أخبار

الإنزيم المُصغَّر يجعل التحرير الجيني أقرب إلى التطبيق الإكلينيكي

اكتشاف يعزِّز من قدرة تقنية «كريسبر» المحتملة في معالجة الأمراض الوراثية عند الإنسان.

هايدي ليدفورد
  • Published online:

عزَّز تغيير طفيف بتقنية لتحرير الحمض النووي من قدرتها على تصحيح الجينات المعيبة في البشر. تستخدم تقنية «كريسبر» CRISPR بالفعل في المختبرات؛ لدمج أو إزالة العيوب الجينومية لدى الأجنة الحيوانية، لكن تكمن معضلة في الآلية التي تعتمد عليها تقنية «كريسبر»، وهي استخدام إنزيم Cas 9 للتحرير الجيني وجزيئات الحمض النووي الريبي التي توجه الإنزيم نحوه هدفه، حيث إن الجسيمات المستخدمة كبيرة الحجم، مما يتعذر نقلها بشكل فعال إلى معظم الخلايا الجسدية.

نشر باحثون في الأسبوع الأول من إبريل الماضي بحثًا يقدم طريقة محتملة لتجاوز عقبة الحجم، وذلك من خلال إنتاج صورة من إنزيم Cas 9، يبلغ حجمه ثلاثة أرباع حجم المستخدم حاليًّا. قد يسمح هذا الاكتشاف، الذي نشرته دورية Nature في الأول من إبريل الماضي، بفتح الباب لمعالجات جديدة لعديد من الأمراض الوراثية (F. A. Ran et al. Nature http://dx.doi.org/10.1038/nature 14299; 2015).

يقول ديفيد ليوي، الباحث بالبيولوجيا الكيميائية في جامعة هارفارد بكمبريدج، ماساتشوستس، الذي لم يشارك في الدراسة السابقة: «هناك آلاف الأمراض البشرية الناجمة عن تبدلات جينية محددة، وهناك إمكانية لمعالجة عدد كبير من هذه الأمراض الوراثية باستخدام التحرير الجيني».

أثارَ التحرير الجيني جدلًا، بسبب وجود تقارير غير مؤكدة تفيد باستخدامه على الأجنة البشرية. كما أظهر بعض العلماء قلقًا حول إمكانية استخدام هذه التقنية قبل التأكد من سلامتها من قِبَل أطباء الخصوبة؛ لتحرير جينات الأجنة البشرية (انظر أيضًا: E. Lanphier et al. Nature 519, 410-411; 2015). يتزايد هذا القلق لدى معرفتنا بأن التغييرات التي تُحْدِثها هذه التقنية متوارثة، وبالتالي ستكون مفروضة على جميع الأجيال المتعاقبة، دون موافقتها على ذلك (انظر: Nature 519, 272; 2015). وفيما يخص التعامل مع الخلايا الجسدية غير المتوارثة بالأطفال والبالغين، يتسابق الباحثون والشركات بالفعل في سبيل إيجاد طرق لتطبيق تقنية «كريسبر» إكلينيكيًّا.

لا تثير تقنية «كريسبر» أي مشكلة أخلاقية لدى تطبيقها على الأطفال والبالغين، بينما تتعقد الأمور بالمقارنة باستخدامها في الأجنة. يتكون الجنين من عدد قليل من الخلايا، التي تكون فيما بعد الجسم البشري بأكمله، وإجراء تحرير للجينوم في هذه المرحلة، تحقن مكونات تقنية «كريسبر» في هذا العدد القليل من الخلايا. وعلى النقيض من ذلك.. يتكون جسم الإنسان البالغ من تريليونات من الخلايا التي تتجمع لتكوين الأنسجة المختلفة، وهو ما يتسبب في معاناة الباحثين من أجل استهداف خلايا معينة، بها جينات معيبة تعطل وظائفها الفسيولوجية.

