تحقيق إخباري

مـرض قِصَـر النظـر يـجتـاح الـصيـن

يصل قِصَر البصر إلى نِسَب وبائية، ويعتقد بعض العلماء أنهم وجدوا السبب.

إيلي دولجين
  • Published online:

<p>أصبحت النظارات هي القاعدة، لا الاستثناء في الجامعات الصينية.</p>

أصبحت النظارات هي القاعدة، لا الاستثناء في الجامعات الصينية.

ImagineChina/Corbis


لطالما احتضنت مدينة جوانزو الجنوبية أكبر مستشفى عيون في الصين، ولكن بدا واضحًا، منذ خمس سنوات تقريبًا، أن مركز تشونجشان للعيون بات بحاجة إلى التوسيع.

يتقاطر المزيد والمزيد من الأطفال الذين يشكون من تَغَيُّم الرُّؤْيَة، الناجم عن الحسَر. ومع هذا العدد الكبير من العيون التي تحتاج إلى الفحوص والنظارات، كان المستشفى يعجّ بالزوار. وهكذا بدأ المركز بإضافة غرف فحص جديدة، كما نقل بعض أطبائه وباحثيه إلى مركز تسوّق محليّ؛ بهدف خلق مساحة أكبر في المركز. والآن، في فترات العطلة المدرسية الصيفية والشتوية، وعند تشخيص معظم الحالات، يتدفق «آلاف وآلاف الأطفال» كل يوم، حسبما يقول طبيب العيون ناثان كونجدون، الذي كان واحدًا من الأطباء المُهجّرين، حيث «لا يمكنك بحقّ أن تسير في القاعات، بسبب كل هؤلاء الأطفال».

تشهد بلدان شرق آسيا ارتفاعا غير مسبوق في مستويات الإصابة بالحسِرَ، المعروف أيضًا باسم قَصر النظر. فمنذ ستين عامًا، كان 10-20 % من سكان الصين يعانوا من قِصَر النظر. أما اليوم، فتصل نسبة المراهقين وصغار البالغين المصابين إلى %90. وفي سيول، تضخمت نسبة المصابين بقِصَر النظر على مستوى الفئة العمرية البالغة التاسعة عشر عامًا، حيث وصلت إلى %96.5

شهدت أجزاء أخرى من العالم أيضًا زيادة كبيرة في عدد الحالات، التي تصيب الآن ما يقرب من نصف الشباب في الولايات المتحدة وأوروبا ـ وهو ضِعْف معدل الانتشار منذ نصف قرن. وحسب بعض التقديرات، من الممكن أن يصاب ثلث سكان العالم ـ أي 2.5 مليار نسمة - بقِصَر النظر مع حلول نهاية هذا العقد. ويقول بادماجا سانكاريدرج، رئيس برنامج علاج الحسِرَ في معهد بصريات برلين هولدن في سيدني الأسترالية، «إننا ماضون في الطريق المؤدية إلى وباء قِصَر النظر».

أصبحت هذه الحالة تشكل أكثر من مجرد إزعاج.. فالنظارات، والعدسات اللاصقة، والجراحة تنجح في تصحيح وضع النظر، لكنها لا تعالج الخلل، حيث تحدث استطالة طفيفة في مقلة العين، وهو ما يعني أن العدسة تركز الضوء المنبعث من الأجسام البعيدة أمام الشبكية قليلًا، وليس عليها تمامًا. وفي الحالات المتدهورة، يتسع التشوه مسبِّبًا ترقق أجزاء العين الداخلية، مما يزيد من إمكانية حدوث انفصال الشبكية، والسّادّ (إعتام عدسة العين) cataract، والزَّرَق glaucoma، وحتى العمى. ونظرًا إلى أن العين تنمو طوال مرحلة الطفولة، فإن الحسَر يتطور عادة لدى الأطفال في سن المدرسة والمراهقة. وحاليًّا، يعاني حوالي خُمْس الأفراد الذين في سن الجامعة من دول شرق آسيا من حالات حسَر متأخرة، ومن المتوقع أن تتطور إصابة نصفهم إلى فقدان البصر نهائيًّا.

