسم الأورام في شركة «نوفارتيس» السويسرية لتصنيع الأدوية، في مؤتمر صحفي أن فريقه حاول وأخفق في إعادة تمثيل أبرز نتائج الفتك التوليفي لبروتين (راس) التي تناولتها الأبحاث المختلفة. فأي تغييرات في السياق، مثل نوع الخلية المستخدمة أو ظروف الفحص الخاصة، على حد قول جوليان داونوارد، باحث في السرطان في معهد فرانسيس كريك في لندن، يمكنها بسهولة تغيير نتيجة التجربة. ولا يزال الباحثون يفرزون النتائج؛ لتحديد الأهداف التي تعوق إعادة التمثيل. ويؤكد دوانوارد شكوكه البالغة في أن تثمر هذه الجهود عن أي نجاح يذكر بقوله: «يبدو أن كل باحث يحصل على نتيجة مختلفة من هذه التجارب. وأشك أن تكون هذه الأهداف هي الأكثر نجاحًا».


دواء مُخصَّص

ظل باحثون عديدون يتطلعون لاستهداف بروتين (راس) ذاته، بينما لا تزال ذكريات خيبة الأمل والإحباط الناتجة عن منهج «الفتك التوليفي» ماثلة في أذهانهم (انظر الرسم التوضيحي «الهجوم على (راس)»). يقول برينت ستوكويل، وهو أخصائي في الأحياء الكيميائية في جامعة كولومبيا في نيويورك: «لقد قررنا أنه ينبغي التركيز على بروتين (راس) مباشرة».

يقول ستوكويل إن التحسينات التي تم إجراؤها في السنوات الخمس الماضية في النمذجة الحاسوبية وطرق الفحص لمركبات الأدوية تمثل أملًا جديدًا لاستهداف السلسلة الناعمة والمصقولة من بروتينات (راس). والباحثون حاليًّا أفضل استعدادًا للتنبؤ بعلاقة الجزيئات الصغيرة للبروتينات، على سبيل المثال، كما لديهم فَهْم أفضل لآليات البروتينات.

يستغل فريق ستوكويل هذه التحسينات من أجل تصميم الجزيئات الصغيرة التي تم تخصيصها وفقًا لسطح بروتينات (راس)، في الكمبيوتر أولًا، ثم في المختبر ثانيًا. يقول ستوكويل: «ربما في هذه البروتينات تحديدًا لن تعثر على الحل الصحيح في أي مكان آخر في العالم، ولهذا.. يجب عليك أن تصنعه من الصفر».

يعمل فيسيك على تصنيع أدوية جديدة، لكنه بدأ من مكتبة المركبات الحالية. وقد ابتكر فيسيك خلال عمله السابق في مختبرات أبوت في أبوت بارك، إلينوي، طرقًا جديدة؛ لوقف التفاعلات بين البروتينات من خلال نسج قطع المُركبات التي تلتصق بالهدف، حتى لو كان الالتصاق ضعيفًا. وأثمر منهجه عن مركب كبير وجديد يُستبعد وجوده في أي مكتبات كيميائية معيارية تستخدم في تركيب الأدوية وتصنيعها.

يشبِّه فيسيك هذا الأسلوب، الذي أسماه بالفحص المعتمد على الأجزاء، ببناء مفتاح؛ ليلائم القفل، من خلال قَطْع حزّ أو ثلمة واحدة في كل مرة، ويقول عن ذلك: «في النهاية تتجمع كل الحزوز في مفتاح واحد، ليصبح لديك مركّب لم يتم تصنيعه من قبل، ولكنك توصلت إليه، لأنك قمت ببنائه ببطء، وتخصيصه وفقًا للبروتين».

