رؤية كونية

التركيز على القياسات المرجعية يحدّ من فوائد البحوث

يوضح راينهارد فيرنر أن الضغط من أجل إخراج البحوث بالصيغة التي تقبلها الدوريات العلمية عالية التأثير يُضْعِف من تلك البحوث، وأنّ قرارات التعيين يجب أن تكون قائمة على الجدارة والاستحقاق، وليس على معامل التأثير.

راينهارد فيرنر
  • Published online:

Simona Bednarek

كيف نتعرف على العالِم المتميز؟ هناك صناعة كاملة ـ وهي القياسات المرجعية ـ توحي لنا بأنها عملية سهلة: قم بإحصاء المقالات المنشورة لذلك العالِم في الدوريات العلمية، وصنِّفها وفقًا لعوامل تأثير تلك الدوريات، ثم قم بتحديد عدد جميع الاستشهادات المرجعية.

يبدو أن مشرفي البرامج العلمية والساسة خصوصًا معجبون بمثل تلك الوسائل لتقييم «الجودة العلمية»، لكنّ كثيرين من العلماء أيضًا يتقبّلونها، ويستخدمونها في اتخاذ قرارات التوظيف والتمويل. فالجميع منجذب إلى موضوعيتها المزعومة. وفي حقيقة الأمر، يتردد أحيانًا أن العلماء ينبغي أن يكونوا مستعدين لتطبيق المناهج العلمية على مخرجاتهم البحثية الخاصة. ومع ذلك.. لا يفوت العلماء أنه لا يمكن بناء عِلْم جيد على بيانات غير صحيحة، وأننا في وضع متفرد للحُكْم على جودة البيانات الأولية للقياسات المرجعية، لأننا نقوم بإنتاجها من خلال ما نجريه من الاستشهاد المرجعي.

تُبْنَى القياسات المرجعية على افتراض أنه من خلال الاستشهادات المرجعية، ينخرط العلماء في استطلاع متواصل؛ لانتقاء الأوراق البحثية الأكاديمية فائقة الجودة، لكننا نعلم الأسباب الحقيقية التي تدفعنا إلى استخدامها. في المقام الأول: للإشارة إلى نتائج أعمال أخرى، أو إلى أعمالنا السابقة، أو إلى منهج معين، كما نستخدمها لتوثيق النتائج الجزئية التي تسعى نحو تحقيق أهدافنا، واعتماد بعض المصطلحات، وتقديم خلفية لقراءة الأفكار الأقل شيوعًا وانتشارًا، وأحيانًا للنقد.

وهناك أسباب أخرى أقل نزاهةً، من بينها زيادة إحصائيات الاستشهادات المرجعية الخاصة بصديق، أو إرضاء محكم محتمل كبير الشأن، أو إعطاء انطباع بأن هناك جمهورًا كبيرًا مهتمًّا بالموضوع، من خلال حشو المقدمة باستشهادات غير ذات صلة، وعادةً ما تكون قد أعيد تدويرها من أوراق بحثية سابقة. ولا تعبِّر أيّ من هذه الاستشهادات عما إذا كانت الورقة البحثية موضع السؤال تُعَدّ إنجازًا علميًّا استثنائيًّا، أم لا.

ولذلك.. فإن الأوراق البحثية التي يتم الاستشهاد بها بكثرة غالبًا ما تحتوي على مفاهيم أو مناهج شائعة (ولكن لا قيمة لها بخلاف ذلك). وإذا كانت لديك ورقة بحثية مفضلة، يتم الاستشهاد بها بكثرة، فسوف ترى إذا فحصت عشرين استشهادًا بشكل عشوائي، أنها تحتوي على قَدْر قليل من التقدير لجودة العمل.

من المؤكد أن اختيار شخص ما لوظيفة أكاديمية، استرشادًا بإحصائيات الاستشهادات المرجعية، أو الأوراق البحثية المنشورة في الدوريات عالية التأثير، سوف تكون نتيجته أفضل من مجرد الاقتراع على اختياره، لكن طريقة الاختيار هذه لا تفرق بين شخص أبدع في تطوير وإنتاج خطة عمل بحثية، وقضى في ذلك العمل عشر سنوات على الأرجح، وشخص آخر يكتب إنتاجه بشكل ميكانيكي في مجال فرعي ضيق، حسب الاتجاه السائد.

عندما نظن أنه سيتم الحكم على عملنا باستخدام معايير عقيمة فإننا نتكيف مع الأمر، ونتصرف بطرق مماثلة

هناك آثار سيئة كثيرة للقياسات المرجعية، لا تنتج عن استخدامها، وإنما عن توقُّع استخدامها. فعندما نظن أنه سيتم الحكم على عملنا باستخدام معايير عقيمة؛ فإننا نتكيف مع الأمر، ونتصرف بطرق مماثلة.

