تأبين

ألكساندر جروتينديك (2014–1928)

عالِم الرياضيات الذي أعاد بناء الهندسة الجبرية.

  • ديفيد مومفورد
  • جون تيت
  • Published online:

يرى كثيرون أن العالِم ألكساندر جروتينديك ـ الذي توفي في الثالث عشر من نوفمبر الماضي ـ من أعظم علماء الرياضيات في القرن العشرين، حيث إنه وظَّف مهارته الفريدة توظيفًا عميقًا في مجال، وعبَّرت في قوالبه الداخلية عن نفسها، على أعظم المستويات النظرية المجردة، وقدمت حلولًا للمشكلات التي صادفته بشكل مباشر.

H. Van Regemorter/IHÉS

وُلد جروتينديك في برلين في عام 1928، لأب ذي أصول روسية يهودية، وأم ألمانية بروتستانتيّة. وعندما بلغ جروتينديك الخامسة من عمره، افترق شمل عائلته، لكن سرعان ما اجتمع شملهم مرة أخرى في فرنسا، قبل أن تَعتقِل السلطات والده، وترحِّله إلى معسكر أوشفيتز، حيث وافته المنية هناك. وفي عام 1942، وصل جروتينديك إلى قرية لو شامبون سور لينيون، وهي معقل مقاومة ضد النازيين، اختبأ فيه آلاف اللاجئين. أما افتتانه بعِلْم الرياضيات، فلعله بدأ من هذه القرية، وتحديدًا في مدرسة سيڤونول كوليدج الثانوية.

بحلول عام 1945، انتقل جروتينديك إلى المرحلة الجامعية، والتحق بجامعة مونبلييه الفرنسية. وشهد عام 1953 انتهاءه من كتابة أطروحته عن «الفضاء الاتجاهي الطوبولوجي»، وحصوله على الدكتوراة من جامعة نانسي الفرنسية، ثم قضى بعدها فترة قصيرة في التدريس في البرازيل.

أما في الفترة ما بين عامي 1954 و1970، فقد بلغ جروتينديك ذروته العلمية، وأنتج أشد أفكاره ثوريةً، خاصة في أثناء الفترة التي قضاها في معهد الدراسات العلمية المتقدمة (IHÉS)، الكائن في أحد أحياء باريس. واتسم عنفوانه المهني وتفانيه بألقاب أسطورية، حيث قضى خمسة عشر عامًا كباحث في الاتجاهات النظرية لعلوم الرياضيات التي سادت في عصره، فوصل الأمر إلى أنه كان يظل عاكفًا على دراسة جوانب هذا المجال لساعات طويلة ـ أو لأيام ـ في حجرته العلوية التي لا تتمتع بأي وسيلة من وسائل التدفئة. وفي عام 1966، حصل على وسام «فيلدز»؛ تقديرًا لمجهوداته في الهندسة الجبرية.

للتعريف بالهندسة الجبرية، فهي المجال الذي يدرس حلول مجموعات المعادلات كثيرة الحدود من منطلق خصائصها الهندسية. فالدائرة ـ على سبيل المثال ـ هي مجموعة حلول هذه المعادلة: ( 1 = y2 + x2). وبصفة عامة، نطلِق على مجموعة نقاط كهذه مسمى «التنوع» الجبري. وقد جرى العرف على أن الهندسة الجبرية تقتصر على متعددات الحدود ذات المُعامِلات الحقيقية أو المركبة، لكنْ قبل أن يدلو جروتينديك بدلوه في هذا الأمر، أدرك أندريه فاي، وأوسكار زاريسكي أنه يستطيع ربط هذه المتعددات بنظرية الأعداد، إذا سمحنا لمتعدِّد الحدود أن يمتلك مُعامِلات في حقل محدود. تلك الأعداد هي من النوع الذي يمكن جَمْعه رياضيًّا كحساب عدد الساعات التي استغرقتها في شيء ما، أي إذا استيقظتَ في الساعة التاسعة، وذهبتَ إلى العمل، وعُدْتَ إلى المنزل بعد سبع ساعات، فيكون وقت عودتك هو الساعة الرابعة، وليس الساعة السادسة عشرة، وهذا يخلق متنوعًا جبريًّا منفصلًا بمقدار متنوع واحد لكل عدد أوّليَ (p).

مع ذلك.. ظلت الأسس السليمة لهذه النظرة الموسعة غامضة، إلا أن هذا الغموض هو ما جعل جروتينديك يقدح زناد عقله ليخرج إلينا بابتكاره الأول المستوحّى من أفكار عالِم الرياضيات الفرنسي جان بيير سير، حيث افترض وجود شكل هندسي اسمه «مخطط» يرتبط بأي حلقة جَبرِية تبادلية، أي مجموعة من الأرقام المعرَّفة في عمليتي الجمع والضرب، والتبادلية في حالة الضرب a × b = b × a. وقبل أن يخرج هذا الاستنتاج إلى النور، دَرَسَ علماء الرياضيات فقط الحالة التي تتألف فيها الحلقة من مجموعة من دوال التنوع الجبري، التي يمكن التعبير عنها كمتعدِّدة حدود في الإحداثيات. ووفقًا للمنطق الهندسي، يمكن جمع الأشياء التي تشغل أجزاء محلية معًا بطريقة ما؛ لتكوين أجسام كبيرة شاملة، وهذا ينطبق على المخططات أيضًا.