هذا التهديد أدَّى إلى زيادة البحوث في محاولة لفهم أسباب هذا الاضطراب، كما بدأ العلماء في التوصل إلى إجابات. فهُم يتحدّون الأفكار القديمة التي تشير إلى أن الحسَر يصيب ذاك الطفل المولع بالمطالعة، ويسعون إلى تكوين فكرة جديدة، كالخطورة النابعة من قضاء أوقات طويلة جدًّا داخل حيز مكاني محدد. ومن ثم، تقول كاثرين روز، رئيسة قسم تقويم البصر في جامعة تكنولوجي في سيدني: «إننا نحاول فعلًا الآن توجيه هذه الرسالة، بأنّ الأطفال بحاجة إلى قضاء مزيد من الوقت خارج البيت».


مسألة نظر

لسنوات عديدة، كان هناك إجماع علمي على أن الحسَر ينجم ـ إلى حد بعيد ـ عن الجينات. وقد أظهرت الدراسات التي جرت في ستينات القرن العشرين أن الحالة كانت أكثر شيوعًا بين التوائم المتطابقة وراثيًّا، مقارنة بغير المتطابقة، مما يوحي بأن الاستعداد للإصابة يتأثر بشدّة بالحمض النووي1. وقد تمكنت جهود أبحاث الجينات الآن من ربط أكثر من مئة منطقة من مناطق الجينوم بقِصَر النظر.

كان من الواضح، مع ذلك، أن القصة لا يمكن أن تقتصر على الجينات فقط. وقد بزغت إشارة من أوضح الإشارات، عن طريق دراسة أجريت في عام 1969 على سكان الإنويت (الاسكيمو) التي تستوطن الطرف الشمالي من ألاسكا، والتي شهدت تغييرات في نمط الحياة2. ومن البالغين الذين نشأوا في مجتمعات معزولة، تعرَّض اثنان فقط من أصل 131 للحسَر، لكن أكثر من نصف أبنائهم وأحفادهم كانوا مصابين بالحالة. والتغيرات الجينية تحدث ببطء شديد، بصورة لا تفسر هذا التغيّر السريع، أو لا تفسِّر الارتفاع الشديد في معدلات الحسر التي بدأ توثيقها منذ ذلك الحين في جميع أنحاء العالم (انظر: «تطور الحسَر»). ومن ثم، «لا بد من وجود تأثير بيئي، قد تَسَبَّب في هذا الاختلاف بين الأجيال»، حسبما أفادت سيانج مي ساو، التي تدرس علم الأوبئة والجينات الوراثية المتعلقين بالحسر في جامعة سنغافورة الوطنية.

كان هناك متهم واحد واضح، ألا وهو: الكُتُب، إذ نشأت هذه الفكرة منذ أكثر من أربعمائة سنة، عندما عمد عالِم الفلك وخبير البصريات الألماني، يوهانز كيبلر، إلى إلقاء اللوم على قِصَر نظره على كل ما درسه. وتجذّرت الفكرة؛ ومع حلول القرن التاسع عشر، أصبح بعض رواد طب العيون يوصون بأنْ يستعمل التلاميذ مساند الرأس؛ لمَنْعهم من إمعان نظرهم بشدة في كُتُبهم.

عَكَسَ الارتفاع الحديث في حدوث الحسَر ميل الأطفال في عديد من البلدان إلى قضاء المزيد من الوقت في القراءة والدراسة، أو الالتصاق بشاشات الكمبيوتر والهاتف الذكي في الآونة الأخيرة. وبشكل خاص، بات هذا هو الحال في دول شرق آسيا، حيث تؤدي القيمة العالية المعطاة للأداء التعليمي إلى دفع الأطفال لقضاء فترة أطول في المدرسة ومذاكرتهم. وقد أظهر تقرير صدر في العام الماضي3 عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الأشخاص البالغ متوسط عمر الفرد فيهم 15 عامًا في شنجهاي يمضون الآن 14 ساعة أسبوعيًّا في أداء الواجبات المنزلية، مقارنة بخمس ساعات يمضيها أمثالهم في المملكة المتحدة، وست ساعات في الولايات المتحدة.

وقد وثّق الباحثون ـ باستمرار ـ ارتباطًا قويًّا بين مقاييس التعليم، وانتشار الحسَر. ففي التسعينات ـ على سبيل المثال ـ وجدوا أن الصِّبْيَة المراهقين في إسرائيل الذين يدرسون في يشيفا (حيث يمضون أيامهم في دراسة النصوص الدينية) كانت معدلات الحسَر لديهم أعلى بكثير منها لدى الطلاب الذين أمضوا وقتًا أقل مع كُتُبهم4. وعلى المستوى البيولوجي، بدا من المعقول أن العمل اللصيق المستمر قد يغيّر نمو مقلة العين في محاولتها للتلاؤم مع الضوء الوارد، وتركيز الصور القريبة على الشبكية مباشرة.

