تحقيقات

أمراض التنكس العصبي: خــريـف الدمــاغ

بدأت أمراض معينة، مثل الزهايمر، وباركنسون، تتصدر أجندة البحث العلمي. ويرجع السبب في ذلك ـ جزئيًّا ـ إلى ازدياد أعمار المجتمعات.

كاثرين جامون
  • Published online:

Lightspring/Shutterstock


بالنسبة إلى أولئك الذين يدرسون أمراض التنكس العصبي، هناك شعور بالتفاؤل ـ والإثارة ـ يغمرهم، يتعلق بما يمكن أن تجلبه العقود القليلة القادمة. فهناك طوفان من حالات الخَرَف، كامِنٌ في مستقبل البشرية، كلما تقدمت أعمار سكان العالم. وتتوقع المجموعة الدولية غير الهادفة إلى الربح لدراسة مرض الزهايمر أنْ يكون هناك حوالي 135 مليون حالة حول العالم بحلول منتصف القرن؛ ليرتفع العدد بذلك من 44 مليون حالة موجودة اليوم. كما تتوقع منظمة الصحة العالمية أنه بحلول عام 2040، ومع تزايد أعمار سكان الدول المتقدمة، أن تتخطّى أمراض التنكس العصبي ـ مثل الزهايمر، وغيره من أسباب الخرف ـ وأيضًا الحالات التي تؤثر بشكل رئيس على الوظائف الحركية وليس الفكرية ـ مثل مرض باركنسون، والتصلب الجانبي الضموري ـ مرض السرطان، لتصبح السبب الثاني الرئيس للموت بعد أمراض القلب والأوعية الدموية. وتشارك علاجات أمراض التنكس العصبي بالفعل بـ20 مليار دولار أمريكي في هذا السوق المتوقَّع نموه.

بإمكان العلماء الذين لديهم مهارات أساسية وإكلينيكية في إيجاد مؤشرات حيوية وعلاجات محتملة أن يساعدوا في علاج هذا العبء المتزايد من الخرف. وتعي الحكومات حول العالم جيدًا هذا العدد المتزايد، وقد بدأت في الاستثمار في برامج البحوث؛ لفَهْم أمراض التنكس العصبي ومكافحتها؛ وهو ما يعني أن مناصب بحثية جديدة سوف تتوفر عبر القطاع الأكاديمي، والقطاع غير الهادف إلى الربح، والقطاع الصناعي حول العالم. وتتزايد الفرص في العمل لمعرفة العلامات الحيوية التي يمكن أن تشخِّص المرض قبل نشوء الأعراض العصبية بوقت طويل، وتحديد أهداف للعقاقير التي يمكن أن توقف أو تبطئ من حدوث التنكس العصبي.

بالنسبة إلى أولئك الذين يريدون أن يدخلوا هذا المجال، فهم يحتاجون إلى تركيز أبحاثهم على الأهداف التطبيقية. فالتدريب في أحد مراكز الخبرة في هذا المجال ـ مثل جامعة كوليدج لندن، وجامعة هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتقنية في كمبريدج بماساتشوستس، وجامعة ستانفورد في كاليفورنيا، وجامعة يال في نيو هافين بكونيتيكت ـ من شأنه أن يضع المرشحين في وضع أفضل عندما يسعون للحصول على وظيفة، حسب قول أدريان إفينسون، مدير البحوث التطبيقية في مركز هارفارد للاستكشاف العصبي في بوسطن بماساتشوستس، الذي يتابع بقوله: «إذا حصلت على تدريبك في مكان جيد، وتعرف كيف تحوله إلى منظومة إكلينيكية، فإن المستقبل يبدو جيدًا. وسوف تغيِّر العقود القليلة القادمة كيفية تعاملنا مع هذه الأمراض». ويضيف قائلًا إنه ليست هناك نصائح سحرية لاتخاذ مسار مهني في هذا التخصص، ولكنه ينصح الساعين لتلك الوظيفة بأنْ يفعلوا ما يلزم؛ ليجدوا أنفسهم في بيئة معملية حيوية تمتلئ بعلماء الأعصاب والعلماء الإكلينيكيين. ويتابع بقوله: «عمومًا، يمكنك القول إنه كلما كان الالتزام بالموهبة أكثر ثراء وكثافة، ستكون في وضع أفضل ـ كطالب دراسات عليا ـ فيما يتعلق بكفاءاتك».