من بين الأمثلة الجيدة على هذا الأمر.. عملية التشويه التي أصابت الدوريات العلمية وما صَحِبَها من تغيرات في أسلوب الكتابة، نشأت عندما بدأ النظر إلى مُعَامِل التأثير للدوريات العلمية بوصفه معبِّرًا عن سمعتها الطيبة.

على سبيل المثال.. عندما انفصلت دورية «فيزيكال ريفيو ليترز» Physical Review Letters عن دورية «فيزيكال ريفيو» Physical Review، كان الهدف من ذلك إتاحة الفرصة لنشرٍ أسرع للإعلانات القصيرة التي كانت تُرسَل في السابق غير مُحَكَّمة إلى رئيس تحرير «فيزيكال ريفيو».

من الأسهل إحداث تأثير قوي بهذه الطريقة، ولذلك.. انتقل معيار «السمعة» من الدورية الأصلية إلى الدورية الجديدة. ورغم أنه لا يوجد سبب يبرر أن تكون الأوراق البحثية القصيرة أفضل علميًّا من مثيلاتها الأطول، فإن كثيرًا من المؤلفين حاليًا يجدون سعادة في اختزال أعمالهم البحثية؛ لكي تناسب الحد الأقصى لعدد الصفحات في دورية "فيزيكال ريفيو ليترز"؛ مما يجعل أوراقهم البحثية أقل قابلية للقراءة، وأقل فائدة.

يتضح مثال آخر في الطريقة التي أصبحت بها دورية Nature على قمة الدوريات العلمية بالنسبة إلى باحثي الفيزياء التجريبية. فالباحثون في علوم الحياة أكثر عددًا، ويستخدمون عددًا من الاستشهادات المرجعية يفوق ما يستخدمه باحثو الفيزياء. ولذا.. فإن عوامل التأثير لدوريات معينة، مثل Nature، و«ساينس» Science، التي تغطي جميع العلوم تتفوق بسهولة على أي دورية غير محكمة متخصصة في الفيزياء. ورغم معامل التأثير الأعلى، فلا يوجد سبب يبرر أن تكون ورقة بحثية مكتوبة خصيصًا لجمهور كبير أكثر قيمة من الناحية العلمية من ورقة بحثية أخرى تتضمن مناقشة فنية عميقة. وفي حقيقة الأمر، عند مخاطبة مثل هذا الجمهور، عادةً ما يتخلَّى المؤلفون عن الأجزاء الصعبة، ويستبعدون المصطلحات الفنية من العناوين ، ويبالغون في عرض نتائجهم بمصطلحات عامة.

ماذا بمقدورنا أن نفعل؟ ببساطة.. يجب على العلماء المنفردين مقاومة الاتجاه الرامي إلى جعل القياسات المرجعية محورًا رئيسًا في عمليات صنع القرار. ولا بد أن ننشر ذلك، ربما من خلال التصريح في إعلانات الوظائف بأن الأوراق البحثية سوف يتم تحكيمها من خلال الجدارة والاستحقاق، وليس بواسطة عامل التأثير.

عندما يتم اتخاذ قرار توظيف لشخص ما، ينبغي مقاومة إ إغراء تبرير ذلك القرار، من خلال سرد قياساته المرجعية ، لأن هذا من شأنه تعزيز مبدأ اتخاذ قرارات التوظيف بواسطة المديرين في المقام الأول، كما يجعل من الصعب فيما بعد تقديم مبررات للقرارات التي لا تتبع معايير القياسات المرجعية.

كلما أَحكَمَت القياسات المرجعية قبضتها، كان لها تأثير كارثي على النموذج العلمي المقدَّم لشباب الباحثين. فعلى سبيل المثال.. انتقل أحد طلابي إلى معهد بحثي مرموق؛ للحصول على درجة الدكتوراة. وكان ذلك المعهد يباهي بأدائه من حيث المؤلَّفات التي تُنشَر في الدوريات العلمية عالية التأثير. لذلك.. أخبروا تلميذي بما يلي: «إذا لم يكن بإمكانك كتابة أبحاثك بصيغة تصلح للنشر في دوريات علمية، مثل Nature، أو "ساينس"، أو "فيزيكال ريفيو ليترز"، فلا ترهق نفسك حتى بالكتابة من الأصل». هذه النصيحة ـ المدفوعة بجذب القياسات المرجعية للمموِّلين ـ منتشرة بشكل كبير، وإنْ كانت فاسدة.

أخيرًا.. إذا شجعنا العلماء على اتباع القواعد الشكلية فحسب، فلماذا لا يتجهون إلى الخيار الأسهل، ويفِرُّون إلى العمل في المجال المصرفي برواتب كبيرة، بدلًا من مجال البحث؟.