تأبين

إيف شُوفان (2015–1930)

عالِم الكيمياء الحاصل على جائزة «نوبل»، الذي أعاد تنظيم الروابط ما بين ذرات الكربون.

جون ماري
  • Published online:

تركت أبحاث العالِم إيف شوفان بصمة مذهلة في أرجاء قطاع الصناعات الكيميائية. فعن طريق فحص الطريقة التي تتحول فيها الروابط ما بين ذرات الكربون المتجاورة في تفاعلات المركّبات البترولية، كشَف النقاب عن خطوات واحد من أهم التفاعلات في الكيمياء العضوية، وهو تفاعل الإبدال والإحلال. أرست هذه الأبحاث ـ التي قادته للفوز بجائزة «نوبل» فيما بعد ـ حجر الأساس لعمليات كيميائية تُستخدم في الوقت الحالي في صناعة مختلف المواد، بدايةً من المبيدات الحشرية، حتى الأدوية. مع ذلك.. يبقى أعظم ما أنجزه هذا العالِم، تطوير عمليات كيميائية بالغة الأهمية في صناعات النفط والبلاستيك، حيث تُستخدم الآن لإنتاج ملايين الأطنان من المركّبات سنويًّا.

Alain Jocard/AFP/Getty

وُلد شوفان في بلجيكا في عام 1930، في منطقة تقع على مقربة من الحدود مع فرنسا. وقد وافته المنيّة في السابع والعشرين من يناير 2015. عندما كان صبيًّا، أرسله والداه الفرنسيّان إلى مدرسة ابتدائية تقع بالقرب من الحدود الفرنسية. وحينما عادت عائلته إلى فرنسا، تمكَّن من استكمال دراسته في باريس. وكان يقضي عطلاته الصيفية في بيت العائلة الكبير في مدينة تور، الواقعة في وادي لوار في فرنسا، حيث قضى آخِر أيام حياته.

بعد حصوله على شهادته الجامعية في مجال الهندسة الكيميائية في عام 1954، الممنوحة من كلية الكيمياء الصناعية في ليون، استهل رحلة العمل في شركة الكيمياويات الفرنسية «بروجيل»، التي (صارت الآن جزءًا من شركة «سانوفي»)، وهناك التقى بزوجته هوجويت لابار.

عبَّر شوفان عن ندمه لعدم الحصول على درجة الدكتوراة، بسبب خدمته في الجيش، وظروف أخرى، لكنه كان يشعر بأن عدم حصوله على هذه الدرجة العلمية حرَّر عقله؛ للنظر في نطاق واسع من الموضوعات البحثية. وبعد عامين من العمل في شركة «بروجيل»، استقال من العمل، لأن مديريه ألزموه بأن يقوم ببساطة بالتطبيق الأعمى لإجراءات العمليات المختلفة، دون إعطائه فرصة استكشاف أفكار من المجالات الأخرى.

في عام 1960، انتقل شوفان إلى مقر أبحاثه العلمية للأربعين عامًا التالية، وهو «معهد البترول الفرنسي» IFP، الكائن بالقرب من باريس. وفي هذا المعهد، خصَّص شوفان دراساته لتسريع إنتاج المواد الكيميائية باستخدام تفاعلات «الحفز المتجانس». في هذا التفاعل، تذوب كل المكونات في محلول؛ مما يسمح بالتحكم الدقيق في أحجام ضخمة من المواد الكيميائية، والقدرة على معالجتها تحت درجات حرارة منخفضة نسبيًّا. وبأبحاثه هذه.. تَفادَى شوفان النزعة السائدة في مجال البتروكيماويات، التي تفضِّل إجراء عمليات الحفز على الأسطح الصلبة، وهي التقنية التي تتطلب درجات حرارة أعلى، وتنتج عادةً منتجات ثانوية سامة.

قادته هذه الأعمال إلى إجراء عمليات ذات أهمية محورية في صناعة البتروكيماويات في الوقت الحالي، إذ ينتج عن عمليتي (الديمرسول)، و(الديفاسول) تزاوُج هيدروكربونات أصغر مع «محفزات الأوكتين»، التي تضاف إلى البترول، أو المادة الأولية في صورتها المعدلة؛ من أجل صناعة الملدّنات، أو المواد المضافة التي تزيد من لدونة المادة وسيولتها، كما تنطوي عملية (الفابيوتول) على استخدام جزئيات الكربون لصناعة المواد الخام، المضافة في شتى الأغراض، بدءًا من زيوت التشحيم، حتى المواد البلاستيكية.

