تأبين

مارتن لويس بيرل (2014–1927)

مكتشِف جسيم تاو ليبتون دون الذَّرِّي.

فاليري هاليو
  • Published online:

عندما أماط مارتن لويس بيرل اللثام عن جسيم تاو ليبتون دون الذَّرِّي، حقَّق واحدة من أكبر المفاجآت في فيزياء الجسيمات الأولية خلال العقود الأخيرة. والسر وراء هذه المفاجأة هو اكتشاف النوع الثالث من جزيء الليبتون (بعد التوصل إلى النوعين الأوّلين: الإلكترونات، والميونات الأخف وزنًا). جاء هذا الاكتشاف في توقيت غابت فيه الأدلة التجريبية، أو المؤشرات النظرية التي تدلِّل على وجود «عائلة» ثالثة من الجسيمات.

Linda A. Cicero/Stanford News Service

وُلد بيرل في عام 1927 في بروكلين بنيويورك لأسرة من المهاجرين اليهود الذين تركوا بولندا. وكانت وفاته في الثلاثين من سبتمبر عام 2014 عن عمر يناهز 87 عامًا. استطاع والده بإصراره وعمله الجاد المخلص أن يؤسس شركة للطباعة والإعلان، هيَّأت الاستقرار للأسرة خلال ثلاثينات القرن العشرين. وذات مرة، أوضح بيرل أن تطلعات والديه كانت عالية، حيث طالباه بالحصول على الدرجات النهائية في كل مقرراته، «كان تدريبًا جيدًا على مهارات البحث؛ لأن أجزاء كبيرة من العمل التجريبي قد تتسم بالملل في بعض الأحيان، أو تنطوي على استخدام مهارات لا يكون المرء موهوبًا فيها على وجه الخصوص».

ومع أن بيرل تخرَّج في المدرسة الثانوية وهو ابن ستة عشر عامًا، وحصل على ميدالية تقديرية لإنجازاته في الفيزياء، لم يَجُل بخاطره أن يصبح عالِمًا. فقد ظن هو وأسرته أن مهنة عالِم الفيزياء غير مجزية ماديًّا. لذا.. قرر بيرل ـ بدلًا من ذلك ـ أن يصبح مهندسًا كيميائيًّا. ورغم أن دراسته في معهد بروكلين للفنون التطبيقية تعطلت لأدائه الخدمة العسكرية إبان الحرب العالمية الثانية، أكمل بيرل دراسته؛ وحصل على البكالوريوس في عام 1948.

التحق بيرل بعد تخرجه بشركة «جنرال إلكتريك»، حيث عمل في قسم الصمامات الإلكترونية. ولتطوير وتحسين إنتاج الشركة من الصمامات الإلكترونية، التي استُخدمت وقتئذ في الأجهزة، مثل التلفاز والمذياع، احتاج بيرل إلى فهم كيفية عمل الصمامات الإلكترونية؛ فعزم على تَلَقِّي دورات في الفيزياء في كلية الاتحاد في سكينكتادي بنيويورك، وفيها أدرك أين تكمن اهتماماته الحقيقية.

 في عام 1950، دق جرس رحيله عن العمل في الصناعة، وحان وقت الدراسة لنيل درجة الدكتوراة في جامعة كولومبيا بنيويورك تحت إشراف عالِم الفيزياء الحائز على جائزة «نوبل»، إيزيدور إسحاق رابي. والدروس التي تلقاها بيرل على يدي رابي كانت بمثابة المنارة التي وجَّهته خلال مسيرته المهنية، منها: أهمية العمل على المشكلات الأساسية، واختيار إشكالياتك البحثية، والحصول على الإجابات الصحيحة واختبارها بدقة قبل النشر.

بعد عمله باحثًا ومدرسًا في جامعة ميتشيجان في آن أربور، حصل بيرل على فرصته الأولى للتفكير بجدية في التجارب الفيزيائية عالية الطاقة عن الليبتونات المشحونة، وذلك عندما عُرضت عليه وظيفة في «مركز ستانفورد للمُسرِّع الخطي» SLAC، الذي كان من المخطَّط تشييده بمينلو بارك في ولاية كاليفورنيا. انتقل بيرل في عام 1963 للعمل في هذا المركز. وفي ديسمبر 1975، نشر ـ بالتعاون مع زملائه ـ بحثًا بعنوان ”الدليل على شذوذ إنتاج جزيء ليبتون في إفناء إلكترونات“ (e+- e- (M. L. Perl et al. Phys. Rev. Lett. 35, 1489; 1975، لكن التحقق النهائي من اكتشاف جسيم تاو ليبتون لم يحدث إلا في عام 1979.

كان الرأي السائد بين الفيزيائيين وقتئذ هو وجود نوعين فقط من الليبتونات، هما: الإلكترونات، والميوونات. أما جسيم تاو ليبتون، فهو أثقل ثلاثة آلاف مرة من أي إلكترون آخر، فضلًا عن أنه غير مستقر إلى حد كبير. لقد غيّر اكتشافه الكثير في توقعات فيزياء الجسيمات الأولية، ومهَّد طريق اكتشاف جسيمات أولية أخرى، لا سيما تاو نيوترينو، وكواركات القمة والقاع. وفي عام 1995، حصل بيرل وفريدريك راينز على جائزة «نوبل» بالمشاركة، تكليلًا لجهد بيرل في اكتشاف جسيم تاو ليبتون، وجهد فريدرك في كشف النقاب عن جزيئات النيوترينو، كأحد مكونات المادة.

كان لشخصية مارتن جانب حماسي مُعْدٍ في حبه للفيزياء الأساسية. فذات مرة، أثاء عملي كطالبة دكتوراة في مختبره، وجدت شذوذًا في بياناتنا تشير إلى وجود جسيم جديد مشحون جزيئيًّا، لكن مارتن ـ الذي تعامل مع أي بحث شارك فيه بجدية شديدة ـ ألغى فورًا رحلته إلى مؤتمر مقرر انعقاده، وظل مع مجموعتنا لعدة أيام، حيث أمعنّا النظر في البيانات، حتى خلصنا ـ مع بعض الإحباط ـ إلى أن الشذوذ كان على الأرجح صنيعة تجهيزات تجربتنا.

إلى جانب الفيزياء الأساسية، أحب مارتن صناعة الأدوات الميكانيكية والأجهزة الكهربية. فعندما عملت وبعض الطلبة على بناء جهاز تجربة، ملأه الشغف والحماس، حتى إنه كان كثيرًا ما يمر علينا لمتابعة تقدُّمنا، ومعرفة المزيد عنه. شجَّع مارتن التفكير المستقل دائمًا، وبينما ساعد تلاميذه على سَلْك درب تحقيق أفكارهم، علَّمهم أيضًا أن يكونوا واقعيين بشأن ما يمكن تحقيقه، فضلًا عن المضي قدمًا إذا تعثرت خطاهم في حل مسألة ما. وقد ساعدتنا توجيهاته في المختبر وفي الحياة على حد سواء.

كانت لمارتن معاييره المرتفعة بشكل استثنائي، فهو الباحث المبدع الذي لم يسع قط لنيل الأوسمة، والألقاب، وتعبيرات الإجلال، لكنه حظي باحترام الجميع. ولم يقابله أحد قط، إلا وعرف عنه البساطة والصدق، وكلماته التي ذكرها في سيرته الذاتية حتى حصوله على جائزة «نوبل» هي خير دليل على صدق هذا الكلام، حيث قال: «لقد كنت محظوظًا...».