اكتشف مختبر فيسيك والمتعاونون معه في المجال أكثر من 130 جزيئًا تلتصق التصاقًا ضعيفًا ببروتين (ك-راس)4. تحث هذه المركبات تغييرًا في بنية البروتين، وتفتح جيبًا للالتصاق خلال هذه العملية. ويحاول الفريق الآن إضافة أجزاء أخرى لتحسين الملاءمة، أو ما يماثل الحزّ الثاني في المفتاح. وقد أشاد دير بسمعة فيسيك وشهرته في تطوير أدوية للأمراض التي لا أدوية لها، خلال عمله في مجال تصنيع الأدوية، قبل انتقاله إلى مجال التدريس الأكاديمي، قائلًا: «إذا كان هناك شخص سيفعلها، سيكون فيسيك».

يدرس الباحثون الآخرون استغلال تحورات معينة في بروتين (ك – راس). ورغم وجود عديد من التحورات المختلفة المرتبطة بالسرطان في الجين الذي يشفّره، فإن هناك ثلاثة تحورات فقط هي المسؤولة عن الأغلبية الكبرى من الأورام السرطانية التي يسببها بروتين (راس). ويشير دير إلى أن كل تحور من هذه التحورات ينتج إنزيمًا بسلوك مختلف قليلًا، يقول عن ذلك: «إذا بدأنا اعتبار التحورات المختلفة مثل الشخصيات المختلفة، فإن هذه الشخصيات المختلفة قد تفتح المجال أمام نقاط ضعف فريدة».

«كان لسان حال العلماء والباحثين: «لم ينجز أحدٌ شيئًا يُذكر في هذا المجال طيلة عشر سنوات. لذا.. لا بد أن نحقق أي إنجاز».

انضم كيفان شوكات ـ أخصائي في الأحياء الكيميائية في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو ـ إلى الباحثين عن دواء للقضاء على بروتين (راس) قبل ست سنوات. في عام 2013، وصف شوكات مركّبًا يستهدف تحورًا في بروتين (ك – راس) معروف باسم G12C (المرجع 5). ويعمل هذا التحور الموجود في 20 في المئة من حالات الإصابة بسرطان الرئة على إحلال الحمض الأميني السيستين، الذي يتفاعل مع الجزيئات الأخرى محل الجلايسين . يستغل المركّب الذي طوّره شوكات السيستين الناتج عن هذا التفاعل، ويلتصق به التصاقًا ثابتًا، لا انفصام له. ويتطلب المركّب المثبط ـ على حد قول دوانوارد ـ بعض التحسين الإضافي، قبل استخدامه على البشر، لكنه نجح في إثارة قدر هائل من الضجة، باعتباره أول دواء مرشح يلتصق مباشرة ببروتين (راس). وكما قال دوانوارد: «نجح هذا الدواء في بث الزخم والحماس مرة أخرى في القطاع بأكمله».

قال كيفان شوكات إنه طالما اعتقد أن منهج تطوير الأدوية المحدد بالتحور ربما يجدي، لكنه تردد في استخدامه في مختبره حتى وقت قريب. وكان مطورو الأدوية يخشون من الأدوية التي تتشبث بالخلايا المستهدفة، ولا تنفصل عنها، لأنها ـ على حد قوله ـ قد تؤدي إلى تفاعلات غير متوقعة مع البروتينات الأخرى في الجسم، لكن الباحثين وجدوا أن أدوية ناجحة عديدة ـ مثل دواء الورم النخاعي والورم الليمفاوي ـ تلتصق بالخلايا المستهدفة التصاقًا كاملًا ودائمًا.

في الوقت نفسه، أصبحت شركات الأدوية منفتحة بصورة متزايدة على فكرة تطوير الأدوية التي تعمل على مجموعات فرعية محدودة من المرضى المصابين بالسرطان، الذين يمرّون بحالات تحوُّر محددة. ويتوقع تيموثي بيرنز ـ باحث في السرطان في جامعة بيتسبيرج في بينسليفانيا ـ أنه «لن يكون هناك دواء محدد ناجح مع كل مريض من مرضى السرطان المرتبط بالبروتين (ك – راس)».

