أخبار

نيكاراجوا تتحدى الاحتجاجات المناهِضة لحفر القناة

العلماء ينادون بإجراء تقييم بيئي مستقل.

لوكاس لورسين
  • Published online:

ستتعرض بحيرة نيكاراجوا للتجريف بامتداد قناة طولها 105 كم، كجزء من مشروع القناة العظيمة.

ستتعرض بحيرة نيكاراجوا للتجريف بامتداد قناة طولها 105 كم، كجزء من مشروع القناة العظيمة.

Esteban Felix/AP


تعلِّق نيكاراجوا آمالًا عريضة على مشروع القناة العظيمة، الذي تبلغ تكلفته 50 مليار دولار. سيستغرق العمل في هذا المشروع خمسة أعوام، ليربط ساحلها على البحر الكاريبي بساحلها على المحيط الهادئ عبر مجرى مائي يبلغ طوله 280 كيلومترًا. يقول دانييل أورتيجا، رئيس دولة نيكاراجوا، وآخرون من مشجعي المشروع، الذين احتفلوا ببدء العمل فيه في 22 ديسمبر الماضي، إن هذه القناة سوف تولد دخلًا يحتاج إليه بشدة سكان هذا البلد الذي يحتل المرتبة الثانية في قائمة الدول الأكثر فقرًا في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

ومع هذا.. فقد أثارت خطة المشروع احتجاجات من سكان المناطق المحاذية لمسار القناة المقترح، ومن علماء من شتى أنحاء العالم (A. Meyer and J. A. Huete-Peréz Nature 506, 287–289; 2014)، حيث اتهموا حكومة نيكاراجوا والشركة الصينية المشرفة على المشروع بتجاهل عملية تقييم الأثر البيئي. وما إنْ تمّ نشر تقرير تقييم الأثر البيئي والاجتماعي لهذا المشروع في إبريل 2015 متأخرًا عن موعد نشره المحدد سابقًا في نوفمبر 2014، حتى قامت مجموعة من الباحثين بغير تكليف رسمي بعمل ما عجزت عنه الحكومة، وهو: إصدار تقييم مستقل للتأثير المحتمل لهذا المشروع.

جرت العادة في نيكاراجوا، قبل البدء في أي مشروع بنية تحتية ضخم، أن تقوم لجنة مستقلة بإعداد تقرير عن أثره البيئي، ثم تقوم وزارة البيئة بالاطلاع على التقرير وإصدار توصياتها في مدة 6-8 أشهر، حسب ما قال المهندس فيكتور كامبوس، مدير مركز «ألكسندر فون هومبولت»، الذي يصنف كمنظمة بيئية غير ربحية في ماناجوا، إلا أن هذه القواعد لم تطبق على هذه القناة، إذ تم تمرير قانون في عام 2013 يستثنى المشروع من عملية تقييم الأثر البيئي المعتادة.

قامت شركة HKND في هونج كونج، التي تقوم بتنفيذ المشروع بإجراء تقييمها الخاص. وتقول الشركة إن مسودة هذا التقييم أتيحت للاطلاع للجمهور في يناير الماضي، كما سيتم إصدار التقرير النهائي في شهر مارس أو إبريل. كانت الشركة قد قدمت عرضًا استغرق ثماني ساعات في ماناجوا في نوفمبر 2014، وصفه النقاد بأنه قلل من شأن التأثيرات البيئية المحتملة بصورة كبيرة. ولم يستجب الناطق الرسمي باسم الحكومة لطلبات الحصول على معلومات عن عملية التقييم.

لذا.. شرع العلماء في تكوين لجنة تقييم خاصة بهم. وخلص تقييمهم الذي استُكمل في شهر سبتمبر الماضي من قِبَل مركز «ألكسندر فون هومبولت» إلى أن القناة سوف تكون لها «آثار بيئية واسعة المدى»، ولم يكن لتتم الموافقة عليها وفقًا لقواعد نيكاراجوا المعتادة. وفي شهر نوفمبر الماضي، أعد المشاركون في ورشة عمل علمية استضافتها أكاديمية العلوم في نيكاراجوا في ماناجوا قائمة بالمخاوف البيئية حول مشروع القناة. قال لويس زامبرانو، الباحث المتخصص في الحفاظ على المياه بجامعة المكسيك الوطنية المستقلة في مكسيكو سيتي، وأحد العلماء الـ13 الدوليين الذين دعوا للمشاركة في ورشة العمل: «ليس بوسعنا تقديم أي نصيحة، ولكننا نستطيع أن نطرح الأسئلة المهمة التي ينبغي الإجابة عليها قبل الإقبال على مشروع بهذه الضخامة».