لكي نساعد على توضيح مدى أصالة هذه الفكرة، نضرب المثال الآتي: يمكن أن نحصل على حلقة عددية بسيطة من المقادير الجبرية a+، علمًا بأن (a) و(b) عددان حقيقيان عاديّان، أما المقدار (ε)، فمتغيِّر له قيمة عددية «صغيرة جدًّا» لدرجة تجعلنا نقول إن (ε2) يساوي صفرًا. ويمكن إنشاء حلقة بسيطة إذا كَوَّنّا حلقة من التعبيرات a+، حيث a وb عددان حقيقيان عاديّان، ولكن ε متغير يأخذ فقط «قِيَمًا صغيرة جدًّا». والمخطَّط المناظِر لهذه الحلقة العددية يتكون من نقطة واحدة فقط، ويُسمح لتلك النقطة بالتحرك فقط لمسافة متناهية الصغر (ε)، وليس أبعد من ذلك. لقد كانت إمكانية التعامل مع المسافات متناهية الصغر من النجاحات الكبيرة للمخططات، غير أن أفكار جروتينديك كانت لها أيضاً نتائج مهمة في نظرية الأعداد. وعلى سبيل المثال.. فهي تعرِّف الحلقة التي تضم جميع الأعداد الصحيحة بأنها مخطط يربط الحقول المحددة بالأرقام الحقيقية، مما يمدّ جسرًا بين الرياضيات المتقطعة والكلاسيكية، حيث توجد نقطة واحدة لكل رقم أوّلي، ونقطة واحدة للشق الكلاسيكي.

ربما كان العمل الأكثر شهرة لجروتينديك هو اكتشافه أن كل المخططات لها طوبولوجيا. فقد كان من المعتقَد سابقًا أن الطوبولوجيا تنتمي ـ بلا شك ـ إلى الأجسام الحقيقة، مثل الكُرَات، والسطوح الأخرى في الفضاء، لكن جروتينديك توصّل إلى طريقتين، بدلًا من واحدة؛ لتزويد كل المخططات بطوبولوجيا، حتى تلك المتقطعة منها، عن طريق الاستعانة بالخاصية الثابتة المعروفة بـ«الكومولوجيا». ومن خلال عمله مع مجموعة رائعة من المتعاونين، اكتسب جروتينديك خبرة عميقة في نظريات الكومولوجيا، بل رسّخها كإحدى أهم الأدوات في الرياضيات الحديثة. ونظرًا إلى الارتباطات الكثيرة التي تم التوصل إليها بين المخططات ومختلف التخصصات الرياضية، ابتداءً من الهندسة الجبرية إلى نظرية الأعداد والطوبولوجيا، فلا شك أن أعمال جروتينديك أعادت صياغة أجزاء كبيرة من رياضيات القرن الواحد والعشرين.

غادر جروتينديك معهد الدراسات العلمية المتقدمة في عام 1970 لأسباب غير معلومة. وتحوّل اهتمامه حينئذٍ من الرياضيات إلى الاهتمام بمشكلات حماية البيئة. وأسَّس مجموعة ميدانية، عُرفت باسم «Survivre»، حيث اعتقد ـ بروح مذهلة من السذاجة (أفادته جيدًا في الرياضيات) ـ أن هذه الحركة الميدانية يمكنها أن تغيِّر العالَم. وعندما اكتشف أنها لم تنجح؛ عاد إلى الرياضيات في عام 1973، حيث عمل بالتدريس في جامعة مونبلييه. ورغم كتابته لأطروحات بلغت ألف صفحة عن البِنَى الأكثر عمقاً في الربط ما بين الجبر والهندسة (لكنها لم تُنشر بعد)، موَّل المركز الفرنسي للبحث العلمي (الهيئة البحثية الحكومية الوحيدة في فرنسا) أبحاثه تمويلًا هزيلًا.

مع أن علاقة جروتينديك بالآخرين اتسمت بالدفء والمودة، إلا أن الكوابيس التي شهدها في طفولته جعلت منه شخصية معقدة. فقد ظل طوال حياته يحمل جواز سفر (نانْسِن) Nansen، وهو أول بطاقة هويّة دولية أصدرتها عصبة الأمم للاجئين عديمي الجنسية الذين لم يتمكنوا من الحصول على وثائق سفر من سلطات وطنية. وطوال العقدين الأخيرين من حياته، عاش جروتينديك في عزلة عن مجتمع الرياضيات، وزوجته، وشركائه، وحتى عن أطفاله. لقد آثر العزلة التامة في قرية لاسير على سفوح جبال البرانس. وهناك كتب جروتينديك أعمال تحليل ذاتي مرموقة حول علوم محددة، كالرياضيات، والفلسفة، والدين.