تحقيق إخباري

دول نامية: الفيزياء للجميــع

أُنشئ المركز الدولي للفيزياء النظرية لبَذْر العِلْم في العالَم النامي. ولا يزال مستمرًا في النمو، بعد استفادة أكثر من 100 ألف باحث منه.

كاتيا موسكفيتش
  • Published online:

يغطي الغُبار كل شيء في كاتماندو كعباءة، ويضع طبقة قذرة على الشوارع، كأنها سجاد. ترتدي النساء اللاتي يقطعن حشائش بارتفاع الخصر أقنعة الوجه؛ لإبعاده عنها، ليستقر في النهاية على المباني المتداعية لجامعة تريبهوفان (TU)، أكبر مؤسسة علمية في نيبال. بيد أن نارايان أديكاري استطاع البقاء نظيفًا، إذ يُوقِف دراجته النارية ـ مرتديًا قميصًا أبيض ناصعًا، وبنطلونًا أسود ـ بجانب مجموعة من 20 دراجة نارية أخرى متراصّة بصورة عشوائية أمام مبنى مكوَّن من ثلاثة طوابق، هو قسم الفيزياء في الجامعة. وقبل أن يدخل مختبره الصغير، يقوم الباحث ـ البالغ من العمر 44 عامًا ـ بخلع حذائه؛ لإبقاء التراب خارجًا. في المختبر، يوجد 12 جهاز كمبيوتر، تلقّتها الإدارة في عام 2009. وقبل ذلك.. لم يكن هناك أي شيء. انقطاع الكهرباء يحدث كل يوم، ويدوم لمدة قد تصل إلى 16 ساعة، والإنترنت «ربما يعمل يومًا واحدًا في الشهر» كما يقول أديكاري.

ورغم ذلك.. ينتج أديكاري وتلامذته تيارًا من الأبحاث العلمية في الفيزياء النظرية منذ ثماني سنوات عن خصائص مواد، مثل الجرافين ذي السُمْك الذري. إنّ إنجازًا بهذا الحجم لمُختبر فيزياء في نيبال يُعَدّ نادرًا، إن لم يكن فريدًا من نوعه. وتساعد إسهامات أديكاري كذلك على بناء قسمه ككل؛ عن طريق زيادة عدد طلاب الدكتوراة الذين يتدربون هناك، حيث يقول: «القيام بالفيزياء في بلد مثل نيبال هو تحدٍّ حقيقي».

تضرب إنجازات أديكاري بجذورها فيما هو أعمق من تصميمه وذكائه؛ حيث إنها تعتمد أيضًا على دعم من المركز الدولي للفيزياء النظرية (منظمة تبعُد قارة كاملة عن نيبال، وتقع في المدينة الساحلية الإيطالية الخلّابة تريستي). أُنشئت المنظمة في عام 1964 عن طريق الفيزيائي الباكستاني «عبد السلام» الحائز على جائزة نوبل، والفيزيائي الإيطالي «باولو بودينيك»، وذلك بهدف النهوض بالفيزياء النظرية في العالم النامي. أراد عبد السلام ـ الذي توُفيّ في عام 1996 ـ للمركز أن يكون «وطنًا بعيدًا عن الوطن» للباحثين من أفقر مناطق العالم. كان يأمل أن يقوم الخريجون ـ بعد اجتيازهم لبرامج البحوث والتدريب في المركز ـ بإنشاء مجتمعات علمية في بلدانهم الأصلية، بدلاً من الاستقرار في الخارج كما فعل الكثير من العلماء. يُعدّ أديكاري، الذي أتم برنامج دبلومة العام الواحد للدراسات العليا بالمركز في عام 1998، أحد قصص نجاح المعهد.


