تحقيق إخباري

سيـارات ذاتية القيادة: لا حاجة لسائق

يُعتبَر تصميم سيارات ذاتية القيادة أحد الموضوعات الساخنة في بحـوث المواصـلات، وقـد يتحقق في غضون أقل من عشر سنوات.

م. ميتشيل ولدروب
  • Published online:

كبر الصورة


في هذا الصيف، سيتجول قاطنو بلدة جرينتش بالمملكة المتحدة في شوارع بلدتهم باستخدام حافلات نقل كهربائية، لا يتطلب قيادتها تحكُّم سائق في عجلة القيادة، ولا تحتاج من الأساس إلى عجلة قيادة.

تبلغ تكلفة هذا المشروع ثمانية ملايين جنيه إسترليني (12 مليون دولار)، وهو جزء من دراسة كبيرة تركِّز على السيارات ذاتية القيادة، بتمويل من الحكومة البريطانية. ويمثل هذا المشروع امتدادًا للجهود المتضافرة، التي ترمي إلى إحداث نقلة نوعية في دنيا النقل والمواصلات، حيث توهج بريقها جزئيًّا بدافع الرغبة في وضع حد لحوادث الطرق، التي يُعزَى تسعون في المئة من أسبابها إلى أخطاء القيادة البشرية، وهو ما خلق حالة من السباق لنقل عجلة القيادة من أيدي البشر إلى عقل الكمبيوتر، الذي يظل منتبهًا أثناء عملية القيادة، ولا يثمل، ولا تُشتِّت انتباهه الرسائل النصية.

يطوّر جميع مصنعي السيارات تقريبًا بعض تقنيات تكنولوجيا السيارات الأوتوماتيكية، مثل عديد من شركات الإلكترونيات، لكن الشركة التي تفوّقت على الجميع هي شركة «جوجل» العملاقة، حيث حظيت بمكانة رائدة في أبحاث السيارات ذاتية القيادة منذ أكتوبر 2010، عندما أعلنت أنها انخرطت في هذا المجال قبل عام، وأن سياراتها التجريبية آلية القيادة سجلت بالفعل أكثر من 200 ألف كيلومتر على الطرق القريبة من مقرها الرئيس في ماونت فيو بولاية كاليفورنيا، وفي مناطق أخرى من الولاية. استقبل الناس هذا الإعلان بحماس شديد، أثار غيرة صانعي السيارات والوكالات الحكومية لتمويل الأبحاث حول العالم؛ وحفَّزهم على تسريع جهودهم في هذا المضمار.

يعلِّق ريتشارد بيشوب، استشاري تكنولوجيا السيارات الذي ترأَّس في التسعينات برنامج القيادة الأوتوماتيكية على الطرق السريعة، التابع لوزارة النقل الأمريكية بأنه: «لم يرَ قط شيئًا يتطور بهذه السرعة، من طور الأفكار النظرية إلى منتجات ملموسة». فشركات التصنيع، على الرغم من وجود تحديات تقنية عديدة، تزعم أنها ترى مسارات واضحة لحل معظمها، إن لم يكن جميعها.

Photo: John Chapple/Splash News/Corbis. Sources: WHO; Natl highway traffic safety administration; Center for internet and society


وفي «جوجل» ـ على سبيل المثال ـ صنع الفنيون أغلب تقنيات السيارات الآلية القيادة باستخدام سيارات ركاب تقليدية مزودة بتكنولوجيا التموضع العالمي؛ والخرائط؛ ورادار كشف حواجز الاصطدام؛ وتقنية الليزر؛ لمسح المنطقة المحيطة بالأبعاد الثلاثية؛ وكاميرات فيديو لتمييز الأجسام، كإشارات المرور، ولافتات أعمال الإنشاء، وعبور المشاة، والمركبات الأخرى (انظر الرسم: عالَم من السيارات ذاتية القيادة). أما السيارات المزودة بلوحة كمبيوتر، تكافئ قدرتها على معالجة البيانات قدرة أجهزة الحاسب التقليدية، فتتمتع بكل هذه المزايا، كما يمكنها تحديد سلوك السيارة حسب مقتضى الحال. وكي لا تتعقد معادلة اللوغاريتمات الحاسوبية في القيادة، أعدّت شركة «جوجل» سيارة مزودة بخرائط تفصيلية شديدة الدقة، تخبرنا بما تتوقعه، ومدى ارتفاع كل منعطف.

يقول المشكِّكون إن شريط تزويد السيارات الآلية بهذه الخرائط التفصيلية يقيد حركة السيارة على مساحة الأماكن التي فحصها الفنيون فحصًا دقيقًا، مثل ماونت فيو. ويرد عليهم سباستيان ثرون، المهندس الذي أسس مشروع سيارات جوجل وأداره حتى عام 2013، بأنه من السهل نسبيًّا توسيع هذه الخرائط في إطار جهود الشركة المستمرة للتصوير الفوتوجرافي لطرق العالم على خرائط «جوجل».