وعلى الرغم من جاذبية الفكرة، إلا أنها لم تصمد. ففي وقت مبكر من العقد الأول من القرن الحالي، عندما بدأ الباحثون في دراسة سلوكيات معيّنة، مثل عدد الكتب المقروءة في أسبوع، أو عدد ساعات القراءة، أو استخدام الكمبيوتر، لم يبدُ أن أيًّا منها مساهم رئيس في إمكانية الإصابة بالحسَر5، ولكنْ هناك عامل آخر ثبت دوره. ففي عام 2007، أبلغ دونالد موتي وزملاؤه في كلية البصريات في جامعة ولاية أوهايو في كولومبوس عن نتائج الدراسة التي تتبَّعت أكثر من خمسمائة طفل، تتراوح أعمارهم بين ثماني وتسع سنوات في ولاية كاليفورنيا، هؤلاء الأطفال في بداية حياتهم كانت لديهم رؤية سليمة6. ودرَس الفريق الطريقة التي أمضى بها الأطفال أيامهم، و«كفكرة لاحقة في ذلك الوقت، سألنا عن الرياضة والأمور الأخرى التي يمارسونها خارج المنزل»، حسب قول موتي.

كان من الجيد أنهم مارسوا أشياء كهذه. وبعد خمس سنوات، أصيب واحد من كل خمسة أطفال بالحسَر، وكان العامل البيئي الوحيد الذي ارتبط بقوة مع إمكانية الإصابة هو الوقت المقضِيّ خارج البيت6. تعلِّق موتي بأننا «كنا نظن أن النتيجة كانت غريبة... لكنْ بدأت الأمور تتضح كلما واصَلْنا إجراء التحليلات». بعد ذلك بعام، توصَّلت روز وزملاؤها إلى الاستنتاج نفسه تقريبًا في أستراليا7. وبعد دراسة أكثر من أربعة آلاف طفل في مدارس سيدني الابتدائية والثانوية لمدة ثلاث سنوات؛ وجدوا أن الأطفال الذين أمضوا وقتًا أقل خارج البيت كانوا أكثر عرضة للإصابة بالحسَر.

Source: Ian Morgan, Australian Natl Univ.


حاول فريق روز استبعاد أي تفسيرات أخرى لهذه العلاقة ـ وليكن مثلًا أن الأطفال في الهواء الطلق كانوا أكثر انهماكًا بمزيد من النشاط البدني، وكان هذا تأثيره مفيدًا. أما الوقت المقضِيّ في الرياضة المنزلية، فلا يرتبط بعلاقة وقائية كهذه، على عكس الوقت المقضي في الهواء الطلق ـ سواء أمضاه الأطفال يمارسون الرياضة، أم في التنزه، أو بمجرد القراءة على الشاطئ. فالأطفال الذين قضوا وقتًا أطول خارج البيت لم يقضوا بالضرورة وقتًا أقل مع الكتب، وشاشات الكمبيوتر والعمل الدقيق. «فكان لدينا هذه المجموعة من الأطفال الذين كانوا يقومون بكلا النشاطين على مستويات عالية جدًّا، ولم يصابوا بالحسَر»، كما تقول روز. وقد يكون للعمل الدقيق بعض التأثير، ولكن ما بدا أنه الأكثر أهمية كان تعرُّض العين للضوء الساطع.


انظر إلى الضوء

يعتقد بعض الباحثين أن البيانات التي تدعم العلاقة الموضحة أعلاه بحاجة إلى أن تكون أكثر قوة. فقد قدّرت غالبية الدراسات الوبائية الوقتَ الذي يمضيه الأطفال في الهواء الطلق، استنادًا إلى الاستبيانات، إلا أن كريستسن وايلدسوت، الباحثة في طب العيون في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، تقول إن التعامل مع هذه البيانات يجب أن يتم بحذر. وفي دراسة تجريبية صغيرة على أدوات استشعار الضوء التي يمكن ارتداؤها8، وجدت أن تقديرات الناس كثيرًا ما لا تتطابق مع تعرُّضهم الفعلي للضوء. ويتساءل إيان فلتكروفت، المتخصص في إصابات الحسَر في مستشفى الأطفال الجامعي في دبلن، عمّا إذا كان الضوء هو العامل الرئيس الواقي أثناء الوجود في الهواء الطلق، أم لا، ويقول إن مشاهدة الأجسام الأبعد في الخارج قد تؤثر على تطور الحسَر أيضًا، ومن ثم يرى أن «الضوء ليس العامل الوحيد، واعتباره هكذا في التفسير يشكل تبسيطًا صارخًا لعملية معقدة».