الوصول العالمي

أديكاري ليس الوحيد.. فعبر الخمسين عامًا الماضية منذ تأسيسه، قام المركز بتدريب أكثر من 100,000 عالِم من 188 دولة، وذلك من خلال ورشات العمل والدورات التدريبية. أسهم الباحثون الذين درسوا هناك في اكتشافات محورية في مجالات تتراوح ما بين نظرية الأوتار وفيزياء النيوترينو إلى تغيُّر المناخ، كما حققوا العشرات من الجوائز الأكاديمية، بما في ذلك نصيب من جائزتي «نوبل». معظم الفيزيائيين يُرجِعون الفضل إلى المعهد في تحجيم هجرة العقول، وتدعيم الأكاديميا في العالم النامي. يقول مارتن ريس ـ عالِم فيزياء فلكية بجامعة كمبريدج، بريطانيا، والرئيس السابق للجمعية الملكية بلندن ـ إن «الإعجاب بالمعهد منتشر على نطاق واسع»، وهو يأمل أن «يُلهِم بإنشاء مؤسسات مماثلة تغطي الميادين العلمية الأخرى».

تطوَّر «المركز الدولي للفيزياء النظرية» كثيرًا. فما بدأ كمشروع صغير يركز بصورة ضيقة على تخصص عبد السلام ـ فيزياء الطاقة العالية ـ تحوَّل فيما بعد إلى برنامج أوسع نطاقًا. في عام 1998، قام المعهد بتوسيع تخصصاته، لتشمل الرياضيات، وفيزياء نُظم الأرض، بما في ذلك المناخ والجيوفيزياء. وفي عام 2014 أضاف علوم الحياة الكمّية. ولا يزال المعهد في تغيُّر مستمر. وفي العامين الماضيين، افتتحت فروع ملحَقة له في البرازيل، والمكسيك، وتركيا، وحاليًّا يقوم بإنشاء فروع في رواندا والصين، ويجري النظر حاليًّا في خطط للتوسع في المزيد من البلدان والتخصصات.

<p>نارايان أديكاري (في المنتصف، يرتدي قميصًا لونه أزرق فاتح، وبنطلونًا أسود) مع طلاب من قسم الفيزياء في جامعة تريبهوفان.</p>

نارايان أديكاري (في المنتصف، يرتدي قميصًا لونه أزرق فاتح، وبنطلونًا أسود) مع طلاب من قسم الفيزياء في جامعة تريبهوفان.

Katia Moskvitch


هذا.. وهناك بعض القلق بشأن مستقبل المركز. فالحكومة الإيطالية ـ الموفِّر الرئيس لتمويل المركز ـ بدأت تُبدي عدم استعدادها للاستمرار في تحمُّل معظم التكاليف، كما أن هناك علماء قلقون مِن أن يؤدي التوسع إلى تدهور جودة البحوث التي يقدمها المركز. يقول كريس ليويلين سميث، عالم الفيزياء النظرية بجامعة أكسفورد، بريطانيا، ورئيس سابق لسيرن (مختبر فيزياء الجسيمات في أوروبا قرب جنيف، سويسرا): «في السنوات القليلة الماضية بدأ المركز الدولي للفيزياء النظرية عديدًا من الأشياء. وإذا حاولوا الاضطلاع بالمزيد وكانوا طموحين جدًّا بشأن الأفكار الجديدة، فقد يفلت ما يملكونه بالفعل من بين أيديهم».


طفل فضولي

قد يكون أديكاري مُمثلًا مثاليًّا للمركز الدولي للفيزياء النظرية. وُلد أديكاري لمزارعين في قرية بالقرب من بوخارا، ثاني أكبر مدن نيبال، وهو الأصغر بين ستة أشقاء، وقد نشأ مع مصابيح زيت البارافين، وبدون مياه جارية في المنزل. كان والده متعلمًا، لكن والدته لم تكن كذلك، وكلاهما كان يدعم رغبته في الدراسة. يقول: «لديَّ فضول جارف بخصوص كشف أسرار الطبيعة، ولهذا السبب.. أحب الفيزياء». عمل أديكاري كمدرس لمدة ثلاث سنوات؛ لكسب ما يكفي من المال من أجل الدراسة في جامعة تريبهوفان.