قبل التمكن من علاج أمراض التنكس العصبي، هناك حاجة إلى أنْ يتم رصدها. وكلما كان ذلك مبكرًا، كان أفضل. وبما أنه لا يوجد إلى الآن اختبار يمكن الاعتماد عليه لاكتشاف أمراض الزهايمر، وباركنسون، والتصلب الجانبي الضموري قبل ظهور الأعراض، فإن الوكالات المموَّلة حكوميًّا وشركات الأدوية بدأت في تجميع مواردها في مَعِين واحد؛ لاكتشاف المؤشرات الحيوية. ويمكن القول إنه المجال الذي يضم أكبر عدد من الفرص المهنية للباحثين المهتمين بدخول المجال. والمؤشرات الحيوية هي أشياء قابلة للقياس، يمكن أن تشير إلى علامات مبكرة للمرض، أو العدوى، أو إمكانية الإصابة بالمرض.


مبادرات حكومية- خاصة

نظرًا إلى الاهتمام بالتشخيص المبكر وعلاج أمراض التنكس العصبي، فقد بدأت فرص التوظيف تفتح أبوابها في القطاعين الأكاديمي والصناعي. ففي فبراير الماضي، أطلقت المعاهد القومية للصحة الأمريكية مشاركة مع عشر شركات أدوية، من بينها «ميرك»، و«فايزر»، و«سانوفي»، وكذلك المنظمة التجارية «منظمة بحوث وتصنيع الدواء الأمريكية»؛ لاكتشاف المؤشرات الحيوية وأهداف العقاقير لمرض الزهايمر (إلى جانب مرض السكري من النوع الثاني، واضطرابات المناعة الذاتية). وتُجمِّع المعاهد القومية للصحة وشركات صناعة الأدوية موادّها وتتبادل المعلومات؛ من أجل إسراع عملية اكتشاف العقاقير؛ وهو نوع من المشارَكة لم تتم تجربته من قبل في هذا المجال. وسيخصص جزء من التمويل لثلاث تجارب تختبِر عقاقير لإبطاء تطوُّر مرض الزهايمر، وهو ما يعني توافر فرص وظيفية للباحثين الصغار.

تتبع كندا وأوروبا نموذجًا حكوميًّا-خاصًّا مشابهًا.. فقد تم إنشاء «الاتحاد الكندي للتنكس العصبي في مرحلة الشيخوخة» في سبتمبر الماضي بمبلغ قدره 55.5 مليون دولار كندي (49.4 مليون دولار أمريكي) بتمويل من الحكومة الكندية وشركاء آخرين، من بينهم شركة «سانوفي»، التي تتخذ من باريس مقرًّا. ويهدف الاتحاد إلى تطوير طرق؛ لمنع وتحديد وإبطاء تقدُّم أمراض التنكس العصبي. وللقيام بذلك.. فإنها ستقوم في الأساس بتمويل 47 باحثًا رئيسًا في 20 فريقًا عبر جامعات مختلفة، وتدعم نحو 340 عالِمًا في كافة تلك الفرق، من بينهم باحثو ما بعد الدكتوراة، وطلاب دراسات عليا. ومع اشتداد عود البرنامج، ستقوم الفرق بتوظيف باحثين صغار من دول العالم.

«إنه مسار مهني متعدد المهام بالتأكيد».

