افتتاحيات

إعــادة التفكيــر في الدمـاغ البشــري

يؤكِّد تقرير مستقل عن مشروع الدماغ البشري أن منتقدي هذا المشروع لديهم أسباب وجيهة؛ حيث تحتاج إدارته وتوجُّهه العلمي إلى بعض التعديلات.

  • Published online:

على غِرار الدماغ البشري، يَستعصِي "مشروع الدماغ البشري" HBP- التابع للمفوضية الأوروبية، وتبلغ تكلفته مليار يورو ـ على التفسيرات البسيطة.. فمنذ انطلاقه قبل 18 شهرًا، بدا هذا المشروع العملاق لأغلب المراقبين معقدًا ومربكًا؛ مما حدا بالكثيرين - سواء من العلماء، أو غيرهم - إلى تقبُّل التوصيف الصادر عن قياداته وآلته الإعلامية، حيث أكَّدوا أن الهدف الأساسي من هذا المشروع هو محاكاة الدماغ البشري بالكامل، من خلال كمبيوتر فائق؛ وبالتالي إيجاد العلاج المناسب للاضطرابات النفسية والعصبية.

وعلى غِرار تفسيرات بسيطة عديدة للدماغ البشري، أثار هذا الوصف ردود أفعال واسعة في أوساط علماء الأعصاب، بلغت ذروتها في الصيف الماضي في شكل انتفاضة واسعة النطاق، عندما قام مئات الباحثين بالتوقيع على خطاب انتقادي مفتوح للمفوضية (www.neurofuture.eu)، أكَّدوا فيه أن الإدارة الاستبدادية للمشروع تدفع به خارج المسار العلمي المخصَّص له، فضلًا عن مبالغتها في المدى الإكلينيكي الذي يمكن أن يصل إليه.

في الأسبوع الثالث من شهر مارس الماضي، أصدرَتْ لجنةٌ تأسسَتْ لبحث هذه الشكاوى، والتوسُّط لحل النزاع تقريرها، الذي اتسم - هذه المرة - بوضوح النقاط الرئيسة الواردة فيه، حتى لغير المتخصصين. وأثبت التقرير صحة موقف علماء الأعصاب الثائرين، وأن المشروع في طريقه إلى الفشل، ويحتاج إلى العديد من الإصلاحات.

أيَّدَت الانتقادات - التي تضمَّنها التقرير - مخاوف العلماء. وأضاف التقرير أن المشروع يعاني من الفشل، ليس فقط على مستوى الإدارة، وإنما على مستوى التخطيط العلمي أيضًا، لا سيما فيما يتعلق بالهدف الأساسي الخاص بمحاكاة الدماغ البشري بالكامل، الذي طالما اعتبره منتقدو هذا المشروع هدفًا غير واقعي.

تَجَسَّدَ جوهر المشكلات التي تعاني منها الإدارة في إحدى العِبارات الواردة بالتقرير - الخاصة بالقائد الفعلي للمشروع، هنري ماركرام، الأستاذ بالمعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في لوزان، سويسرا - حيث أشارت هذه العِبارة إلى أن: "العالِم المسؤول عن التنسيق... ليس فقط مجرد عضو في الجهات المنوط بها اتخاذ القرارات، وسائر الجهات الإدارية والتنفيذية، لكنه يتولى أيضًا رئاسة هذه الجهات، فضلًا عن الإشراف على الإجراءات والعمليات الإدارية التي تدعمها. وبالإضافة إلى ذلك.. فهو عضو في كافة المجالس الاستشارية، ومسؤول - في الوقت ذاته - عن رفع تقارير إليها. كما أنه مسؤول أيضًا عن تعيين أعضاء فريق الإدارة، ورئاسة الإدارة التشغيلية للمشروع".

إن مواجهة هذه المشكلات، رغم فداحتها؛ لإيجاد حلول جذرية لها صارت ضرورة، لا مفر منها؛ فمقوِّمات الإدارة الجيدة لا تَخفَى على أحد، كما أن مجلس إدارة المشروع قد بادر - قبل صدور التقرير - بإجراء بعض التعديلات الضرورية، التي كان من بينها - على سبيل المثال - حل المجلس التنفيذي الثلاثي - الذي تركّزت في يديه السلطة - في شهر فبراير الماضي.