مع ذلك.. تدعم التجارب على الحيوانات فكرة أن الضوء هو العامل الواقي. فقد أظهره الباحثون للمرة الأولى في الدجاج، باستخدام النموذج المختبري الشائع لدراسة الرؤية. فبوضع نظارات تغيِّر درجة وضوح الصور الواردة على عيون الدجاج وتباينها، يمكن زيادة احتمال تطور الحسَر في أثناء فترة نمو الطيور تحت ظروف خاضعة للرقابة، يتم فيها تغيير كثافة الضوء فقط. وفي عام 2009، أظهر كل من ريجان آشبي، وآرني أولندورف، وفرانك شافل من معهد أبحاث العيون في جامعة توبنجن الألمانية، أن مستويات الإنارة العالية ـ المماثلة لتلك الموجودة في الأماكن المفتوحة ـ سببت تباطؤ تطور الحسَر في تجربة الدجاج بنحو %60، مقارنةً بظروف الإضاءة العادية في الأماكن المغلقة9. وقد وجد الباحثون في أماكن أخرى نتائج واقية مماثلة في ذبابة الشجر، وقرود ريسوس10.

ما كان العلماء بحاجة إليه حقًّا هو الآلية: (شيء ما يفسر كيف يستطيع الضوء الساطع أن يقي من الحسَر). وتقول فرضية رائدة إن الضوء يحفز إطلاق الدوبامين في الشبكية، وهذا الناقل العصبي بدوره يمنع استطالة العين في أثناء فترة النموّ. ومرة أخرى، نتوصل إلى أفضل دليل على فرضية «الضوء وإفراز الدوبامين» من تجربة الدجاج. ففي عام 2010، أوضح آشبي، وشافل أن حقن عقار مثبط للدوبامين، يُدعى سبيبيرون، في عيون الفراخ يمكنه إلغاء التأثير الواقي للضوء الساطع11.

يتم إنتاج الدوبامين في شبكية العين عادة وفق دورة يومية، تنشط خلال النهار، وتطلب من العين التحول من الرؤية الليلية، إلى الرؤية المخروطية، وهي الرؤية النهارية. ويظن الباحثون الآن أن هذه الدورة في ظلّ الإضاءة الخافتة (الإضاءة النمطية في الأماكن المغلقة) تتعطل، وتكون لها عواقب على نمو العين. «إذا لم يتعرض نظامنا لكمية يومية كافية من ضوء النهار؛ فستخرج الأمور عن السيطرة ... ويصبح النظام صاخبًا بعض الشيء، وهذا يعني أنه سينمو حسب أسلوبه العشوائي الخاص».


وقت في الهواء الطلق

بناء على دراسات علم الأوبئة، يقدّر إيان مورجان، الباحث في إصابات الحسَر في الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبيرا، أن الأطفال في حاجة إلى قضاء حوالي ثلاث ساعات يوميًّا تحت مستويات إضاءة قدرها 10,000 لُوكْس (وحدة الإضاءة في النظام الدولي) على الأقل؛ لوقايتهم من الحسر. هذه الإضاءة تعادل الإضاءة التي يختبرها شخص يجلس تحت شجرة ظليلة، مرتديًا نظارات شمسية، في يوم صيفي مشرق. (يمكن لليوم الغائم أن يوفر أقل من 10,000 لُوكْس، والإضاءة الجيدة في المكتب أو الصف الدراسي لا تزيد عادة عن 500 لُوكْس). لذا.. فإن قضاء ثلاث ساعات أو أكثر يوميًّا في الهواء الطلق هو بالفعل القاعدة بالنسبة لأطفال في بلد مورجان الأم، أستراليا، حيث يعاني %30 فقط من الشبان في عُمْر 17 عامًا تقريبًا من الحسَر. وفي أجزاء كثيرة من العالم ـ منها الولايات المتحدة، وأوروبا، وشرق آسيا ـ كثيرًا ما يمضي الأطفال ساعة أو اثنتين فقط في الهواء الطلق.