في أوروبا، يُعتبر البرنامج المشترك للاتحاد الأوروبي لبحوث أمراض التنكس العصبي ـ ومقره الرئيس في باريس ـ هو أكبر مبادرة لبحوث التنكس العصبي حول العالم، وتشترك فيها 29 دولة عضو بالاتحاد الأوروبي، ودول أخرى أعضاء في المبادرة. ويموِّل الاتحادُ دراسات حول البدايات المبكرة للخرف، والعلامات الحيوية والاختلافات بين الجنسين في مرض الزهايمر، وغيره من الأمراض. وهو يموِّل البحوث العلمية الأساسية من بداياتها، حتى الرعاية الصحية والإكلينيكية، وهو ما يعني أن الوظائف أصبحت الآن متوفرة في مؤسسات مموَّلة من جانب البرنامج المشترَك لأمراض التنكس العصبي. وتكمن الفكرة في أنه لا يمكن لدولة بمفردها أن تكون لديها سعة وعمق البحوث المطلوبة؛ لتخفيف السيل المرتقب من حالات الخرف. ولذلك.. فإن العمل في فريق هو أفضل خيار.

كما أن القطاع الصناعي بدأ يدخل المجال. حيث تقوم شركة «بيوجين إديك» Biogen Idec في كمبريدج بماساتشوستس، وجينينتيك في جنوب سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، بتوظيف علماء استكشاف، وعلماء البحوث التطبيقية في بحوث التنكس العصبي، إلى جانب مديرين طبيين في التنمية والطب التجريبي والعلامات الحيوية، وكذلك في الشؤون الطبية العالمية. وفي المملكة المتحدة، التحقت شركة «جلاكسو سميث كلاين» مؤخرًا بمِنَصَّة أبحاث مرض الخرف البريطانية ـ وهي مشارَكة حكومية/ خاصة تُقَدَّر بملايين الجنيهات الإسترلينية، أنشأها ويقودها مجلس البحوث الطبية البريطاني ـ وهي تركز على تسريع التقدم في بحوث التنكس العصبي، وتسعى المنصة إلى توثيق العلامات الحيوية لمختلف مراحل تطور المرض.

من بين المقاربات الأخرى لتعقب جذور مرض التنكس العصبي.. التركيز على المشابك العصبية؛ أي الوصلات بين خلايا المخ. ففي أكتوبر الماضي، تم منح معهد «آلين» ـ غير الهادف إلى الربح ـ في سياتل بواشنطن 8,7 مليون دولار أمريكي، في منحة من خمسة أعوام لإنشاء نموذج لكل الجينات والبروتينات المرتبطة بكافة أنواع المشابك المختلفة في مخ الإنسان ومخ الفئران، سيكون الوصول إليها متاحًا لكافة الباحثين. ويهدف المشروع إلى فهم كيفية قيام الخلايا العصبية المفردة في المخ بتوصيل ونقل المعلومات عبر المشابك، حسبما يقول المتحدث باسم المشروع، روب بيرسي. إن هناك أمراضًا واضطرابات في الدماغ، متدرجة ما بين مرض باركنسون حتى الاكتئاب، تعود جذورها إلى شذوذ في الوظائف المشبكية، حسبما يقول. وفي الأعوام القليلة المقبلة، سوف يقوم المعهد بمضاعفة موظفيه من 270 إلى 500، وسيكون خُمْس أولئك المُعَيَّنين باحثين في أمراض الدماغ.

فيكرام خورانا يعمل على عكس أعراض التنكس الدماغي المرتبطة بمرض باركنسون.

فيكرام خورانا يعمل على عكس أعراض التنكس الدماغي المرتبطة بمرض باركنسون.

The Whitehead Institute.

