تعليقات

الأحياء المجهرية: أسقِطوا مصطلح الـ«مُمْرِض»

يتأثر المرض بالجسم المضيف تمامًا مثلما يتأثر بالعامل المُعْدِي. والتركيز على الجراثيم يَحُول دون توصُّل الأبحاث إلى العلاج، حسب ما يقوله أرتورو كاساديفول، وليز-آن بيروفسكي.

  • أرتورو كاساديفول
  • ليز-آن بيروفسكي
  • Published online:

<br>قد تتسبب الفطريات من نوع الرشاشية الدخانية غير الضارة عادةً في أمراض رئوية حادة لدى الأشخاص المصابين بسرطان الدم.


قد تتسبب الفطريات من نوع الرشاشية الدخانية غير الضارة عادةً في أمراض رئوية حادة لدى الأشخاص المصابين بسرطان الدم.

Eye of Science/SPL


دُرِجَ استخدام مصطلح «مُمْرِض» Pathogen في أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر للدلالة على الجراثيم التي تسبِّب المرض. ومنذ ذاك الحين، يدور العلماء في فلك البحث عن صفات البكتيريا والفطريات والفيروسات والطفيليات المسؤولة عن إمراضنا. نتج عن هذه الأبحاث بعض الاكتشافات الإبداعية، كالدور الذي تلعبه أنواع البكتيريا والفطريات السامة في الأمراض. وبالفعل، فأقدم لقاحين حظيت بهما الإنسانية وأكثرها موثوقية، هما لقاحا الديفثريا، والتيتانوس. ويعمل هذان اللقاحان عبر تحفيز الجسم على إنتاج أجسام مضادة تبطل فاعلية السموم البكتيرية، إلا أن الجراثيم تبقى عاجزة عن التسبب في الأمراض، دون وجود جسم مُضيف لها. فمثلًا، الذي يتسبب في موت الأشخاص عند الإصابة بالديفثريا هو الاستجابة الالتهابية القوية التي تحفزها السموم في الديفثريا، ويشمل ذلك تبطُّن الحنجرة بطبقة رمادية كثيفة قد تؤدي إلى انسداد مجرى التنفس. وبالمثل، فالتنشيط الواسع لخلايا الدم البيضاء، الذي تحفّزه سلالات معينة من المكورات العنقودية والعقدية، بوسعه أن يؤدي إلى نشوء متلازمة الصدمة التسممية.

إنّ المرض هو أحد الاحتمالات العديدة الممكنة عند تفاعل جسم المضيف مع الجراثيم. يبدو ذلك واضحًا، لكن المسألة هنا أكثر من كونها دلالة لغوية، إذ إن استخدام المصطلح «مُمْرِض» يدعم مسألة حصر تركيز الباحثين والمتخصصين الإكلينيكيين في الجراثيم، بشكل غير مُساعِد، وبطريقة من شأنها أن تحول دون اكتشاف العلاجات. فمثلا، فيما يتعلق بانتشار الإيبولا في غربي أفريقيا، ينصبّ جُلّ الاهتمام على المرضى والموتى، رغم أن هناك رموزًا مهمة لكبح انتشار المرض، قد يكون بالإمكان إيجادها لدى أولئك الذين ظلوا معافين، بالرغم من تعرضهم للفيروس.

بدلًا من التركيز على ما تستطيع الجراثيم فعله، أو ما تعجز عن فعله1، على الباحثين أن يسألوا أنفسهم ما إذا كان التفاعل بين المضيف والجرثومة يلحق الضرر بالمضيف، أم لا. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف؟. يحتم هذه النهج توظيف أدوات مختلفة، وقد يتطلب مزيدًا من العمل المشترك بين علماء الأحياء الدقيقة وعلماء المناعة.


السياق هو كل شيء

أصبح من الواضح في العقود التي تلت إطلاق التعبير «مُمْرِض» أن هناك الكثير من العوامل غير المُمْرِضة القادرة على التسبب في الأذى لبعض الأشخاص. فحتى خمسينات القرن الماضي، قلما كان يُربَط بين المكورات العنقودية المخثرة السلبية (coagulase-negative staphylococci)، وهي جزء من الجلد البشري، والفطريات المبيِّضة (Candida albicans)، وهي موجودة دومًا في المهبل، والفم، والأمعاء، وعلى الجلد. لذلك.. أًصبحت العدوى التي تسببها هذه الجراثيم شائعة مع استخدام القسطرة التي تُدْخَل في الأوردة وتفتح قنوات بين البشرة والدم، وكذلك مع استخدام الأدوية التي تُوهِن القدرة المناعية، كالعلاجات الكيميائية.

