مستقبليات

ثلج وأزهار بيضاء

ذكرى عابرة.

ريبيكا بيرش
  • Published online:

Jacey


قالت ماريا، وهي تحرك أصبعًا تَحَوَّل إلى مخلب بفعل التهاب المفاصل على بتلة حمراء مخمليّة الملمس: «لطالما كنت أفضِّل الأزهار البيضاء». سقطت أشعة الشمس على خاتم زواجها؛ فألقت بقوس قزح مكسور على الوجه الأملس للشابة الجالسة على المقعد المقابل لها. كان تعبير وجه المرأة متحفِّظًا، ويداها مجموعتين في حجرها. كانت جاثمة على الحافة الخارجية للكرسي المغطى بنسيج قطني، وكأنها على أهبة الاستعداد للانطلاق بسرعة الصاروخ.

وانزلق قوس قزح عبر شفتيها المزمومتين.

تنهدت ماريا، ووضعت باقة الورود الحمراء على طاولتها الجانبية إلى جوار علبة الدواء المؤقَّتة رقميًّا. «إنه لطف منك أنْ أحضرت هذه الورود».

مالت الشابة إلى الوراء بعض الشيء. «قالت أمي إنك تحبين الورود».

«حقًا؟» تساءلت ماريا مستبشرة: «مَنْ أمك؟ هل أعرفها؟»

لاح عبوس عابر على حاجبي الشابة. «أمي هي سيجريد جونسون، ابنتك».

رمشت عينا ماريا. أين كانت سيجريد؟ آخر مرة رأتها... كانت تحفر بحثًا عن الديدان بالحديقة الخلفية. مرّ وقت طويل منذ أن تفقدتها ماريا، ولم تذكر الطفلة دومًا أن تنأى بجانبها عن الفاصوليا الخضراء والخس. سألت وهي تحاول الوصول إلى عكازها: «هلا سمحتي لي؟ أود أن أتأكد من أن سيجريد لا تقتلع الخضراوات».

لمست الشابة ظهر يد ماريا، وقالت: «انتظري. لقد وصلت توًّا. كل شيء على خير ما يرام بالخارج. رجاء، جدتي». ابتلعت ريقها، وأحكمت قبضتها بقدر أكبر بعض الشيء على يد جدتها. «لا بد أن نتكلم».

شعرت ماريا بغصّة شديدة في حلقها. استرقت نظرة على مُجمِّد الخلايا الخاص المستقر على رف المدفأة، الذي يعرض باقة الأزهار البيضاء لليلة زفافها. «هل يتعلق الأمر بهاري؟ هل وصلتكم أي أنباء عنه؟»

لم يكن لها قط أن تسمح له بالرحيل. قال لها آنذاك إنه بصدد القيام بمهمة استكشافية سريعة، وإنه سيعود بسرعة. كانت الأزهار البيضاء بالكاد قد بدأت في التبلور، ولم تكن ماريا تعرف حتى أنها كانت حبلى حين رحل.

قالت الشابة: «لا، يا جدتي. لم تردنا أي أنباء عنه. أريد أن أتحدث معك بخصوص الموضوع الذي ناقشناه آخر مرة زرتك فيها».

أكانت هنا من قبل؟ حدّقت ماريا بعينيها، بحثًا عن أي ملامح مألوفة في هذا الوجه الغضّ المحاط بضفائر باهتة. «أعذريني يا عزيزتي، لكن من الواضح أنني لا أستطيع أن أذكر اسمك».

ضغطت المرأة على عظم أنفها، وأغمضت عينيها؛ لتخفي بريقهما. «أنا مارجريت يا جدتي. وأريدك أن تحاولي التركيز».

تركيز. هكذا حاول علماء الحكومة تفسير الأمر. إنها ظاهرة لم يسبق أن لاحظها أحد من قبل في العدم الشاسع بين مداريْ المشتري وزحل، تُوَجِّه الأشعة الخافتة للشمس إلى دوامة. ليس بثقب أسود.. إنه شيء يتعذَّر تفسيره. أبلغت مركبة هاري الفضائية، المعروفة باسم كينيدي، عن إطلاقها مسبارات استكشافية، ومن بعدها لم يسمع أحدٌ من المركبة شيئًا قط.

