تأبين

هوبرت ماركل (2015–1938)

عالِم الأحياء الذي أدار المنظَّمات البحثية الألمانية أثناء توحيد الألمانيتين.

فيلهيلم كرول
  • Published online:

تَرَكَ هوبرت ماركل بصمة هائلة في تاريخ البحث العلمي الألماني في فترة ما قبل وأثناء التوحيد بين الألمانيتين الشرقية والغربية. وللتعريف بهوبرت، فهو عالِم في مجال الأحياء التطورية، وعلم السلوك؛ وشخص ارتدى أيضًا عن جدارة زِيّ الكُتّاب، والمفكرين، وصنّاع السياسات. وهو ذلك الباحث الذي كتبت نشاطاته ـ كرئيس مؤسسة البحث الألماني (1986–1991)، وأكاديمية برلين براندنبورج للعلوم والعلوم الإنسانية (1993–1995)، وجمعية ماكس بلانك العلمية (1996–2002) ـ سطور نُظُم البحث العلمي بأكملها في ألمانيا وأوروبا.

Wolfgang Filser/MPG

رحل هوبرت ماركل عن عالمنا في الثامن من يناير الماضي عن عمرٍ يناهز سبعة وسبعين عامًا، حيث وُلد في مدينة ريجينسبورج بشمال ألمانيا في عام 1938. اهتمّ منذ الصغر بعلوم الإنسانيات، إلا أن ذلك لم يمنعه من دراسة علوم الأحياء، والكيمياء، والجغرافيا بجامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونيخ، حيث تتلمذ على أيدي كوكبة لامعة من الأساتذة من علماء السلوك، مثل مارتن لينداور، وكونراد لورينز، وكارل فون فريش، وعالِم الحيوان هانزيوشم أوتروم. وعندما بلغ سن الرابعة والعشرين، نال درجة الدكتوراة في علوم الحيوان.

في أوائل ستينات القرن الماضي، كان لماركل العديد من المشاركات البحثية في الولايات المتحدة في كلٍّ من جامعة هارفارد في كمبريدج بماساتشوستس، وجامعة روكفلر بنيويورك، ومحطة الأبحاث المدارية التابعة لجامعة نيويورك لعلم الحيوان (حيث لقَّبه زملاؤه بجيم). وفيما بعد، عاد ماركل إلى موطنه (ألمانيا)، وتحديدًا إلى جامعة جوته في فرانكفورت. وفي عام 1967، قدّم أطروحته عن سلوكيات اتصال الحشرات الاجتماعية؛ لينال بها الدرجة العلمية التي تسمح بإلقاء المحاضرات.

في عام 1968، أصبح ماركل أستاذًا جامعيًّا، ومديرًا لمؤسسة علوم الحيوان، الكائنة في جامعة دارمشتات للتكنولوجيا. وهذا المنصب يبقى في ذاكرته هو الأهم والأنجح في حياته العملية، حيث أعطاه حرية متابعة اهتماماته البحثية، بدايةً من علم الأحياء التطورية، وعلم البيئة السلوكي، حتى علم وظائف الأعضاء الحسية، والحفاظ على البيئة. وفي عام 1974، انتقل ماركل إلى جامعة كونستانتس ـ التي تأسست قبل ثماني سنوات من هذا العام ـ لإحياء فلسفة هومبولت التدريسية، القائمة على البحث العلمي؛ وأصبح من أبرز شخصيات «جامعة هارفارد الصغيرة المستقرة على بحيرة كونستانس».

في العام ذاته، انتُخب ماركل، ليصبح سيناتور في مؤسسة البحث الألماني، التي تُعَدّ الوكالة الحكومية العامة والأولى في تمويل الأبحاث الأساسية. وبعد ستة أعوام متتالية كنائب، أصبح في عام 1986 أصغر رئيس في عمْر الوكالة. ومن بين إنجازاته الكثيرة، تبرز ثلاثة إنجازات مهمة، هي: تنفيذ برنامج المنح طويلة الأمد، وطرح هيكل برنامج للبحث العلمي وتدريب طلبة الدكتوراة، وإتاحة فرص تمويل باحثي ألمانيا الشرقية قبل الاتفاق على توحيد الألمانيتين في خريف عام 1990.