دفع ذلك الباحثين المتخصصين في الأحياء الدقيقة إلى استخدام مقاييس مُعرِّفة منذ ستينات القرن الماضي لتعريف الجراثيم، بناء على وضعيتها في جسم المضيف. من ذلك.. استخدام التعريف «مُتعايِش» commensal للدلالة على الجراثيم التي تعيش على جسم المضيف، أو فيه، دون أن تؤذيه، كالإشريشية القولونية (Escherichia Coli)، وهي واحدة من الأنواع الموجودة في الأمعاء. هذا.. بينما استُخدم تعريف «استعماري» colonizer للدلالة على الأحياء الدقيقة التي توجد في جسم الإنسان، لكنها تصيبه بالمرض، مثل المكورة العنقودية؛ وبكتيريا الرَّمامة (saprophyte)، التي تدل على كائن حي مرتبط بالنباتات الميتة، بما فيها فطر الرَّشاشيَّة الدَّخناء (Aspergullus fumigatus).

حتى هذه المقاييس المُعرِّفة تبيّن لاحقًا أنها غير دقيقة، إذ إن الجراثيم والمُضيفات متنوِّعة ومتقلِّبة. فمثلًا، قد يسبب فطر الرشاشية الدخناء التهابًا رئويًّا حادًّا لدى الأشخاص الذين يعانون من سرطان الدم؛ ويسبب نوعٌ من الإشريشية القولونية الإسهال والتقيُّؤ؛ وتتصرف العنقودية الذهبية كمُتعايِشة في واحد من كل ثلاثة أشخاص، بحيث تستوطن تجاويف الأنف، دون أن تسبِّب أذى.

شرع علماء الأحياء في سبعينات القرن الماضي في محاولة التعرف على الجينات البكتيرية التي تمنحها القدرة الإمراضية، فأبطل الباحثون بعض الجينات، أو عطلوا فاعليتها في بحثهم وراء الجينات التي تشفِّر «عوامل الضراوة» جزيئات يُعتَقد أنها تمنح الجرثومة المقدرة على اختراق واستيطان الجسم المضيف؛ والتسبب في المرض. تتواصل مثل هذه المساعي حتى يومنا هذا، لمعرفة الجينات أو الطفرات الجرثومية المرتبطة بالمرض، حيث يعمل الباحثون على التطبيقات الجينومية، محاوِلِين التَّعرف على علامات الضراوة لعدد من الجراثيم، التي منها المكورة العنقودية الذهبية، والإنفلونزا المُستدْمِية، وسلالات من المكورة المعوية الأليوية Enterococcus faecium)2-4).

نجح هذا النهج إلى حد بعيد بالنسبة لبعض أنواع البكتيريا. على سبيل المثال.. في استخراج السموم، وكبسولة جينات من العَصَويًّة الجمْريَّة (Bacillus anthracis)، ما جعلها أقل ضراوة وملاءمة للاستخدام في إنتاج لقاح؛ للوقاية من الجمرة الخبيثة. هذا.. بينما لم يكن النجاح حليف محاولات مع جراثيم أخرى، كبعض أنواع الفطريات. وقد بُذلت جهود البحث على مدى أكثر من عقدين، في محاولة لإيجاد العوامل الجرثومية التي تمكّن الفطريات المبيضة والرشاشية الدخانية من التسبب في المرض، لكنْ في أيٍّ من هذين النوعين، لم يظهر أن لأي عامل ضراوة تقليدي تأثيرًا مهمًّا على القدرة الإمراضية.


تحديات اللقاح

كشف لنا العمل على اللقاحات عن مزيد من الدلالات التي تشير إلى وجود إشكاليات في أصل الفكرة القائلة إن ما يمكِّن الجراثيم من التسبب في المرض هو وجود عوامل سرية مرتبطة، أشبه بالسموم.

إن غالبية أبحاث اللقاحات تمحورت حول التعرُّف على عوامل الضراوة في الجراثيم، وتعطيلها. وقد أفلح هذا النهج في عدد من الحالات، إذ يعمل لقاح التيتانوس والديفثريا وفق هذا الأساس؛ ما أسهم في القضاء على اثنين من أهم الأمراض القاتلة في العالم الغربي. وبالمثل، فاللقاح الذي يعطل كبسولة عديد السكاريد في البكتيريا يعرضها لهجوم خلايا الدم البيضاء عبر تحفيز الخلايا الليمفاوية؛ لإنتاج خلايا الدم البيضاء، وبذلك يكون قد أسهم هذا النهج في دحر الإنفلونزا المستدمية من النوع B، بعدما كانت سببًا رئيسًا وراء الإصابة بالتهاب السحايا في ثمانينات القرن الماضي. ومنذ عام 2000، أسهمت لقاحات مشابهة في حدوث انخفاض ملحوظ في الإصابة بالأمراض التي تسببها العقدية الرئوية (Streptococcus pneumonia).

مع ذلك.. على الأقل بالنسبة إلى العقدية الرئوية، فإن الفكرة القائلة إن الأجسام المضادة تمنع المرض فقط عبر حث خلايا المناعة التي تُعرف بالخلايا البلعمية على ابتلاع وقتل الجراثيم، هي فكرة بسيطة أكثر من اللازم. فمجرد وجود أجسام مضادة للعقدية الرئوية في دم شخص ما، لا يشير بثقة إلى أنه محفوظ من الإصابة بالتهاب الرئة. الأكثر من ذلك.. لم تحقق أيّ محاولة من المحاولات العديدة الجارية لتطوير لقاحات جديدة عبر التعرف على عامل الضراوة واستهدافه أيَّ إنجازات حتى الآن. فمثلًا، رغم قضاء عقود في البحث على أي عامل ضراوة تقليدي لعُصيَّة السُّل ولطُفيل الملاريا، لم يتوصل الباحثون إلى أي نتائج حتى الآن.