لكنه سيعود. هكذا أقسم وهو إلى جوار الأزهار المغطاة بالثلج، التي كانت في انتظار أن يذوب الثلج من عليها، وأن تُنثر على قبريهما عندما يتجاوزا هذا العالم. جهاز توجيه العودة الخاص به، هكذا أطلق عليها. حجر المغناطيس خاصته.

«أتذكرين ما الذي تحدثنا عنه؟»

غالبت ماريا دموعها، إذ أغمضت عينيها، وحاولت أن تركِّز. تجشّمت هذه الفتاة اللطيفة عناء جلب الورود لها، وهي على الأقل تدين لها بجميل المحاولة. شعرت بأن اللمسة العابرة على ظهر يدها مألوفة، واستعادت ذكرى عابرة. الصوت الخفيض نفسه. الكلمات...

تنهدت ماريا قائلة: «أتريدين أن أرافقك إلى مكان بعيد عن هنا؟».

«نعم. حسنًا.. هذا صحيح».

فتحت ماريا عينيها. «لن أرحل».

قالت الشابة وهي تزيح ضفيرة من ضفيرتيها وراء أذنها: «أعرف أنك تشعرين براحة هنا يا جدتي، لكنني عُرض عليّ منصب جديد في حلقة مستعمرة المريخ، وهو المنصب الذي طالما حلمت به طوال حياتي. سأعمل على الأبحاث التي لم أفكر فيها حتى هنا على الأرض».

هزَّت ماريا رأسها، وهي تداعب شفتها السفلى.

«هناك منشآت رائعة هناك. وستكون لديهم القدرة جميعًا على رعايتك رعاية فائقة...».

قالت ماريا: «لا، سيجريد سعيدة هنا. وعندما يعود هاري، سيبحث عني هنا».

قالت الفتاة وهي تميل نحوها بقَدْر أكبر: «المريخ أقرب إلى المدار الشاذ». فمها تفوح منه رائحة القرفة، وغلبت رائحته على عبير الأزهار اللطيف. «وإذا كان هاري هناك يا جدتي، فستكونين أقرب له».

«قلت لك إنني لن أرحل. الآن رجاءً، ستعود سيجريد قريبًا، وستطلب غداءها». أشاحت ماريا بوجهها بإصرار وحسم.

تنهدت الشابة، وأمسكت بحقيبة يدها، ونهضت. «آمل أن تأتي بمحض إرادتك يا جدتي، لكن يجب أن تعرفي أن المحاكم جعلتني وصية قانونية عليكِ. ستأتين معي...».

حملقت ماريا في مُجَمِّد الخلايا الزخرفي، وتلاشى صوتها تدريجيًّا، حتى أمسى طنينًا خفيضًا يتهادى على حافة وَعْيها. من سطح الزجاج المنحني، رأت عيني هاري تحملق فيها منذ لحظة فَقْد المركبة «كينيدي» لأي اتصال بالأرض. بدت عيناه مختلفتين عن صورتهما في ذاكرتها. متى ظهرت تلك التجاعيد حول الحواف؟ لِمَ بدا حزينًا جدًّا هكذا؟

أَوْصَدَت الفتاة البابَ، الذي أصدر صوت ارتطام مكتوم.

جاهدت ماريا وهي تئن للوقوف متكئة على عكازها، وقطعت المسافة الفاصلة بينها وبين رَف المستوقد. لمست الزجاج المنحني أعلى حاجب زوجها مباشرة، وهمست: «أسرع بالعودة يا حبيبي. سنكون أنا وسيجريد في انتظارك».

لمعت دمعة في زاوية عينه، ولمست رموشه بشرة كفها؛ فأحست بنعومتها الملساء.

رن جرس علبة الدواء، والتفتت ماريا. فاحت من الغرفة رائحة الورود والقرفة. ابتلعت العجوز أقراصها، ثم لمست باقة الورد المجاورة لعلبة الدواء، متسائلة عن مصدرها.

ثم قالت: «لطالما كنتُ أُفضِّل الأزهار البيضاء».