عمود

مطلوب.. على وجه السرعة

ترى فيفيان كاليير، وناثان فاندرفورد أن توفُّر معلومات دقيقة عن سوق العمل سيساعد الباحثين على التخطيط لحياتهم بعد نَيْل درجة الدكتوراة.

  • فيفيان كاليير
  • ناثان فاندرفورد
  • Published online:

يأمل معظم الطلاب الملتحقين ببرامج الدكتوراة في العلوم والهندسة داخل الولايات المتحدة الأمريكية أن يصبحوا أكاديميين فور انتهائهم من البرامج، لكن الفجوة بين عدد الحاصلين على درجة الدكتوراة حديثًا والمناصب المتوافرة في هيئة التدريس في الجامعات تتسع سنويًّا. ففي عام 2011، حصل ستة وثلاثون ألف فرد على درجة الدكتوراة في العلوم والهندسة في الولايات المتحدة. وفي المقابل، لا توفر الجامعات الأمريكية سوى ثلاثة آلاف منصب للتعيين الدائم سنويًّا. ومن ثم، يتجه ما يقرب من %70 إلى مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة (M. Schil-lebeeckx, B. Maricque and C. Lewis Nature Biotechnol. 31, 938–941; 2013)، على أمل معلَّق في الحصول على وظيفة تدريس جامعية، وهو ما يصعب تحقيقه على الأرجح.

Neil Webb/Getty


إنّ السبب وراء هذا يُعزى إلى قطاع التعليم العالي، الذي لم ينقل المكون الأساسي للأسواق الناجحة؛ وهذا العنصر هو: المعلومات الآنية والدقيقة عن الآفاق الوظيفية المستقبلية، لا سيما الصفات الشخصية المحددة، والتدريبات التي مكّنت حاملي درجة الدكتوراة من النجاح داخل الحياة الأكاديمية وخارجها، فضلًا عن الاختلافات بين وظائف سوق العمل في الحقول الفرعية العلمية، والتكنولوجية، والهندسية، والرياضية.

قد يدرك بعض المتدربين أن الحصول على وظيفة تدريس جامعية احتمال يصيب، أو يخيب، لكن إيهام الذات بأن الانخراط في برنامج زمالة ما بعد الدكتوراة قد يعزز موقفهم، هو السبب وراء التحاقهم بتلك البرامج التي تمتد لفترة طويلة. وفي النهاية، نجد أن غالبية طلبة الدراسات العليا من الخريجين الأوائل الذين لم يخفقوا أثناء مراحل دراستهم الجامعية، ولذا.. فهُم مقتنعون بإمكانية «التغلب على المصاعب» في سوق العمل، لكنهم لم يتعرضوا لتجربة العمل الحقيقية، حيث الوجود مع قرناء لا يختلفون عنهم في المستوى كثيرًا.

لا شك أن المؤسسات البحثية تتواطأ مع حالة إيهام الذات هذه، لأن بقاءها يعتمد على العمالة الرخيصة التي يوفرها لها الخريجون وطلاب ما بعد الدكتوراة. إضافة إلى ذلك.. قد يتمتع المتدربون بالقدرات العقلية التي تمكِّنهم من التفوق في المجال الأكاديمي، لكنّ كثيرين منهم لم يؤهَّلوا لتحمل التكاليف المالية والنفسية والشخصية التي ستقع على عاتقهم في سوق العمل الأكاديمي لسنوات عديدة. ولا يدرك كثيرون منهم تمامًا تكلفة انتظار وظيفة، قد لا يجدونها أبدًا. وربما يجهلون البدائل الأخرى بشكل كارثي، بسبب قلة المعلومات المتوفرة عن الوظائف الشاغرة، أو المهارات والخبرات المطلوبة خارج النطاق الأكاديمي.

ليس من الوارد أن ينضبط سوق العمل تلقائيًّا في ظل غياب معلومات أفضل عن مجموعة المؤهلات والمهارات والخبرة المطلوبة بعينها في رحلة البحث عن منصب دائم داخل النطاق الأكاديمي، أو خارجه، على مستوى المجالات العلمية، والتكنولوجية، والهندسية، والرياضية. وستستمر المؤسسات البحثية الباحثة عن عمالة رخيصة في جذب أعداد هائلة من الخريجين وطلاب ما بعد الدكتوراة، على الرغم من التضاؤل الشديد في فرص تعيين أعضاء هيئة تدريس دائمين.

يحتاج الساعون في رحلة الحصول على الدكتوراة إلى صورة أدق عن وضع سوق العمل داخل الحياة الأكاديمية وخارجها، كما يحتاجون إلى المعرفة الجيدة بهذا الوضع قبل التخرج؛ لضمان الانتقال السلس من هذه المرحلة، بدلًا من الاستيقاظ على كابوس عند التخرج. تقدِّم الوكالات الفيدرالية ـ كمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، ومؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية ـ دعمًا لمعظم الخريجين وباحثي ما بعد الدكتوراة، لكن ينبغي عليها أن تقوم بدور الوسيط في تنسيق المعلومات. ومن ثم، ينبغي أن تُتابِع المحصلة المهنية في السلك الأكاديمي وما يليه، كما ينبغي أن تَجمع البيانات اللازمة؛ للمقارنة بين الحاصلين على الدكتوراة، وغير الحاصلين عليها من العاملين في المجال نفسه، أو المتمتعين بالقدرات نفسها، حتى يقيِّم المرشحون المحتملون مدى جدوى برنامج الدكتوراة. هذه المعلومات لن تفيد المتدربين فحسب، وإنما ستساعد أيضًا الوكالات الفيدرالية في إدارة استثمار الأموال الحكومية في تدريب خريجي الأقسام العلمية، والتكنولوجية، والهندسية، والرياضية، لأنه عندما لا يكون أمام الخريجين سوى خيارات مهنية معدودة تتناسب مع ما حصلوا من تدريبات، فإن عائد الاستثمار لا يكون مثاليًّا.