على رأس قائمة المخاوف البيئية، يأتي التأثير المحتمَل لمشروع القناة على بحيرة نيكاراجوا، أكبر بحيرات أمريكا الوسطى، التي سيتم تجريفها إلى عمق 30 مترًا على امتداد القناة التي يبلغ طولها 105 كيلومترات. ويتوقع أن يتسبب تجريف القناة وعمليات الصيانة التابعة له في زيادة تعكير مياه البحيرة، وإنقاص مستويات الأكسجين بها، نتيجة لخضخضة رواسب القاع. وتشمل التبعات المحتملة لهذه العملية نفوق السمك، وانتشار الطحالب الزرقاء المخضرّة؛ مما قد يجعل مياه البحيرة غير صالحة للشرب.


مدخل للأنواع الغازِيَة

يتضمن مخطط القناة أيضًا إنشاء بحيرة صناعية على مساحة 400 كيلومتر مربع بالقرب من نهاية القناة على البحر الكاريبي. وقد عبَّر الباحثون عن مخاوفهم من أن هذه البحيرة ستفتح الممرات المائية في البلاد للأنواع الغازِيَة، كما حدث من قبل في مشروعات تنمية أخرى (انظر: «توسيع قناة السويس»).


ليست نيكاراجوا وحدها هي الدولة التي تمضي قدمًا في مشروع قناة بسرعة تفوق تلك التي يمكن بها تقييم الآثار البيئية. ففي شهر أغسطس الماضي، أعلنت مصر عن مشروع إنشاء مسار إضافي لقناة السويس يمتد لمسافة 72 كيلومترًا من إجمالي طول القناة البالغ 162 كيلومترًا. ومن المتوقع بحلول الصيف القادم أن تسمح القناة بمرور ضعف عدد السفن الذي يمر بها حاليًّا ما بين البحرين الأحمر، والأبيض المتوسط.

يتخوف علماء البحار من أنْ يهيئ هذا التوسع المجال أمام الأنواع الغازِيَة لدخول القناة. وبسبب خلو القناة من العوائق والحواجز، فإن تيارات القناة التي تتدفق في الغالب من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط تُعَدّ وسيلة نقل مجانية للكائنات البحرية. وتوسيع القناة يعني تمكين عدد أكبر من الكائنات من ركوب هذه التيارات. وكما هو الحال في نيكاراجوا، لم يتم إجراء أي تقييم للأثر البيئي قبل بدء المشروع.

في أوائل ديسمبر الماضي، وقَّع 225 عالمًا من 25 دولة على خطاب يحث على الرقابة البيئية. وقد جاء في الخطاب: «هناك وسائل متاحة للحدّ من عملية انتقال الأنواع الغازِيَة، التي يمكن تطبيقها في المراحل المبكرة من المشروع، لكن تكلفتها تزداد مع تقدُّم العمل في المشروع. وقد تكون التكلفة البيئية والاقتصادية لعدم التحرك باهظة». وهناك ثلاث اتفاقيات للأمم المتحدة، تقضي بالتحكم في الأنشطة التي تؤثر على سلامة البحر الأبيض المتوسط»، إلا أنه لم يتم تفعيل أي واحدة من هذه الاتفاقيات.

يحتوي البحر المتوسط على حوالي 700 من الأنواع الغازِيَة، التي عَبَرَ نصفها إلى البحر المتوسط من خلال قناة السويس. (B. S. Galil et al. Ethol. Ecol. Evol. 26, 152–171; 2014). وتزن الأنواع الدخيلة %80 من كميات السمك التي يتم اصطيادها في تركيا، خصوصًا في المياه الضحلة (M. Goren et al. Rapp. Comm. Int. Mer. Médit. 39, 535; 2010). تقول بيلا جليل، عالمة الأحياء البحرية بالمعهد الوطني لعلوم البحار في حيفا، إسرائيل: «لا نعرف أين تقع نقطة التحول، إلا أننا سنصل إليها قريبًا». وأضافت قائلة إنه بدون وجود رقابة بيئية، لن يمكن التنبؤ بما سيؤول إليه النظام أيضًا، إلا أن المجتمعات الأصلية تتآكل بالفعل.

