أخبار

القياس الكَمِّي لمخاطر البراكين

إنّ تقييم الأمم المتحدة يهدف إلى إنقاذ الأرواح بتخطيط المساعَدات.

ألكسندرا ويتز
  • Published online:

بركان جبل ميرابي من أكثر البراكين نشاطًا في إندونيسيا، ويثور كل بضع سنين.

بركان جبل ميرابي من أكثر البراكين نشاطًا في إندونيسيا، ويثور كل بضع سنين.

Oscar Siagian/Redux/Eyevine


هناك مَنْ جرفته الانهيارات الطينية البركانية.. وهناك مَنْ طمرته الحمم البركانية.. وهناك آخرون اختنقوا. لقد أوْدَت الثورات البركانية بحياة ما يقرب من 280 ألف شخص خلال القرون الأربعة المنصرمة. والآن فقط، تعتزم البشرية قياس المخاطر الناجمة عن هذه الظواهر النارية كميًّا. وقد صدر أول تقييم مفصَّل عن أخطار البراكين في جميع أنحاء العالم في الرابع من مارس الماضي عن مكتب الأمم المتحدة للحدّ من خطر الكوارث، كجزء من عملٍ أكبر عن تقييم المخاطر الدولية، يهدف إلى إنقاذ الأرواح بتقديم معلومات أفضل لمخطِّطي مجابهة الكوارث، وبعرض إجراءات الاستجابة الفعالة.

لذلك.. يقول جان كريستوف كومورويسكي، الباحث في علم البراكين في معهد فيزياء الأرض في باريس، الذي أسهم في إعداد التقرير: «إننا، للمرة الأولى، نجتمع على مفهوم واحد للنشاط البركاني عالميًّا. وهذه نقطة تحوُّل كبرى».

هناك ثمانمئة ملايين شخص يعيشون في نطاق يبعد مئة كيلومتر عن بركان قد يثور في أي لحظة، لكن الأخطار تتفاوت تفاوتًا كبيرًا من مكان إلى آخر. ففي أعالي جبال الأنديز، التي تكلل قممها الثلوج، قد يذيب الثوران البركاني الثلجَ؛ فتندفع فيضانات من المياه تجاه القرى القريبة. وفي جنوب شرق آسيا، قد ينفجر بركان بعنف؛ فيبعثِر رماده الثقيل على مساحة عريضة؛ ويتسبب في انهيار أسطح المنازل.

يهدف التقرير إلى وضع أرقام ثابتة ومؤكدة عن المعرَّضين للخطر على وجه التحديد. والأرقام تأتي من شبكة دولية من المؤسسات، تقودها المملكة المتحدة، تدعى النموذج العالمي للبركان، وتتعاون في العمل مع الاتحاد الدولي لعلوم البراكين وكيمياء باطن الأرض.

تَنَقَّل قادة الفرق بين بيانات القاعدة التي تضم 9,500 ثوران بركاني تقريبًا على مدار العشرة آلاف سنة الماضية، الواقعة تحت حيازة معهد سميثسونيان في واشنطن العاصمة. وسجلوا عن كل بركان عدد مرات الثوران، ونوع المخاطر الفعلية التي شكلها؛ ثم قاموا بإحصاء عدد الأشخاص الذين يعيشون الآن على بُعْد عشرة أو ثلاثين أو مئة كيلومتر من ذلك البركان؛ فضلًا عن معرفة ما إذا ما كانوا يعيشون في أماكن قتلت الانفجارات فيها أناسًا من قبل، أم لا (انظر: «دمار شامل»). والنتيجة هي «كتالوج» كامل عن أشد مخاطر البراكين، وقائمة بالبلاد مرتَّبةً وفقًا لعدد السكان المتضررين.