يقول جراح الأعصاب ويليام ماك ـ مدير مختبرات الأبحاث المخيّة الوعائية في معهد زيلخا للأمراض العصبية الوراثية بجامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجيليس ـ إن هذا المجال قد أصبح متعدد التخصصات إلى أبعد حد. فأولئك الذين تدربوا على التصوير والطب الإشعاعي والحوسبة لديهم فرصة كبيرة للتعيين. وتلعب المستشفيات التعليمية دورًا رائدًا في أبحاث التنكس العصبي، حسبما يضيف إفينسون، لأنها يمكن أن تأتي بنتائج الأبحاث الأساسية إلى التطبيق الإكلينيكي. ويضيف: «سوف تجد أن هناك الكثير من الاهتمام التمويلي يذهب إلى المجموعات التي تستطيع إثبات أنها مستعدة لأنْ تتحول من محور الآليات الأساسية إلى الأسئلة العملية التي يمكنها الإجابة عليها».

يقوم جوزيف مازولي ـ عالم الأعصاب في كلية فينبرج للطب في جامعة نورثويستيرن في شيكاغو بإلينوي ـ بربط أبحاثه الرئيسة بالقطاع الصناعي، لإنتاج علاج محتمَل للتنكس العصبي. وفي عام 2011، شارك في إنشاء شركة «ليسوسومال ثيرابيوتيكس» Lysosomal Therapeutics، وهي شركة ناشئة في كمبريدج بماساتشوستس، تهدف إلى تسويق عقاقير لعلاج مرض باركينسون، ومرض جوشر، الذي ما يؤدي إلى اعتلالات حركية مشابهة لمرض باركنسون. وقد تواصلت شركات تصنيع الدواء معه ومع شركائه؛ من أجل فتح مجالات تعاوُن محتملة، لكنهم فضّلوا أن يطلقوا شركتهم الخاصة لاختبار المركَّبات التي تستهدف إنزيم الجلوكوسيريبروسيداز، وهو إنزيم مرتبط بمرضي باركنسون، وجوشر. ويقول: «شعرنا أن لدينا قبضة قوية على الآلية التي تربط هذين المرضين. وفي النهاية، نحن نعتقد أن القيام بذلك بأنفسنا سوف يسرع العملية، ويوصل العقار إلى المرضى بشكل أسرع». ويبدو أن المستثمرين أعجبهم هذا المفهوم.. فتلك الشركة الوليدة تمكنت من جمع 4,8 مليون دولار أمريكي في جولتها التمويلية الأولى في مايو 2014.


التقاء العوالم

إن إحداث التوازن بين البحث العلمي والإكلينيكي قد يبدو أمرًا شاقًّا، لكن بالنسبة إلى عالِم الأعصاب فيكرام خورانا، فإن الأمر يأتي بصورة طبيعية. فبمنصبيه في كل من مستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن، ومعهد وايتهيد في كمبريدج، يدرس خورانا اختلالات التوازن. ففي العام الماضي، اكتشف خورانا وزملاؤه مُركّبًا بإمكانه أن يحدد ويعكس أثر بعض الأضرار التي تقع في خلايا مخ المرضى الذين يعانون من مرض باركنسون، وقد يُطْلِق شركة ناشئة لتسويق الاكتشاف. وهو يَعتبِر الموازنة ما بين وظيفتيه.. البحثية، والإكلينيكية هي مستقبله في مجال التنكس العصبي. ويقول: «إنه مسار مهني متعدد المهام بالتأكيد، لكنني أرشحه لأي شخص يجد في نفسه شغفًا بجمع عوالم مختلفة معًا».

ويتابع إفينسون قائلًا إن المجال قد تغير منذ أن بدأ مساره الوظيفي قبل عقد من الزمان، ويضيف: «الآن لدينا الكثير من الأسئلة الجيدة لطرحها، سواء أكانت تجارب إكلينيكية، أو مجرد أسئلة أساسية في علم الأعصاب، أو مشروعات رابطة بينهما. ومقارنة بالوقت الذي التحقتُ فيه بالمجال، يمكنني القول إن هناك طاقة حقيقية ستدعم آفاق الوظائف».