يقول نيسان برمنجهام، الرئيس التنفيذي لشركة «إنتيلا ثيرابيوتيك» Intellia Therapeutics بكمبريدج، ماساتشوستس: «قد تمتلك أفضل نُظُم التحرير الجيني في العالم، لكن إنْ لم تستطع تطبيقها على الخلية المستهدفة؛ تصبح عديمة الفائدة». وتهدف الشركة إلى الوصول بالتحرير الجيني إلى مرحلة التطبيق الإكلينيكي. ويضيف قائلًا: «نحن ننفق الكثير من الوقت من أجل بلوغ هذا الهدف».


تَنَاسُب محكم

يستخدم الباحثون في مجال العلاج الجيني فيروسًا يُسمى AAV لنقل الجينات المعالِجة إلى الخلايا البشرية الناضجة. وتكمن المشكلة في أن غالبية المختبرات تستخدم جينًا كبيرًا مرمّزًا للبروتين Cas 9، لا يتناسب مع حجم جينوم الفيروسAAV، إضافةً إلى التتابعات الضرورية اللازمة لتفعيل دوره.

لذا.. قرر فينج زانج وزملاؤه في معهد برود (المشترك بين معهد ماساتشوستس للعلوم والتقنية وهارفارد بكمبريدج) بولاية ماساتشوستس، استخدام جينومات البكتيريا؛ للتغلب على هذه المشكلة. ويعود السبب في هذا الاختيار إلى أن نظام «كريسبر» مقتبَس من عملية قصّ متتابعات الحمض النووي من الجينوم، التي تقوم بها البكتيريا. وقد حلّل فريق زانج الجينات المُرمِزة لأكثر من 600 إنزيم من نوع Cas 9 من مئات الأنواع البكتيرية، للبحث عن نسخة مُصغرة يمكن تحميلها ضمن الفيروس، ونقلها إلى الخلايا الناضجة.

«إنها إضافة رائعة لمجموعة الأدوات المتاحة للباحثين في مجال تحرير الجينوم حاليًّا».

وجد الباحثون أن جين ترميز إنزيم Cas 9 ببكتيريا Staphylococcus aureus ـ وهي البكتيريا المتسببة في الإصابات الجلدية والتسمم الغذائي ـ يتميز بكون حمضه النووي أصغر من المستخدم عادة. أعقب ذلك قيامهم بتحميل هذا الجين مع الحمض النووي الريبي ضمن فيروس AAV؛ من أجل تحوير الجين المنظم لنسبة الكوليسترول في الكبد. وبعد أسبوع من حقن الفئران بالفيروس المحور، وجد الفريق البحثي أن أكثر من %40 من الخلايا الكبدية أصبحت تحتوي على نسخ منه.

يقول ليو في وَصْف تلك التقنية: «إنها إضافة رائعة لمجموعة الأدوات المتاحة للباحثين في مجال تحرير الجينوم حاليًّا»، وإن لم يستخدمها في أبحاثه، حيث عمل على تطوير طرق مختلفة لنقل البروتين Cas 9 الأكبر حجمًا والحمض النووي الريبي المرافق له إلى الخلايا، دون استخدام الفيروسات. كما يتوقع برمنجهام أن تقوم المختبرات بتطوير آليات نقل متعددة تتناسب مع أنواع الأنسجة المختلفة.

وحاليًّا، يتلهف شارل جيرسباك ـ المهندس الطبي البيولوجي من جامعة دوك في دورهام، شمال كارولينا ـ على استخدام إنزيم Cas9 المُصغّر في الفئران؛ لمحاولة تصحيح الطفرات المسبِّبة لداء الضمور العضلي من نمط دوشين، وهو مرض مهلِك يصيب صبيًّا من كل 3,500 صبي في أنحاء العالم. ويصفها جيرسباك بأنها قد تكون الطريقة المثلى لنقل تقنية «كريسبر» إلى مرحلة التطبيق الإكلينيكي، لكنه لا يزال من المبكر جدًّا الجزم بذلك. ويضيف قائلًا: «إنه مجال يتطور بسرعة كبيرة، وهناك طرق كثيرة لم تتم تجربتها حتى الآن».