تأبين

زوفيــا كيـلان-جاوروسكـا (2015–1925)

مكتشِفة الثدييات البدائية.

ريتشارد سيفيلي
  • Published online:

جزء كبير ممّا نعرِف عن منشأ الثدييات وتطورها المبكّر يأتي بشكل مباشر ـ أو غير مباشر ـ من أعمال زوفيا كيلان–جاوروسكا البحثية. ويُعَدّ أكبر إنجازاتها على الإطلاق هو تجميع حفريات من عدّة بعثات بولندية منغولية، قادتها في صحراء جوبي (1963–1971)، كما اكتشفت أيضًا أنواعًا من التماسيح، والسحالي، والسلاحف، والديناصورات، والطيور.

Instytut Paleobiologii Polskiej Akademii Nauk

تميزت العيّنات التي جمعتها من صحراء جوبي بالتنوع الشديد، بما تضمّنته من جماجم وهياكل عظمية غير مسبوقة. وقد أمضت كيلان–جاوروسكا نصف قرن في توصيف وشرح تلك العينات عبر التبادل العلمي من بولندا، من خلال الستار الحديدي. وقد أحدثت الحفريات التي اكتشفَتها تغييرًا في قراءة تاريخ الثدييات، كما حفّزت المزيد من الاكتشافات حول العالم.

نشأت كيلان–جاوروسكا، التي توفيت في الثالث عشر من مارس الماضي، في أوروبا الشرقية الممزّقة بفعل الحرب. وقد ولدت جاوروسكا في عام 1925 بمدينة سوكولاو بودلاسكي في شرق وسط بولندا، حيث أمضت غالبية أعوام تكوينها وعملها في مدينة وارسو. والتحقت بالصفوف السرية في جامعة وارسو، إثر حظر التعليم العالي، وتهديد الطلاب بعقوبة الموت على أيدي المحتلين النازيين. كما خدمت أيضًا كطبيبة في المقاومة البولندية منذ أن كانت في الخامسة عشرة من عمرها، وحتى انتفاضة وارسو في عام 1944، والتجريف اللاحق للمدينة من قِبَل القوات النازية المنسحبة.

وفي عام 1945، تطوّعت كيلان–جاوروسكا في متحف علوم الحيوان بوارسو؛ للمساعدة في إعادة بنائه بعد انتهاء الحرب. وفي ذلك الوقت، التقت بأخصائي علم حفريات اللافقاريات الرائد، رومان كوزلوسكي، الذي أشرف على شهادة الماجستير الخاصة بها، التي حصلت عليها في عام 1949، كما أشرف أيضًا على رسالة الدكتوراة الخاصة بها، التي انتهت منها في عام 1952 بجامعة وارسو. وتركزت أعمالها البحثية الأولى ـ التي استمرت حتى الستينات ـ على دراسات مفصليات الأرجل ثلاثية الفصوص، وديدان البحار والحفريات البحرية المفرطة في القِدم (ما بين حوالي 514 مليون سنة إلى 252 مليون سنة مضت). وتتميز ديدان البحر برقّة وتعقيد تركيب الفك لديها، كعلامة مميزة للأجزاء المنفصلة التي تم العثور عليها من قبل، لكن كيلان–جاوروسكا نجحت باستخدام تقنيات متطوّرة في تكوين عيّنات كاملة من تلك الديدان.

عُيّنت كيلان–جاوروسكا في عام 1961 مديرةً لمعهد علم الأحياء القديمة البارز في وارسو، وهو جزءٌ من الأكاديمية البولندية للعلوم، لِمَا كانت تتميز به من مهارات بحثية وقيادية مدهشة. وبالمصادفة، تمّ وقت تعيينها عَقْد اتفاقية تعاون بين الأكاديمية البولندية للعلوم ومنغوليا، تتعلّق ببعثات علم الأحياء القديمة. وبفضل الاكتشافات الأسطورية التي حدثت في العشرينات، كانت كيلان–جاوروسكا على علم بوجود حفريات لديناصورات بصحراء جوبي، وحفريات لفقاريات أخرى. ويرجع هذا إلى اهتمامها القديم بالفقاريات، منذ أن كانت طالبة تقرأ بِنَهَم في مكتبة متحف علوم الحيوان، التي نجت بأعجوبة من دمار الحرب. ويمكن القول إن القَدَر قد ساقها إلى المكان المناسب في الوقت المناسب.