إضافة إلى ذلك.. يحتاج المتدربون إلى معرفة ما يطلبه أصحاب العمل. ففي مجال وظائف هيئة التدريس، تؤدي الأوراق البحثية المنشورة، والنوع، والسمعة الأكاديمية، دورًا في الاختيار، مع الوضع في الاعتبار التكامل مع الزملاء البحثيين المحتملين، وتوجُّه المؤسسة نحو البحث، والتعليم، والتنوع.

أمّا على مستوى التعيين في الوظائف غير الأكاديمية، فنجد اختلافًا في المعايير، حيث يتم التركيز على المهارات الخاصة، كمهارات القيادة، والتواصل، والعمل الجماعي. ويرجِّح أصحاب العمل في المجال غير الأكاديمي كفة الخبرة العملية عن الاعتمادات الأكاديمية في بعض الأحيان. ومن ثم، يجب أن يكتسب المتدربون الراغبون في الالتحاق بالمهن غير الأكاديمية الخبرة اللازمة مبكرًا؛ لئلا يجدوا أنفسهم في المشكلة نفسها التي يتعرض لها كثيرون من الحاصلين على درجة الدكتوراة، حيث تُوصف مؤهلاتهم بأنها أقل من متطلبات الوظيفة، وفي الوقت نفسه أعلى منها.

من أجل علماء المستقبل، ينبغي جمع معلومات ـ بصورة دورية ـ عن الوضع الحالي والمتوقع لسوق العمل، وتحليلها، ونشرها. وينبغي أن تُشرِف الجامعات على البيانات الخاصة بالمتدربين السابقين. وعلى مستوى الأكاديميين، ينبغي أن تتضمن هذه المعلومات المِنَح، والمنشورات العلمية، وسجلات التدريس، فضلًا عن الخدمات الميدانية والأدوار الإرشادية، بحيث يصير ذلك المعيار هو ما تستند إليه لجان التعيين الأكاديمية عند تقييم المرشحين. أمّا على مستوى غير الأكاديميين، فينبغي أن تشمل البيانات فترات التدريب، وبرامج التدريب المتخصص، والخبرة العملية التي عليها يعتمد التوظيف.

تَجمع الجمعية الوطنية الأمريكية لباحثي ما بعد الدكتوراة ـ الكائنة في واشنطن العاصمة ـ بيانات عن الحياة العملية لباحثي ما بعد الدكتوراة، والمكافآت، والمنافع، والخدمات المهنية المؤسسية. وقد دشّنت مؤسسة العلوم الوطنية في هذا الشتاء دراسة استقصائية عن الحاصلين على درجة الدكتوراة، وزمالة ما بعد الدكتوراة في السنوات العشر الماضية. وقد تصبح إدارة القوة العاملة للبحث في مجال الطب الحيوي المؤسسة حديثًا، والتابعة لمعاهد الصحة الوطنية في واشنطن العاصمة، هي المنظمة البحثية الأمثل لجمع بيانات عن الحاصلين على درجة الدكتوراة في العلوم الطبية الحيوية، ونشرها.

هذه البيانات من شأنها أن تساعد وكالات التمويل في صياغة سياسات تشجع المؤسسات على تقديم خيارات مهنية لحاملي الدكتوراة خارج هيئة التدريس. ومن طرق تطبيق ذلك: توفير التعليم المتنوع، وتدريب حاملي الدكتوراة؛ حتى يتمكنوا من البحث عن مهن في مجال الصناعة، والاستشارات، والعمل المجتمعي، والسياسات العلمية، والكتابة والتحرير، والإدارة، أو الإشراف الإداري. وعلى وكالات التمويل الفيدرالية أن تجد سُبلًا لتخفيف الضغط من على عاتق المتدربين، الذين يواصلون العمل ليلًا ونهارًا؛ من أجل كتابة منشورات علمية، والحصول على مِنح، كما عليهم أن يدعموا سبل اكتساب الخبرة العملية، واستكشاف مسارات مهنية خارج النطاق الأكاديمي في أثناء فترة تدريبهم.

هذه الحلول طويلة الأجل لن يستفيد منها الخريجون وباحثو ما بعد الدكتوراة، الذين يجب أن يطلبوا المشورة في رحلة التطور المهني، وأن يزيدوا من مهاراتهم الخاصة، فضلًا عن توسيع شبكة العلاقات داخل المجال الأكاديمي وخارجه. وأخيرًا، يَعتمد مستقبَل مئات الآلاف ممن سوف يحصلون على الدكتوراة في المستقبل على إتاحة المعلومات المهنية التي سوف تساعدهم على خلق أفضل تناغم بين عنصري العرض والطلب.