في بعض الحالات، يبدو أن الجهود التي تهدف إلى إبطال عوامل الضراوة قد أسهمت في كشف سبل لتفاقم المرض. يصيب داء السل الرئوي أقل من %10 لدى الأشخاص المصابين بالمتفطِّرة السليّة (Mycobacterium tuberculosis). وقد تؤدي الاستجابة الالتهابية المفرطة لدى هؤلاء الأشخاص إلى تدمير أنسجة الرئة. لذا.. قد لا ينفع معهم استخدام اللقاحات المضادة للسل، المصمَّمة على نحو يعمل على استنهاض الاستجابة المناعية.

يوضح هذا الأمر ما حدث في تسعينات القرن التاسع عشر، عندما قام عالِم الأحياء الدقيقة روبرت كوتش بحقن الأشخاص الذين كانوا يعانون آنذاك من السل بخُلاصة أنتجها من زرع البكتيريا في المختبر؛ ما أدى إلى موت العديد منهم. وكذلك يوضح سبب إخفاق لقاحات معينة، أُنْتِجت في القرن الماضي، في الوقاية من المرض، مثل لقاح فيروس الخلايا التنفسية.


الديناميّات المتغيرة

من غير المنتظر أن ينتهي استخدام المصطلح «مُمْرِض»، لكن على الدارسين للأمراض المعدية أن يعترفوا بمحدودية هذا المصطلح. ويتحتم على الباحثين الذين يعملون في سبر الميكروبات البشرية باستخدام علم الجينوم، الاعتراف بالعوامل والعمليات التي لا حصر لها، التي تُشكِّل تكوينها. فهي تتنوع باختلاف الأشخاص والأوقات من حيث النشوء، ومن حيث صلتها بالمرض.

« تُوَاصِل المناهج الاختزالية في البحث فَرْض سطوتها على جزء كبير من الأبحاث».

مع ذلك.. تُوَاصِل المناهج الاختزالية في البحث فرض سطوتها على جزء كبير من الأبحاث؛ بافتراض تبدُّل متغيِّر واحد مع بقاء باقي المتغيرات ثابتة. ويميل علماء الأحياء الدقيقة إلى النظر إلى الجراثيم كمتغيِّر أساسي في المرض، ويعاملون الجسم المضيف على أنّه ثابت. على عكس ذلك.. يتّخذ علماء المناعة الجرثومة على أنها ثابتة، بينما المُضيف يكون متغيرًا (فمثلًا، عادةً يحقن علماء المناعة الجراثيم في حيوانات مختبر طبيعية وأخرى مغيِّرة جينيًّا، لتقييم العوامل التي تُشكِّل استجابة الجسم المُضيف)5. عادةً ما يقصد العلماء الذين ينتمون إلى هاتين المجموعتين مؤتمرات مختلفة، ويقرأون، وينشرون في مجلات علمية مختلفة، ويحصلون على تمويل لأبحاثهم من جهات مانحة مختلفة أيضًا.

إنّ المطلوب هو إجراء تحليل متزامن للمتغيرات الجرثومية، وكذلك لتلك الخاصة بجسم المضيف، باستخدام أدوات تحليلية جديدة. فالضرر لجسم المُضيف هو مقياس بالإمكان استخدامه، وقد يكون ناجمًا عن الجرثومة، أو عن استجابة الجسم المضيف، أو عن كلتيهما، وبذلك يتم تسليط الضوء على التفاعل بين الجسم المضيف-الجرثومة6.

هناك حاجة إلى ابتكار أدوات جديدة لقياس الطيف الشامل لكافة الأضرار الناجمة عن التفاعل بين الأجسام المضيفة والجراثيم؛ والأضرار الالتهابية والكيميائية-الحيوية، وغيرها من صور الضرر الذي ينجم عن هذا التفاعل. ولا بد من تحفيز اكتشاف هذه الأدوات وتطويرها في حلقات جديدة، كجانب من مؤتمرات علمية، أو نشرات خاصة في المجلات العلمية، وموارد تمويلية مخصصة لهذا الغرض. وفي اعتقادنا أن تغييرًا كهذا في المنهج يمكنه أن يسهم في الكشف عن عديد من احتمالات الوقاية من الأمراض المعدية.

  1. Pirofski, L. A. & Casadevall, A. BMC Biol. 10, 6 (2012).

  2. Howden, B. P. et al. mBio 4, e00412-13 (2013).

  3. De Chiara, M. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 111, 54395444 (2014).

  4. Young, B. C. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, 45504555 (2012).

  5. Biron, C. A. & Casadevall, A. mBio 1, e00260-10 (2010).

  6. Casadevall, A. & Pirofski, L. A. Nature Rev. Microbiol. 1, 1724 (2003).