إن هذا التغيير - كما أوضحت اللجنة المستقلة - لا يفي بالغرض. ويبقى التغيير في التوجه العلمي أمرًا جوهريًّا، لا مناص منه. وفي النهاية، لا يجب أن ننسى أن قرار المجلس التنفيذي (المنحل حاليًّا) باستبعاد عِلْم الأحياء الإدراكي، وعلم أحياء الأنظمة من المرحلة القادمة من المشروع هو ما أدَّى إلى اندلاع تلك الثورة في الصيف الماضي.

«يتعرض مشروع الدماغ البشري للفشل الذريع، ولابد من إنقاذه».

يذكر التقرير أن طموح محاكاة الدماغ البشري بالكامل لا يزال سابقًا لأوانه، وأنّ على "مشروع الدماغ البشري" أنْ يصب جُلّ اهتمامه من جديد على تفعيل أساليب وأدوات تكنولوجية - لا سيما مِنَصّات البرمجيات، ومِنَصّات الأجهزة المبتكرة - لصالح المعلوماتية العصبية. ويمضي التقرير إلى أبعد من ذلك.. فيؤكد على ضرورة التعاون بين التخصصات المختلفة، التي تضم علماء في علم الأعصاب الإدراكي، وعلم أعصاب الأنظمة؛ لتطوير هذه المِنَصّات، والتحقق من صحتها. كما يجب أن تكون هذه المِنَصّات عونًا على معالجة المشكلات الملموسة، مثل مشكلات الملاحة الفضائية، وصناعة القرار الموجَّه نحو الهدف.

ويشير التقرير أيضًا إلى الخطأ الذي وقع فيه القائمون على المشروع باستبعاد البحث العلمي في مجال الرئيسيات غير البشرية، الذي كان يمثل "الممر الآمِن" بين دماغ الفأر الصغير - الذي تركزت فيه أغلب بيانات علم الأعصاب - والدماغ البشرية.

ويبقى السؤال: ماذا يمكن أن نفعل الآن؟ إن نجاح جهود الوساطة يتطلب، ليس فقط تقبُّل إدارة "مشروع الدماغ البشري" لما ورَد بالتقرير، وإنما "تنفيذ توصياته بكل دقة وإتقان". ورغم ذلك.. فإن أغلب أعضاء مجلس إدارة المشروع - حسبما يؤكد التقرير - يعتقدون أن توصيات لجنة الوساطة سوف تحوِّل "مشروعهم الأسطوري إلى مشروع عادي، وأن محاكاة الدماغ البشري حاسوبيًّا تمثل نقطة التميز والتفرد في هذا المشروع".

لقد تعهَّد العلماء الذين وقَّعوا على الخطاب المفتوح بعدم التعاون مع المشروع، ما لم تتم معالجة مخاوفهم؛ ولذا.. فإنّ استمرار المشروع أصبح رهنًا بنجاح مجلس إدارته - مهما كانت شكوك أعضاء المجلس - في استعادة الثقة، وذلك بالتعهد بتنفيذ التوصيات الواردة في تقرير الوساطة الخاصة بالعلوم.

وإذا نجح مجلس الإدارة في ذلك؛ فسوف تكون لدى الجميع الفرصة لفهم حقيقة المشروع، دون توتر، باعتباره مشروعًا يهدف إلى تفعيل تكنولوجيا جديدة؛ لمساعدة علماء الأعصاب على فهم الدماغ البشري، والأمراض التي تصيبه.

وهذا الهدف.. وإنْ بدا بسيطًا، إلا أنه عظيم، ويمثل مكمِّلًا مثاليًّا لمبادرة الدماغ الأمريكية، التي تدعم تطوير أنواع أخرى من التكنولوجيا العصبية. إن وضْع هذه الأدوات في نصابها الصحيح يعني ـ ببساطة ـ أن واحدًا من أكبر التحديات التي تواجهها العلوم سوف يتعرض لهجوم منهجي ومنظَّم.