افتتاحيات

حان وقت الاهتمام بالعلوم الاجتماعية

إنّ الحكومات التي تريد من العلوم الطبيعية أن تفيد المجتمع بصورة أكبر ينبغي عليها الاهتمام بالعلوم الاجتماعية والإنسانية.

  • Published online:


يمكن لبعض العلوم ـ مثل الفيزياء، والكيمياء، والأحياء، والعلوم البيئية ـ أن تقدم حلولًا رائعة لبعض التحديات التي تواجه الأفراد والمجتمعات، لكن إمكانية حصول تلك الحلول على قوة الدفع اللازمة تعتمد على عوامل تتجاوز نطاق تأثير مكتشفي تلك الحلول. يتحقق هذا الأمر ـ في الواقع ـ في بعض الأحيان حتى عندما يوجه الباحثون جهدهم مباشرة نحو التصدي للتحدي الماثل أمامهم. وهكذا، إذا لم يتم إدراج العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في إعداد الأسئلة وصياغتها، يمكن أن يكون ذلك سببًا في إهدار قدر كبير من الإبداع والابتكار.

ليست هذه الرسالة بجديدة، لكن من الواضح أننا ما زلنا نتعلمها مرارًا وتكرارًا، في الوقت الذي يرى فيه المموِّلون والباحثون ـ الذين يأملون في أن تصنع أعمالهم فارقًا للبشرية ـ المشروعات وهي تخفق في إدراك تلك الحقيقة. ويَسري هذا الأمر بحذافيره على المشروعات والأعمال التجارية، بقدر ما ينطبق على الأعمال الخيرية (ولنسأل أصحاب مشروع المحاصيل المبتكرة!).

لذا.. لا بد أن نقدم الشكر والتقدير إلى أولئك الذين يُقِيمون المشروعات متعددة التخصصات، التي تشمل ـ على سبيل المثال ـ السعي نحو تعزيز الحصول على الماء والغذاء، أو التأقلم والتكيف مع تغير المناخ، أو التعامل مع الأمراض. وندين بالشكر والتقدير أيضًا لأولئك الذين يعملون على الدمج ما بين العلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية، والعلوم الإنسانية منذ البداية. لذلك.. تُعَدّ صياغة التحديات بشكل متبادل فيما بين التخصصات أضمن الطرق للتغلب على تنوع المفاهيم وتفاوتها، لأن ذلك التفاوت من شأنه أن يجعل من أوجه التعاون بين تلك العلوم تحديًا بالغًا.

الشكر أيضًا موصول للشخصيات القيادية في صناعة السياسة العلمية، الذين يُظهِرون الْتِزامهم بهذه الأجندة متعددة الجوانب والأبعاد، لكن السبب الأكثر مدعاة للقلق هو عدم إظهار الحكومات لأي قَدْر من الفهم والاستيعاب.

هذا هو الحال بالضبط في المملكة المتحدة، ففيما يتعلق بالبحوث، نجد أن المملكة المتحدة في وضع يستحق بعض الاهتمام من الآخرين، ويستدعي بالضرورة بعض القلق والاهتمام من مواطني البلاد أنفسهم. فقد أعلن مموِّلو الجامعات في ديسمبر من عام 2014 عن نتائج تدريب فريد من نوعه في تقييم البحوث، تم إجراؤه على مستوى البلاد، وهو ما يُعرف باسم "منظومة التميز البحثي" REF. ومن المنتظَر أن يكون لهذه المنظومة تأثير كبير على اتجاه التمويل المخصص للجامعات. وفي الوقت ذاته تقريبًا دشَّنت الحكومة البريطانية وثيقة استراتيجية بعنوان "خطتنا نحو تحقيق النمو: العلم والابتكار". وفي نوفمبر من عام 2014، نشر كبير المستشارين العلميين للحكومة البريطانية تقريرًا سنويًّا متنوعًا، يعكس الروح الشمولية المشار إليها أعلاه، وهو ما لا تعكسه الاستراتيجية الحكومية للأسف.


أهمية الشمولية

بِغَضّ النظر عن التخصص، فإن أي سياسة حكيمة لتقييم البحوث تعطي قيمة واضحة وعالية لكل من الاكتشافات والأبحاث الاستثنائية، والقدرة على إحداث تأثير إيجابي يتجاوز النطاق الأكاديمي. وبهذه الروح تمكنت "منظومة التميز البحثي" (www.ref.ac.uk) من تجميع ثلاثة جوانب موثقة بشكل متميز من البحوث الخاصة بكل قسم من أقسام الجامعة، وهي جودة وأهمية المخرجات الأكاديمية للقسم، وتصل قيمتها في التقدير الكلي إلى %65، وجودة البيئة البحثية (%15)، ومدى تأثير وأهمية تلك البيئة فيما وراء النطاق الأكاديمي (%20).

لن يتم تحليل التأثيرات الخاصة بالبيانات وعمليات اللجان التي أُدرجت في نتائج "منظومة التميز البحثي" على نطاق واسع قبل شهر مارس المقبل. وتبين المؤشرات أن مكون التأثيرات في عملية التقييم قد أتاح لبعض الجامعات الارتقاء إلى تصنيف أعلى مما كان ممكنًا لها أن تصل إليه في ظروف أخرى، لكن الفوائد الكاملة والحوافز السلبية للنظام تتطلب تحليلًا أعمق لحلها.

