تأبين

أليسون دوب (2014–1954)

الطبيبة النفسية وعالمة الأعصاب التي كشفت أن هناك صلة بين تغريد الطيور ولغات البشر.

  • توماس إنسيل
  • ستوري لانديس
  • Published online:

تشيع في عصرنا الذي يتسم بالتنوع في التخصصات العلمية، عبارة مؤداها أن المعرفة منتشرة وموجودة بشكل كبير، غير أنها توجد موزَّعة داخل أدمغة عديدة، وقد يحدث عرضيًّا أن توجد مجتمعةً في دماغ واحد يكون استثنائيًّا وغير عادي.

Courtesy of UCSF

 أليسون دوب: عالمة نظم الأعصاب، والأخصائية في علم أحياء الطيور، والمتخصصة في الطب النفسي الإكلينيكي، قامت بتجميع وجهات نظر عديدة؛ لتمنحنا فهمًا جديدًا لتغريد الطيور، ومن ثم لعملية الكلام عند البشر. فبالعمل بشكل موسع داخل مختبرات الطيور، وفي عيادات طبية إكلينيكية، استطاعت الكشف عن الكيفية التي تتعلم بها الطيور أغنياتها، ثم قامت باستخدام تلك المعرفة لتطرح فكرة عن الأساس العصبي لتعلم مهارات حركية متعددة، بما في ذلك عملية الكلام عند الإنسان.

نشأت دوب ـ التي وافتها المنية على أثر معاناتها من مرض السرطان في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر الماضي - في مدينة مونتريال الكندية، وتلقَّت تعليمها هناك، ثم ذهبت لتكمل دراستها في جامعة هارفارد في كمبريدج، في ولاية ماساتشوستس، حيث حصلت على درجة الدكتوراة في علم الأعصاب، كما حصلت ـ في وقت متزامن ـ على شهادة في الطب. وقد تابعت دوب دراستها للعلوم والطب معًا أثناء معيشتها على الساحل الغربي الأمريكي، وتلقَّت تدريبًا في الطب النفسي في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجيليس، ثم أتمت منحة دراسية مدتها خمس سنوات في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا ـ بعد إتمامها لدرجة الكتوراة - مع عالم أعصاب الطيور مارك كونيشي. وقد كانت تلك المنحة سببًا لاهتمامها بتغريد الطيور.

أصبح عِلْم أعصاب الطيور مجالًا مثيرًا في نهاية الثمانينات. فالدراسات التي احتوت نتائج توصَّل إليها الباحثون عن طريق تسجيل إشارات من مناطق مختلفة في دماغ الطائر، أو عن طريق تشريحها، كشفت عن التراكيب المشارِكة بشكل كبيرفي تعلُّم الغناء. فقد وُجد أن مجموعة بعينها من الخلايا العصبية المتصلة بالأحبال الصوتية هي التي تتحكم في إنتاج الأغنية. كما وُجد أن عملية تعلُّم الغناء تعتمد على شبكة معقدة موجودة في مناطق متخصصة داخل منطقة الدماغ الأمامية، بما في ذلك مراكز السمع والتحكم الحركي، التي تكوِّن الدائرة الحسية الحركية. ومن المعروف لدى علماء الأعصاب أن عملية تعلم الغناء تحدث في الفترات الأولى الفاصلة من حياة الطائر، وتتم عن طريق محاكاة طائر آخر، غالبًا ما يكون أحد الوالدين.