كبر الصورة


كان الباحثون مندهشين للعثور على مخاطر في أماكن لا يُعتقَد عادةً ارتفاع النشاط البركاني فيها. فمنطقة أوفيرني بفرنسا ـ على سبيل المثال ـ طالما كانت هادئة عبر الفترات التاريخية، لكنها شهدت انفجارات بركانية خلال بضعة آلاف من السنوات الماضية، ولذلك.. جاء تصنيفها عند درجة مرتفعة نسبيًّا على مقياس الخطر، لأن أناسًا كثيرين يعيشون بالقرب منها. أما في نيوزلندا، فيقع مجال أوكلاند البركاني ـ وتاريخ ثورانه الغامض ـ تحت أكبر مدينة في البلاد.

تقول جيني بارسلي باركلي، الباحثة في علم البراكين من جامعة إيست أنجليا في نورويش بالمملكة المتحدة إن «البراكين مجال يجذبك بشدة لدراسته». فالتربة البركانية عادةً ما تكون خصبة، والارتفاع عن سطح البحر يوفر ظروفًا طيبة للحياة في المناخات الأكثر حرارة.

وعلى مستوى العالم، صنَّف الباحثون 62 بركانًا في فئة «الخطر الأقصى»، أي ما يعني أنها كانت نشطة في الآونة الأخيرة، وتقع بالقرب من أناس كثيرين. وتصدَّرت إندونيسيا قائمة أكثر البلدان المهدَّدة، حيث يوجد بها 77 بركانًا نشطًا تاريخيًّا، بما في ذلك بركان جبل ميرابي، الذي يثور مرارًا بالقرب من مدينة يوجياكارتا.

وبقياس آخَر.. تُعَدّ جُزُر بركانية صغيرة ـ مثل مونتسيرات في البحر الكاريبي ـ هي الأكثر عرضة للخطر، حيث عندما تبدأ هذه البلاد الجُزُريّة في الارتعاد، يجب على جميع مواطنيها الفرار، وإلّا تعرضوا للهلاك. وفي هذه الأماكن، المعلومات غير المؤكَّدة لها تكلفتها، إذ تَسَبَّب الإخلاء المثير للجدل لجزيرة جوادلوب في الكاريبي من السكان سنة 1976 في غضبهم، عندما لم يثر البركان ثورانًا كبيرًا.

ولا يعني تصنيف البركان بالخطر أنْ يعيش الناس بجواره كالبط، فإذا كان هناك عدد كاف من المعدات المراقَبة علميًّا، مثبَّتة على بركان ـ وثمة إعدادات محلية جيدة للاستجابة ـ فيمكن الحدّ من الخطر الذي يداهم حياة البشر، حسبما يقول ستيفين سباركس، الذي يدرس علم البراكين في جامعة بريستول بالمملكة المتحدة، والمؤلف الرئيس للتقرير. ففي ميرابي عام 2010، استغلت السلطات معلومات عن تغيرات طبيعية في البركان، لإجلاء مئات الآلاف من الناس قبل الثوران الكبير؛ مما أنقذ أرواحًا كثيرة.

لذلك.. تقول سو لوجلين، الباحثة في علم البراكين «في هيئة المساحة البريطانية في إدنبرة، ومن ضمن الأفراد الرئيسين في الدراسة: «أردنا عرضًا يوضح ما أنجزه خبراء البراكين في جميع أنحاء العالم».

في الإكوادور، حول المنطقة المحيطة ببركان تونجوراهوا، يعمل متطوعون محليون في صورة شبكة من (vigías)، أو مراقبي نشاط البركان. فهم يراقبون التغيرات في الجبل، وينقلونها بطريقة لا سلكية لوحدة مراقبة البركان المجاور في كل ليلة مع تقاريرهم (J. Stone et al. J. Appl. Volcanol. 3, 11; 2014) . مِثل هذه المبادرات يمكن نقلها إلى أماكن بركانية أخرى نشطة، كما تقول باركلي، وتضيف قائلة: «يمكننا أن نتعلم أكثر بكثير عند جمع هذه المعارف مع بعضها البعض».