«إذا أردتَ أن ينتفع المجتمع بالعِلْم، فإنك بحاجة إلى دعم القدرة على فهْم ذلك المجتمع».

ثمة جانب في السياسة العلمية للمملكة المتحدة جدير بالملاحظة، ومثير للجدل في آن واحد، يتمثل في المدى الذي سوف تحدِّد التصنيفات الخاصة بـ"منظومة التميز البحثي" من خلاله قدر التمويل الممنوح. ويتمثل الاتجاه السائد في أن توجَّه مثل تلك التدريبات التمويلَ وتقصره بدرجة كبيرة على المستويات الأعلى في سلم التصنيفات.

من القضايا ذات الأهمية الكبرى في السياق الراهن.. تحديد ما إذا كان فرط الاعتماد على صيغ التمويل سوف يقوض قدرات الدولة على الوفاء باحتياجاتها المستقبلية. وقد توصَّل تحليل مبدئي قامت به دورية "ريسيرش فورتنايت" Research Fortnight ـ المتخصصة في السياسات العلمية ـ إلى نتيجة متشائمة لمن يعتقدون أن العلوم الاجتماعية لها أهمية من الناحية الاستراتيجية. فبالنظر إلى نتائج "منظومة التميز البحثي" حصلت العلوم الاجتماعية على نصيب أقل بكثير من حصتها التي كان بوسع المجتمع المحلي اقتراحها. وإذا كان ذلك دليلًا على ضعف أو قصور في أداء العلوم الاجتماعية على النطاق الوطني، مع الأخذ في الاعتبار الأهمية الاستراتيجية لتلك التخصصات، فإن هناك حاجة إلى تفعيل وتنشيط الطموح الوطني الذي يتجاوز نطاق صيغ التمويل في تلك العلوم التي تضم ـ على سبيل المثال ـ علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس.

ربما يكون بمقدور من يقرأ وثيقة الاستراتيجية الحكومية للعلوم والابتكار (go.nature.com/u5xbnx) أن يصل إلى النتيجة نفسها، وعليه أن يدرك الرسالة الأساسية لتلك الاستراتيجية؛ فمن المنطقي أنه بتركيز تلك الرسالة على تعزيز النمو الاقتصادي، فإنها تلقي الضوء على الحاجة إلى دعم البحوث الأساسية والمعلومات المفتوحة، والتقنيات الاستراتيجية، ومحفزات المشاركة والاستثمار في المشروعات والأعمال التجارية، لكن هناك جملة واحدة ذكرت العلوم الاجتماعية والإنسانية: إشارة عابرة في مقدمة الاستراتيجية تُذكِّر القارئ بأنْ يأخذ تلك العلوم في الحسبان كلما استُخدمت لفظة "علوم".

يتعين علينا تقديم خالص الشكر والامتنان إلى كلٍّ من كبير المستشارين العلميين مارك ولبرت، وسلفه جون بدينجتون، لاهتمامهما الواضح والسبَّاق بالعلوم الاجتماعية. ويُظهِر التقرير الخاص بهذا العام ـ وعنوانه "الابتكار: إدارة المخاطر، لا تجنُّبها" (انظر: go.nature.com/lwf1o7) ـ التزامًا بالشمولية، فالتقرير المذكور بمثابة مجموعة من الآراء والانطباعات، خطَّها خبراء في علم النفس، والعلوم السلوكية، والإحصاء، وإدارة المخاطر، وعلم الاجتماع، والقانون، والاتصالات والمشاركة العامة، إلى جانب العلوم الطبيعية.

يمكن العثور على أمثلة للسمات الشمولية للتقرير في الأقسام التي تتناول موضوعات معينة، مثل عدم التيقن، والاتصال والمحادثات واللغة، التي يُلقِي فيها الأكاديميون من أصحاب المكانة المرموقة الضوءَ على اعتبارات أساسية في التعامل مع جوانب الابتكار المثيرة للجدل والمشحونة بالمخاطر. ويقدِّم الخبراء المهنيون والمؤيدون الذين يشاركون بشكل مباشر في المناظرات وأشكال الجدال المختلفة دراسات حالة تتعلق بالغواصات النووية، والتكسير الهيدروليكي، والتخطيط لمواجهة السيول. واستكمالًا لتلك الأفكار.. يطرح فريق الرؤى السلوكية ـ التابع للحكومة ـ مناقشات أخرى لدور العنصر البشري في تقييم المخاطر، إلى جانب المناقشات التي تبين كيف أن الظروف التي يتم فيها اتخاذ القرارات المشحونة بالمخاطر لها دور تقوم به. وسوف يجد كل مَنْ له مصلحة علمية أو تكنولوجية مثيرة للجدل ـ ولو بشكل طفيف على المستوى العام ـ في تلك الأقسام ما ينفعه ويفيده.

لا بد أن تكون الرسالة الأساسية للتقرير نافعة ومفيدة لصانعي السياسات على مستوى العالم. فإذا أردتَ أن ينتفع المجتمعُ بالعِلْم، من خلال الأعمال التجارية، أو الأنشطة الحكومية، أو الأعمال الخيرية؛ فإنك بحاجة إلى دعم القدرة على فهْم ذلك المجتمع، تلك القدرة التي لا تقل عمقًا عن قدرتك على فهم العلوم. وينبغي أن تُظهِر بيانات السياسة الصادرة عنك أنك تؤمن بتلك الحاجة.