يرى فيسيك أن الحلول للصفات الغامضة في بروتين (راس)، أيًّا كان سببها، ستخرج في النهاية من المؤسسات الأكاديمية. وقد ترك صناعة الدواء جزئيًّا، لأنه أحب السعي وراء الأهداف المهمة، بغضّ النظر عن سهولة أو صعوبة ارتيادها. وكانت مطاردة بروتين صعب تطويعه للأدوية أمرًا صعب التبرير في قطاع الأدوية، حيث يأتي الاهتمام العلمي غالبًا في المرتبة الثانية، بعد احتمالات تحقيق الأرباح على المدى القريب. يقول: «لا ترغب غالبية شركات الأدوية في المخاطرة بالسعي وراء أهداف عصيّة على الأدوية، وإذا فعلت ذلك، فإنها تفعله بصورة مؤقتة».

بدأت المختبرات وشركات الأدوية تشيِّد جسور التعاون بينها. فقد تعاون مختبر فيسيك مع شركة الأدوية الألمانية «بورنجير إنجلهايم» Boehringer Ingelheim؛ لتقييم الجيل الأول من الدواء الذي يلتصق ببروتين (راس). وشارك كيفان شوكات في تأسيس شركة «ويلسبيرينج بيوساينسز»؛ وذلك لطرح المثبط الذي طوّره في السوق. وسرعان ما حظيت شركته بدعم من شركة «جانسن بيوتك» في هورشام بولاية بينسلفانيا.

حظيت هذه الجهود المتلاحقة باهتمام الحكومة الأمريكية. يقول فرانك ماكورميك ـ الباحث في السرطان في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسييسكو، والمدير المشارك للمشروع ـ إن مبادرة (راس) التي تكلفت عدة ملايين من الدولارات تدعم تطوير الأدوات والأبحاث الأساسية عن تكوين بِنْيَة بروتين (راس) للمساعدة في اكتشاف الدواء. ويعلِّق على ذلك بقوله: «نحاول نزع المخاطر عن بروتين (راس) كهدف؛ كي ينضم الآخرون إلينا ويُدلوا بدلائهم في هذا المضمار».

يشير ماكورميك إلى أن شركات الأدوية ظلت لسنوات طويلة تطور أدوية سهلة المنال، تتمثل في فئة مختلفة من البروتينات، تُسمى «الكينازات». وأثمرت هذه الأدوية سهلة الاستهداف عن عديد من أدوية السرطان المفيدة. ويرى ماكورميك أن هذه الموجة بدأت تخفت الآن، وحان الوقت للتركيز على الثمار عسيرة المنال، التي تمثل تحديات صعبة، مثل بروتينات راس، المعروفة بأنها مهمة وجوهرية للغاية.

يقول ستوكويل إنه يأمل أن يلهم الانتعاشُ الأخير في الأبحاث حول بروتينات (راس) العلماءَ الذين يدرسون الأهداف الأخرى صعبة المنال. وصرح قائلًا: «إذا تحقق أي نجاح في هذا المضمار، فربما يمتد زخم هذا النجاح ليحفز الباحثين على النجاح مع الأهداف الأخرى. وإذا أردنا بالفعل أن نقهر الأمراض، فأمامنا فضاء شاسع من الأهداف الإضافية التي لم يطرقها أحد من قبل».

  1. Der, C. J., Krontiris, T. G. & Cooper, G. M. Proc. Natl Acad. Sci. USA 79, 36373640 (1982).

  2. Appels, N. M. G. M., Beijnen, J. H. & Schellens, J. H. M. Oncologist 10, 565578 (2005).

  3. de la Cruz, F. F., Gapp, B. V. & Nijman, S. M. B. Annu. Rev. Pharmacol. Toxicol. 55, 513531 (2015).

  4. Sun, Q. et al. Angew. Chem. Int. Ed. Engl. 51, 61406143 (2012).

  5. Ostrem, J. M, Peters, U., Sos, M. L., Wells, J. A. & Shokat, K. M. Nature 503, 548551 (2013).