بالقرب من تركيا، على سبيل المثال، ينمو نوعان من العوالق المكونة للصدف (Amphistegina lobifera وhemprichi Amphisorus) بصورة منتظمة في الوقت الحالي. وحينما تموت هذه العوالق، تتراكم بقاياها في طبقات رملية يمكن أن يصل سُمْكها إلى 50 سنتيمترًا (M. B. Yokes et al. Mar. Biodivers. Rec. 7, e52; 2014)، مما يؤدي إلى اختناق الأنظمة البيئية الطبيعية صخرية القاع. كذلك قام نوعان من سمكة الأرنب الموجودة في البحر الأحمر (Siganus luridus وSiganus rivulatus) بالقضاء على مناطق يبلغ طولها مئات الأمتار، ومروج الأعشاب البحرية الغنية في شرقي البحر الأبيض المتوسط، مما يدمر البيئة الطبيعية أمام عدد من الكائنات الأصلية. وكما هو الحال في الأنظمة البيئية الأرضية، يقول إنريك سالا، عالِم البيئة البحرية والمستكشف المقيم في جمعية ناشونال جيوجرافيك في واشنطن دي سي، الذي قام بدراسة سَمَك الأرنب: «حينما تزيل الغابة؛ تختفي كل الطيور». جولي بيروالد


وفي الوقت ذاته، يمكن للقناة أن تشكل عائقًا أمام الحيوانات التي تعيش في المنطقة. ففي الطرف الشرقي، سوف تمر هذه القناة عبر محمية «سيرو سيلفا» الوطنية، التي تمتد على مساحة 286,000 هكتار من الغابات المحمية. ويمكن أن تؤثر هذه القناة بدرجة كبيرة على مسارات هجرة الحياة البرية، حسب قول روبرتو سالومبيريز، المنسق الإقليمي لبرنامج نمور أمريكا الوسطى لمنظمة «بانثيرا» الخيرية التي تعمل في مجال الحفاظ على البيئة في كوستاريكا، إلا أنه قال أيضًا إن بمقدور الحيوانات أن تتعايش مع البِنْيَة التحتية، إذا ما تم التخطيط لها بصورة جيدة. «نعرف أن النمور الأمريكية والثدييات الكبيرة الأخرى تستطيع أن تعبر قناة بنما، إلا أن هذا الأمر ممكن، لأن جُزُر بارو كولورادو المحمية جيدًا تقوم بدور حجر العبور لهذه الأنواع، ولأن المناطق المحمية تحيط بالقناة».

يعيش حوالي %2 من سكان نيكاراجوا بمحاذاة المسار المقترح للقناة. ويقدِّر مركز «ألكسندر فون هومبولت» أن منطقة القناة سوف تمر عبر ما يقارب 282 حيًّا، من بينهم قطاع كبير من أراضي السكان الأصليين. ويعطي امتياز القناة شركة HKND الحق في الاستيلاء على هذه الأرض وغيرها. كما ذكر مواطنون آخرون ممن يقطنون مناطق بعيدة عن مسار القناة أن مهندسي مساحة صينيين أتوا لزيارة مناطقهم مع مرافقين من شخصيات عسكرية بنيكاراجوا. وفي منتصف شهر ديسمبر الماضي، تظاهر الكثيرون في ماناجوا، احتجاجًا على مشروع القناة.

وفي عام 2007، وَعَدَ أورتيجا المواطنين بأنه لن يعرض مياه بحيرة نيكاراجوا للخطر، حتى لو أُعْطِيَ كل الذهب في العالم ثمنًا لذلك. ثم جاء في أكتوبر الماضي ليعلن أنه اقتنع بفكرة القناة، لأنها تمثل أسرع طريق للتنمية الاقتصادية للبلاد. ويُتوقع أن يستفيد القطاع العام في البلاد من هذه الصفقة على النحو التالي: تقوم شركة HKND بدفع مبلغ 10 ملايين دولار للحكومة سنويًّا في العشر سنوات الأولى من بدء تشغيل القناة، مع نقل ملكية القناة للدولة تدريجيًّا بمعدل %10 تقريبًا في كل عقد، وصولًا إلى %99 كحد أقصى.