وقد كان يتمّ بصورة دورية شحن أدوات ومعدّات إتمام رحلة ميدانية لعشرين شخصًا لمدّة ثلاثة أشهر إلى أولان باتور، عاصمة منغوليا، قبل كل موسم بعثات. وقد أنجزت مجموعات بولندية منغولية عدّة اكتشافات مميزة لفقاريات أواخر العصر الطباشيري ـ التي تبلغ من العمر ما بين 80 و75 مليون سنة ـ في حوض نيميجت، متضمنةً حفرية «الديناصورات المتقاتلة» ـ وهي حفرية تصوِّر الديناصور المقاتل Velociraptor متخذًا وضعية الموت أمام الديناصور آكِل النباتات Protoceratops ـ بالإضافة إلى الأطراف الأربعة الرائعة لديناصور Deinocheirus (شبيه النعام)، وكذلك عيّنات الثدييات التي قررت كيلان–جاوروسكا دراستها. ولم يكن ليوقِفها شيء عن متابعة عملها، فإثر تعرُّضها لانفجار في طبلة الأذن خلال عاصفة رملية بصحراء جوبي في عام 1971، عادت إلى وارسو؛ لإجراء عملية جراحية، ومن ثم استكملت على الفور أعمالها الميدانية.

مع تدفّق الحفريات من خلال البعثات الاستكشافية، أخذت كيلان–جاوروسكا على عاتقها مسؤولية تخطي حواجز الحرب الباردة، لتأسيس علاقات مع علماء الغرب البارزين، وتحديدًا أولئك الموجودين في بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك.. استبقت الانفتاح السياسي بما يقرب من عقدين كاملين، وأسست شبكة علمية من موقعها بوارسو؛ تربطها بالبرامج البحثية حول العالم.

تُعَدّ اكتشافات كيلان–جاوروسكا علامة فارقة بعلم الحفريات، وهو التخصص المعتمِد بشكل أساسي على دراسة الأسنان والفكّين. كما تُعتبر العينات التي جمعتها وبذلت جهدًا بالغًا في وصفها مرجعًا أساسيًّا في وصف الثدييات الأولى، نتيجة لتركيبها المكتمل. فعلى سبيل المثال.. ظهرت الكائنات متعددة الدّرنات ـ وهي الأشكال البدائية الشبيهة بالقوارض ـ بكثرة وبشكل واضح في مجموعاتها، وبالتعاون مع زملاء فرنسيين وبريطانيين، شرّحت كيلان–جاوروسكا جمجمتين لحيوانين ثديِيَّين من فصائل Nemegtbaatar وChulsanbaatar، كما وضعت وصفًا مفصّلًا للأوعية الدموية بالجمجمة والأعصاب والمخ.

أكّدت عيّنات صحراء جوبي إمكانية أن تتسبب الحفريات المكتشفة حديثًا في قلب مفاهيم ترسخت خلال القرون الماضية رأسًا على عقب؛ فعلى سبيل المثال.. دائمًا ما اعتقدنا أن حيوان Deltatheridium المكتشَف في العشرينات هو أحد أنواع الثدييات المشيمية، وهو النوع السائد حاليًّا. واستمرّ ذلك الاعتقاد حتى أوضحت عيّنات كيلان–جاوروسكا أنها في واقع الأمر مرتبطة عن قرب بالجرابيات. وبذلك.. بدأت كيلان–جاوروسكا عصرًا جديدًا ومميّزًا من الاستكشافات، واستمرّ أخصائيو علم الحفريات في استكشاف المناطق الغنية بالحفريات، كصحراء جوبي وأماكن أخرى، وبذلك تمّ الكشف عن بعض العيّنات المُبْهِرة والكاملة المنسوبة إلى العصرين الجوراسي، والطباشيري ـ التي تضمّنت عيّنات شَعْر ـ في مدينة لياونينج بالصين.

لم تذهب السنوات التي عاشتها زوفيا هباءً، بل استغلتها في البحث العلمي، دون توقف، حتى بعد تقاعدها من منصبها في الأكاديمية البولندية للعلوم. ففي عام 2004، نشرت كتابًا بعنوان «ثدييات من عصر الديناصورات»، وهو من أكثر المراجع المستخدَمة حاليًّا. وقد تعاونتُ معها في تأليف الكتاب، وانضم إلينا زهي- زي لوو، وطبَعته دار نشر جامعة كولومبيا. كما أسهمَت بشكل جوهري في مجلّة «أكتا بالنتولوجيكا بولونيكا» (Acta Palaeontologica Polonica) من خلال عملها كمحرّرة علمية بها، وهو المنصب الذي أتاح لها مساعدة الكثير من علماء الدول النامية في نشر أبحاثهم.

كانت زوفيا مثال القدوة الفذة، التي حفّزت الجميع على بذل قصاري جهدهم. وإلى جانب براعتها الفكرية، ستظلّ روحها القوية التي لا تُقهَر أبرز ما نتذكرها به. ربما كانت طريقتها في بعض الأحيان صارمة وباحثة عن التميز والبراعة، وهو اكتسبته من الراهب البوذي الذي تولى تدريبها على فنون الدفاع عن النفس، ولكنّها دفعتنا جميعًا للسعي دائمًا؛ للوصول إلى عِلْمٍ أفضل، ولهذا.. سوف نفتقدها بكل تأكيد.