«كفكرة لاحقة في ذلك الوقت، سألنا عن الرياضة والأمور الأخرى التي يمارسونها خارج المنزل».

في عام 2009، أعدّ مورجان لاختبار ما إذا كانت زيادة الوقت في الهواء الطلق من شأنها أن تساعد على حماية بصر الأطفال الصينيين، أم لا. وقام فريق من مركز تشونجشان للعيون (حيث يعمل مورجان أيضًا) بإطلاق تجربة مدتها ثلاث سنوات، أضافوا خلالها حصة دراسية في الهواء الطلق، مدتها 40 دقيقة، إلى نهاية اليوم الدراسي لمجموعة من الطلاب في عمر السادسة والسابعة من ست مدارس، اُختيرت عشوائيًّا في جوانزو؛ بينما لم يطرأ أي تغيير على برامج الأطفال في ست مدارس أخرى، وكانوا بمثابة المدارس المقيدة بالضوابط. ومن بين التسعمائة طفل الذين حضروا الحصة الدراسية الخارجية، أصيب %30 بالحسر عندما شارفوا على التاسعة أو العاشرة من عمرهم، مقارنةً بنسبة %40 ممن كانوا في المدارس المقيدة بالضوابط. ويجرى إعداد هذه الدراسة للنشر.

وفي مدرسة في جنوب تايوان، وجدنا سببًا أكثر قوة، حيث طُلب من المدرسين إرسال الأطفال إلى الهواء الطلق طيلة الثمانين دقيقة المخصصة للراحة، بدلًا من منحهم خيار البقاء في الداخل. وبعد سنة واحدة، شخّص الأطباء إصابة %8 فقط من الأطفال بالحسر، بينما بلغت النسبة %18 في مدرسة قريبة12. يجد مورجان دعمًا في النتائج الأولية، لكنه يعتقد أنه يستطيع التوصل إلى ما هو أفضل. ويقول: «لدينا دليل على المبدأ القائل إن زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال في الهواء الطلق مفيدة فعلًا. والسؤال الآن، كيف يمكننا تطبيق هذا الأمر عمليًّا بمستوى يحقق تأثيرًا واضحًا؟» ويدرك مورجان أن مدارس عديدة لا تمتلك المرونة لتخصِّص وقتًا في الهواء الطلق. لذا.. بدأ في العام الماضي ـ بالتعاون مع كونجدون ـ بتجريب فكرة التدريس للأطفال في فصول دراسية زجاجية؛ للسماح بدخول المزيد من الضوء الطبيعي. و«تتميز فكرة الفصول الدراسية الزجاجية بالقابلية للتطبيق إلى حدّ بعيد في مساحات واسعة من الصين»، وفقا لقول كونجدون.

وتشير روز إلى أن قضاء مزيد من الوقت في الهواء الطلق «لابد أن يُطلب عن طريق المدارس، لأن دفع الآباء والأمهات للقيام بهذا طواعية أمر شديد الصعوبة». وقد لمست ساو وزملاؤها هذا عندما جرّبوا تطبيق برنامج مدته 9 أشهر لتوعية الآباء في سنغافورة حول أهمية قضاء وقت في الهواء الطلق؛ للوقاية من الحسَر. واتخذوا خطوات مدروسة، ونظموا أنشطة للعائلات لتمضية العطلة الأسبوعية في الهواء الطلق، وعرضوا حتى جوائز نقدية نظير التعاون. ومع نهاية التجربة، لم يختلف الوقت الذي أمضاه هؤلاء في الهواء الطلق إحصائيًّا عن ذلك الذي أمضته المجموعة المقيدة بالضوابط، دون أن يجربوا حملة من هذا القبيل13.