المشكلة الأصعب ـ من وجهة نظر ثرون ـ هي تدريب السيارة على كيفية الاستجابة لما وصفه «بالسلسلة الطويلة من المواقف غير المحتمَلة». ففي بداية المشروع ـ والحديث هنا لا يزال على لسان سباستيان ثرون ـ طوَّر فريق جوجل لوغاريتمات التعامل مع التحديات الواضحة والمتكررة، مثل التقاطعات، أو الطرق الزلقة بسبب ماء المطر. ومع قيادة السيارات لآلاف الكيلومترات، سجَّل الباحثون مواقف غريبة، مثل انفجار عبوة بلاستيكية على الطريق، أو وجود أريكة في عارضة الطريق. ويوضح ثرون أن «هذه المواقف الغريبة كانت متعددة بصورة فاقت كل التوقعات والتصورات في البداية»، وأن السبيل الوحيد للتعامل مع هذه المواقف النادرة هو تسجيلها فور حدوثها، وتصميم الاستجابات بمساعدة لوغاريتمات التعلم الآلي المتطورة، ثم اختبار هذه الحلول عن طريق المحاكاة، ثم القيادة العملية.

ويضيف ثرون: «إننا إذا فعلنا ذلك لفترة طويلة كافية؛ سيكون هناك أمل في أن تصبح البرامج آمنة، مثل السائق البشري» بل ستتفوق في النهاية. أمّا السؤال عن المدة التي ستستغرقها فترة الإعداد، فسيظل بلا إجابة حاليًّا. وقد صرحت «جوجل» بأن هذه الفترة قد تستمر خمس سنوات، لكن الشركة لا تعقد أي مناقشات رسمية عن هذا المشروع».

Pascal Goetgheluck/SPL


ويمكن توفير مستويات إضافية من السلامة من خلال تجهيز السيارات والشاحنات بتكنولوجيا الاتصال اللاسلكي (الواي فاي) بين المركبات عبر الموجات الراديوية V2V، مما يتيح لها تحذير بعضها البعض في حالة المواقف الخطيرة، مثل تجاوز سيارة لإشارة المرور الحمراء، أو إتاحة الفرصة للسيارات الذاتية أو السيارات التي يقودها بشر لإفساح الطريق.

من المرجح دمْج هذه التكنولوجيا في السيارات ذاتية القيادة، رغم أنها تطورت من خلال جهود فردية عديدة. وقد جرى اختبار التقنية عمليًّا في الطرق والشوارع في إطار مشروع قطارات الطرق الآمنة للبيئة، التابع للاتحاد الأوروبي، الذي تسير فيه طوابير السيارات المتتابعة خلف شاحنة، مثل البط الصغير الذي يسير خلف أمه. وتتجنب هذه القطارات ـ أو القوافل ـ حوادث الاصطدام الجماعي الهائلة بين السيارات، حيث تتنقل إشارات الاتصال بين المركبات عبر الموجات الراديوية؛ من أجل الضغط على الفرامل في اللحظة نفسها عند كل شاحنة. وبسبب تكنولوجيا الديناميكا الهوائية، ستوفر قطارات الطرق %10 من استهلاك الوقود.

أثارت مثل هذه التجارب اهتمام شركة تصنيع السيارات «جنرال موتورز»، التي أعلنت في سبتمبر الماضي أن الموديلات القادمة ستُزوَّد بتكنولوجيا تقنية الاتصال بين المركبات عبر الموجات الراديوية. في البداية، لن تجد هذه السيارات مركبات أخرى كثيرة للتواصل معها، لكن الإدارة الوطنية الأمريكية لسلامة المرور على الطرق السريعة تتطلع إلى إصدار تشريعات تشترط في كافة عقود امتلاك السيارات لهذا العقد تمتُّع السيارة بهذه التقنية التكنولوجية.

من وجهة نظر جوش سويتكس، المدير التنفيذي لشركة «بيلوتون تكنولوجي» ـ وهي شركة تجارية جديدة في مينلو بارك بكاليفورنيا، تعمل على التسويق التجاري لهذه التقنية ـ فإن «المركبات ستبث رسالة السلامة الأساسية التي توضح: المكان، والسرعة، واتجاه الحركة»؛ وهو ما سيوفر المعلومات الكافية لتفادي وقوع عديد من الحوادث. ويضيف: «هناك أيضًا التوفير في الوقود، ليس فقط من السير في قوافل، بل من تعاون السيارات مع بعضها البعض لتقليل عدد مرات التوقف أثناء السير، الذي يؤدي بدوره إلى إهدار المزيد من الوقود. وإذا كان بإمكان السيارات أن تطلب من إشارات المرور الذكية تشغيل نفسها وفقًا للكثافة المرورية الحالية، وهي تقنية تُعرَف باسم «الاتصال بين المركبة والبِنْيَة التحتية (V2I)»، فربما تسهم هذه التقنية في تقليل الحاجة إلى التوقف إلى أقصى حد ممكن.

في النهاية، يتوقف الإطار الزمني لتطبيق هذه التقنيات على توافر إجابات عن الأسئلة ذات الآفاق الأوسع. ومن ضمن هذه الأسئلة: ما مقدار تكلفة هذه السيارات؟ ومَن الذي سيقتنيها: أأفراد، أم شركات خدمات النقل حسب الطلب؟ ومَن سيتحمل المسؤولية القانونية، إذا تعرضت السيارة آلية القيادة لحادث؟ وهل سيتقبل الناس هذه السيارات، ويثقون فيها؟

لا شك أنه لن يكون هناك جواب شافٍ، إلا مِن خلال الخبرة والتجربة، اللتين تنموان نموًّا سريعًا في ظل معدلات الابتكار في الوقت الحالي.