بعد ذلك.. توغَّل ماركل في عملية توحيد نظامي التعليم العالي، والبحوث الألمانية، اللذين كانا قد اتخذا اتجاهات مختلفة بعد الحرب العالمية الثانية. ففي ألمانيا الغربية، ضم نطاق النظام الفيدرالي ـ الذي أعطي كل ولاية مساحة كبيرة من الاستقلالية ـ نظام التعليم العالي وهيئة البحوث؛ أما في ألمانيا الشرقية، فقد تم تبنِّي النموذج السوفيتي للجامعات، الذي يهتم في المقام الأول بالعملية التعليمية. أمّا العملية البحثية، فتهتم بها المعاهد المتخصصة. وفي عام 1993، كانت مهمّة ماركل ـ كرئيس مؤسِّس لأكاديمية برلين براندنبورج للعلوم والعلوم الإنسانية ـ جذب أفضل الباحثين من منطقتي شرق ألمانيا وغربها؛ ليصبحوا أعضاء فاعلين داخل جدران أكاديمية واحدة، وشكّل مجموعات عمل مشتركة، حيث اجتمعت من خلالها أفضل العقول؛ لخلق جدار متماسك من الثقة بينهم.

واجه ماركل تحديات أكبر بكثير حينما تولّى رئاسة جمعية ماكس بلانك العلمية في عام 1996، حيث إنه أول رئيس حتى وقتنا هذا ـ والوحيد ـ الذي تولى هذا المنصب من خارج الجمعية. وخططت الجمعية لإنشاء 18 مؤسسة جديدة في ألمانيا الشرقية، لكن تدنِّي تقدير تكلفة الاتحاد مِن قِبَل الحكومة حال بين فكرة الاتحاد وعملية الحصول على التمويل اللازم، وكانت هناك ضرورة لاتخاذ قرارات صعبة.

كان من الواضح لماركل أنه من الضروري أن تتدبر المعاهد المستقرة في غرب ألمانيا نفقاتها، وأن يتم توفير المزيد من الموارد للمعاهد الجديدة في الشرق. وسرعان ما أكسبته تلك السياسة المثيرة للجدل سمعة الرجل الصارم، خاصة حينما قرّر إغلاق الأقسام ضعيفة الأداء والمهجورة، فضلًا عن إغلاق معاهد ماكس بلانك بالكامل، كتلك المتعلّقة بالتاريخ في جوتينجن، والمتعلّقة بعلم الأحياء الخلوي في لادينبورج، الواقعة بالقرب من هايديلبيرج. وقد قاومت حكومات الولايات المتأثرة بهذا الإغلاق، إلا أنه بفضل حصافته ومهارته في التواصل؛ استطاع التغلّب على الأمر، وتجديد جمعية ماكس بلانك العلمية.

في أثناء فترة رئاسته، اختار ماركل 153 مديرًا جديدًا من بين مديري الجمعية، البالغ عددهم 266 مديرًا. وبعد التقييم الشامل والجامع للجمعية، قوّى ماركل قنوات الاتصال بين معاهد الجمعية والجامعات المجاورة، مثل جوتينجن، وميونيخ، وهايديلبيرج. وفي عام 2000، بدأ برنامج مدارس ماكس بلانك البحثية الدولي. وقد جذب هذا البرنامج بضعة آلاف من صغار الباحثين من الخارج للدراسة بألمانيا، كما استمر في بناء جسور عبر حدود المعاهد العلمية. وأسهم مديرو ماكس بلانك عن كثب في تدريب طلاب الدكتوراة، فضلًا عن عمل الأنشطة البحثية والتدريسية التي انعقدت في الجامعات الألمانية الشريكة ذات الصلة.

على صعيد آخر.. صارح ماركل السلطات المعنية بحقيقة موضوعات معينة، كالهندسة الوراثية، والاستنساخ، وأبحاث الخلايا الجذعية. وصارح أيضًا بموقفه المُعارِض لحالة رهاب الأجانب، والمؤيِّد لعملية التعلم القائمة على التبادل الثقافي، والحق في الانتحار بمساعدة طبيب.

وفي عام 1997، بدأ ماركل دراسة مستقلة عن تاريخ جمعية كايزر فيلهيلم ـ التي أُنشئت قبل جمعية ماكس بلانك، منذ عام 1911، حتى عام 1946 ـ خلال عصر الرايخ الثالث. وفي عام 2001، وبناء على بحثه هذا، أقرّ علانيةً بذنب أعضاء الجمعية المشاركين في طرد الزملاء اليهود، وفظاعات نازية أخرى، واعتذر أيضًا للناجين في حفل إحياء للذكرى.

وما كان يكرره دائمًا على أبنائه الطلاب هو أن «المسؤولية لا تقع على عاتق العِلْم مثلما يبدو لكم. إن الأمر دائمًا يظل رهن عقلية العالِم». لذلك.. متى يُذكر اسمه، لا يسعنا سوى التفكر في أنه المفكِّر الألمعي البصير، والقائد الشجاع، الذي لولاه؛ لفارقت برامج المنح الدراسية والبحث العلمي في ألمانيا حياةَ القوة والتقدم التي تنعم بها الآن.