في بعض الأماكن، لا يتمكن الأطفال من الحصول على أي كمية إضافية من الضوء في الهواء الطلق، حيث إن عددًا قليلًا جدًّا من الساعات مخصص لهم في ضوء النهار، أو إن الشمس قاسية جدًّا، أو إن البرد شديد جدًّا. وتشير الأبحاث المجراة على الحيوان10 إلى أن الأضواء الداخلية القوية يمكن أن تقدّم الحل البديل. فالعلب الضوئية التي تباع حاليًّا لعلاج الاضطرابات العاطفية الموسمية مثلًا، يمكن أن تعطي إنارة تصل شدتها إلى 10,000 لُوكْس، ولكن لم يتم اختبار تأثيرها على الحسَر على نطاق واسع في البشر.

في الوقت نفسه، استمر الباحثون يعملون على إيجاد طرق لمنع تدهور الإصابة بالحسَر. وقد طوَّرت سانكاريدرج وزملاؤها نظارات وعدسات لاصقة خاصة؛ يمكنها تغيير نمو العين عن طريق تركيز الضوء الوارد من الصور البعيدة عبر حقل الرؤية بأكمله، بدلًا من تركيزه في المركز فقط، كما تفعل العدسات القياسية. وقد أظهرت مجموعات بحثية أخرى أن استخدام قطرات العين التي تحتوي على الأتروبين، العقار المُحْصِر للناقل العصبي، كل ليلة قد يساعد أيضًا على التحكم في تطور الإصابة بالحسَر14، رغم أن الآلية لا تزال غير واضحة. وتقول سانكاريدرج: «نريد أن نتبع نهجًا شاملًا» في معالجة الحسَر.

ومع ذلك.. لا تتمتع قطرات العين وصناديق الضوء بدرجة القبول التي تنطوي على إرسال الأطفال للعب في الهواء الطلق، والتمتع بالكثير من المزايا الأخرى إلى جانب فائدتها للعيون. تقول روز «إن هذه الفكرة ـ على الأرجح ـ تزيد أيضًا من النشاط البدني، مما يقلل احتمالات البدانة، ويحسِّن المزاج... ولا أستطيع أن أرى عائدًا منها سوى النجاح، كما أنها مجانية».

منذ أكثر من قرن، قدّم هنري إدوارد جولر، جراح العيون البريطاني الشهير، نصيحة مماثلة. وفي عام 1904، ألَّف دليلًا في علم طب العيون وممارسته A Handbook of Ophthalmic Science and Practice، وكتب أنه عندما «يصبح الحسَر أمرًا ثابتًا؛ فيجب أن نَصِفَ للمريض ضرورة تغيير الجوّ.. كالذهاب في رحلة بحرية إن أمكن». كما يشير وايلسوت: «استغرقنا مئة سنة، كي نعود لنرى ما كان يعتقده الناس من أمر الحسَر».

  1. Sorsby, A. & Leary, G. A. Refraction and its components in twins. Special Report Series no. 303 (Medical Research Council, 1962).

  2. Young, F. A. et al. Am. J. Optom. Arch. Am. Acad. Optom. 46, 676685 (1969).

  3. Salinas, D. Does Homework Perpetuate Inequities in Education? (OECD, 2014). Available at http://doi.org/2sd

  4. Zylbermann, R., Landau, D. & Berson, D. J. Pediatr. Ophthalmol. Strabismus 30, 319322 (1993).

  5. Saw, S. M., Carkeet, A., Chia, K. S., Stone, R. A. & Tan, D. T. Ophthalmology 109, 20652071 (2002).

  6. Jones, L. A. et al. Invest. Ophthalmol. Vis. Sci. 48, 35243532 (2007).

  7. Rose, K. A. et al. Ophthalmology 115, 12791285 (2008).

  8. Alvarez, A. A. & Wildsoet, C. F. J. Mod. Opt. 60, 12001208 (2013).

  9. Ashby, R., Ohlendorf, A. & Schaeffel, F. Invest. Ophthalmol. Vis. Sci. 50, 53485354 (2009).

  10. Siegwart J. T., Ward, A. H. & Norton, T. T. Invest. Ophthalmol. Vis. Sci. 53, 3457 (2012).

  11. Ashby, R. S. & Schaeffel, F. Invest. Ophthalmol. Vis. Sci. 51, 52475253 (2010).

  12. Wu, P.-C., Tsai, C.-L., Wu, H.-L., Yang, Y.-H. & Kuo, H.-K. Ophthalmology 120, 10801085 (2013).

  13. Ngo, C. S. et al. Ophthalmic Physiol. Opt. 34, 362368 (2014).

  14. Chia, A. et al. Ophthalmology 119, 347354 (2012).