أدَّى التشابه بين عملية الغناء عند الطيور والكلام عند الإنسان إلى إثارة اهتمام دوب، حيث اعتَمد تعلُّم خلق مهارات التواصل الطبيعية عند كل من الإنسان والطيور على المحاكاة، بالإضافة إلى التغذية السمعية المرتجعة، وهو ما لا يحدث في أصناف حيوانية أخرى. في ورقة بحثية صدرت في عام 1999 ـ تُعتبر أساسية في هذا المجال الآن ـ بالتعاون مع عالمة اللغة باتريشيا كول، قامت دوب بطرح أسئلة ديناميكية على مجموعة تعمل في بَحْث يدرس عملية الكلام عند الإنسان، كانت قد أثيرت في دراسة أُجريت لفهم عملية الغناء عند الطيور. ( A. J. Doupe and P. K. Kuhl Ann. Rev. Neurosci. 22 ،567–631; 1999). وقد أسهمت تلك الورقة البحثية في دراسة عملية التواصل في كل من الطيور والإنسان لعقد لاحق، بيد أنه ظلت هناك مشكلة واحدة تنتظر الحل، ألا وهي الكيفية التي تُطابِق بها صغار الطيور والإنسان ما تسمعه من مثيلاتها الأكبر سنًّا مع ما تصدره من أصوات عندما تكبر وتصبح ذات قدرة على إصدار صوت. أثارت نظرية النموذج السمعي اهتمام دوب أثناء تلقِّيها المنحة الدراسية. وتشير النظرية إلى أن صغار الطيور تُكَوِّن ذاكرة سمعية للأصوات التي تسمعها من الكبار، رغم عدم قدرتها على إصدارها في ذلك العمر. فالطيور، كالإنسان، تقوم بالتمرن على إصدار الصوت، إلى أن يتطابق مع النموذج السمعي المختزَن للصوت في المخ.

بتسجيل إشارات عصبية صادرة عن الخلايا العصبية، كل على حدة، وجدت دوب أن الأغنيات المتعلَّمة من كبار الطيور تتمثل داخل مسارات عصبية حسية حركية في صغار الطيور، تُعرف بمسارات مقدمة الدماغ الأمامي. في تلك الشبكة العصبية، استطاعت دوب اكتشاف خلايا عصبية تقوم بالاستجابة النوعية لأغنية الطائر الصغير، في حين لا تستجيب لأغنية الطائر المعلّم. وقد ألمحت دوب وتلاميذها إلى أنه أثناء ممارسة صغار الطيور مرانها على أغنياتها، كانت الإشارات العصبية المرسلة إلى المسارات الحركية تتم مقارنتها بتدفق عصبي موازٍ، يتم إرساله عبر مسارات تعلم الأغنية، التي يختزن فيها نموذج الأغنية التي تم تَعَلُّمها من الطيور اليافعة. ورغم أن نموذج «النسخة الصادرة» هذا ما زال نظريًّا، إلا أنه أثبت فائدته في تَفَهُّم النشاط الحادث في المخ أثناء عملية التعلم عامةً، بما في ذلك تَعَلُّم القدرة على الكلام في الإنسان.

أدَّت خبرة دوب الإكلينيكية - بالإضافة إلى قيامها بالبحث المتعلق بعملية تعلم الغناء عند الطيور - إلى طرح مفاهيم متعلقة بالسياق الاجتماعي. فقد تمكنت ـ بالتعاون مع تلاميذها ـ من شرح الكيفية التي تُحدِث بها مقدمة المخ الأمامي للطيور المغردة تغيُّرات في الأداء، تقوم بها الطيور بغرض تحسين أدائها، في حين تتيح للطائر أن يؤدي أداءً نمطيًّا عندما يكون هناك طير محتمَل للتزاوج. أسهَم نموذج غناء الطيور هذا في فَهْم أوجه عديدة لتحكم الجهاز الحسي الحركي وتطوره في الإنسان، بما في ذلك أهمية التغييرات الجينية التي تتيح التعلُّم. وقد قام كثيرون بمقارنة مسار مقدمة المخ الأمامي في الطيور المغردة بنظام العُقَد القاعدية القشرية في الإنسان، وهي المنطقة المسؤولة عن تعلُّم المهارات التي تتحول إلى عادات، مثل قيادة السيارات، والطباعة، والمشي.

كانت أليسون متحمِّسة للتعلم والتطور في حياتها، مثلما كانت في دراستها. فقد كان ولاؤها لتوأميها اللذين بلغا العاشرة من عمرهما، مثلما كان ولاؤها للكثير من تلاميذها ولأساتذتها ومرضاها، ولاءً أسطوريًّا. وسيبقي عملها بتوجيه من أُسْرَتها العلمية المتمثلة في زوجها ومعاونها مايكل برينارد. رغم ذلك.. ستتأثر كفاءة كل مَنْ عمل معها، وعرف قيمة توجيهها، بلا شك.