واصل شوفان تطوير تفاعلات الحفز المتجانس، وتمكَّن من حل مشكلة كبيرة، وهي انفصال العامل الحافز من وسط التفاعل، مستغلًا في ذلك معرفته بكيمياء البطاريات؛ كي يطور الأيونات السائلة، بوصفها نوعًا جديدًا من المُذيبات.

يرتبط ذكر اسمه بتفاعلات الحفز المتجانس ارتباطًا وثيقًا، إلا أن أكثر ما يشتهر به استنباط خطوات حركة الجزيئات المعقدة، التي تُعرف باسم (أوليفينات الإبدال والإحلال). وفي هذه العملية، تقوم الأوليفينات ـ وهي بمثابة جزئيات من ذرّتي كربون مترابطتين ترابطًا ثنائيًّا ـ بإحلال وإبدال موضعها مع بعضها البعض، مثلها في ذلك مثل ثنائي رَقْص يتبادلان مع بعضهما البعض موقعيهما. وتكمن عبقرية شوفان في استخدامه لأفكار من عملية كيميائية مختلفة تمامًا، تُعرف باسم (بلمرة فتح الحلقة) ring-opening polymerization.

في تجربة بسيطة، لكن تُعَدّ إنجازًا علميًّا باهرًا، قام شوفان بإجراء تفاعل بين نوعين من الأوليفينات (النوع الحلقي، وغير الحلقي)، كي يوضح أن المركّبات الناتجة احتوت على أجزاء من كلا النوعين. كما استنبط أن هذا التبادل الجزيئي لم يتم بصورة متناظرة، حسبما كان يَفترِض البعض، لكن هذا التبادل يتم تنظيمه عن طريق تكوين حلقة هيدروكربونية مؤقتة، تتضمن الحافز الفلزي. استخدم علماء الكيمياء الآخرون ـ ونخصّ بالذِّكر روبرت جربز، وريتشارد شروك، اللذين تقاسما جائزة نوبل في الكيمياء مع شوفان في عام 2005 ـ خلاصة هذه الأبحاث؛ لتحسين وتطوير تفاعلات صناعية، تشكِّل في الوقت الحالي الركيزة الأساسية للكيمياء «صديقة البيئة»، وهي عمليات صناعية فعالة، تنتج عنها كميات ضئيلة من النفايات.

حينما تقاعَد شوفان عن العمل في «معهد البترول الفرنسي» في عام 1995، انضم الى مختبري المتخصص في أبحاث كيمياء أسطح المركّبات المعدنية العضوية في جامعة ليون. وعادةً ما كان يستقل القطار الذي ينطلق في تمام الخامسة صباحًا بالقرب من منزله في مدينة تور؛ كي يصل الى طاولة أبحاثه في تمام الثامنة صباحًا.

ركّزت أعماله اللاحقة ـ التي صدرت بالتعاون مع آخرين ـ على ملاءمة الحفز المتجانس مع الأيونات السائلة، وهي العملية التي يمكن تطبيقها بنجاح على مجموعة متنوعة من التفاعلات ونواتجها، تُستخدَم في عدة أغراض صناعية، وتتسم بسهولة الفصل عن العامل الحافز.

صاحَب الإنجازات العلمية الضخمة لشوفان قَدْرٌ كبير من التواضع. وقد تردَّد في قرار الذهاب إلى استكهولم في عام 2005، لأنه شعر بأن إسهامه العلمي كان أقل بكثير من إسهامات جربز، وشروك، اللذين جعلا من تفاعلات الإحلال والإبدال تفاعلات مستخدمة عمليًّا على نطاق واسع. ووَازَن شوفان ما بين الأبحاث الأساسية والتطبيقية، تاركًا وراءه ما يزيد على مئة ورقة بحثية، ومئة وثلاثين براءة اختراع.

كان قلبه يفيض بروح الشباب دائمًا، حيث لم يتوقف ـ ولو لمرة واحدة ـ عن ممارسة رياضة المشي لمسافة ستة عشر كيلومترًا أسبوعيًّا، ولم يغفل عن قراءة الطبعة الأسبوعية من دورية «كيميكال أَبْستراكتس» Chemical Abstracts. ولم يكن هناك شيء يعادل حب استطلاعه العميق، سوى معرفته وحدسه اللذين جعلا من شخصه مخترعًا رائعًا. وعلى المستوى الشخصي، سأفتقده بشدة كصديق وعالِم جليل.