في عام 1996، وبعد أن أكمل درجتي البكالوريوس والماجستير في الفيزياء، فاز أديكاري بمكان في برنامج دبلومة المركز الدولي للفيزياء النظرية. عندما سافر إلى تريستي كان عمره 27 عامًا، وقد شعر حينها كما لو أنه هبط على كوكب آخر. يقول: «لقد كُنت مُنبهرًا بالعالم الغربي. لم يكُن هناك غبار في الهواء!» قابل أديكاري العديد من الحائزين على جائزة نوبل، وغيرهم من الفيزيائيين المتميزين ممن أتوا إلى المركز من أجل التعاون والتدريس.

بعد الانتهاء من الدبلومة، قام أديكاري بعمل الدكتوراة في موضوع محاكاة سلوك البوليمرات والمواد الأخرى، وذلك بجامعة مارتن لوثر في هالِه-فيتنبرج، ألمانيا، وأعقب ذلك عددًا من دراسات ما بعد الدكتوراة في الولايات المُتحدة وألمانيا. تقول زوجته سابيترا: «لقد كانت حياتنا جيدة، وكانت لدينا مياه شُرب نظيفة، لكن في أحد الأيام قال لي نارايان: علينا العودة». لطالما شعر أديكارى بشدة أنه يريد استخدام علمه «لجعل نيبال مكاناً أفضل»، كما يقول. وقد تَعَزَّزَ لديه هذا الهدف أثناء دبلومته في المركز الدولي للفيزياء.

بَنَتْ جامعة تريبهوفان في كاتماندو قسمَ الفيزياء بدعم من المركز الدولي للفيزياء النظرية.

بَنَتْ جامعة تريبهوفان في كاتماندو قسمَ الفيزياء بدعم من المركز الدولي للفيزياء النظرية.

Central Dept of Physics, Tribhuvan Univ.


عندما التحق أديكاري بجامعة تريبهوفان في عام 2006، أجمع أمره على بناء مجموعتة البحثية. لم تكُن لديه مشكلة في إيجاد طلبة على القدر الكافي من الاستعداد. وما لم يكن يملكه كان الكتب، والإنترنت، وإمدادات كهرباء جيدة، وأيّ معدات أخرى. أدّى هذا إلى استبعاد الفيزياء التجريبية، لكن سُمح له بمواصلة عمله النظري، عن طريق شراء مجموعة أجهزة كمبيوتر مكتبية بتمويل من المركز الدولي للفيزياء النظرية.

لم يمض الكثير من الوقت، حتى شرع أديكارى بنشر دراساته، التي قامت بنمذجة خصائص مواد، تبدأ من المياه إلى البوليمرات والمواد الصلبة مثل الجرافين. في العامين الماضيين على سبيل المثال، استكشف الطريقة التي يمكن من خلالها استخدام الجرافين في تخزين الطاقة، عن طريق تزيينه بفلز1,2 وهي دراسة قُدّر أنها استغرقت ثلاثة أضعاف الوقت الذي كانت لتستغرقه إنْ تمت في الغرب، وذلك بسبب انقطاع التيار الكهربي الذي يوقف العمل بصورة روتينية. يقول أديكاري: «كانت الظروف صعبة جدًّا، لدرجة أنني كنت أخشى في بعض الأحيان عدم تحقيق أي شيء أبدًا في كاتماندو، لكنني ظللت أفكر في أنه يجب عليَّ الاستمرار، لأن تطوير العلوم في نيبال أمر عظيم». في ذلك الوقت، كان هناك عدد قليل من علماء جامعة تريبهوفان ينشرون في دوريات دولية بصورة منتظمة، لكن حماس أديكاري تسرَّب إلى باقي قسمه. في الأربعين عامًا التي سبقت 2006، أكمل أربعة طلاب فقط الدكتوراة هناك؛ إذ عادةً ما يتوجه الخريجون الطموحون إلى أوروبا أو الولايات المتحدة. ومنذ انضمام أديكاري، تم قبول 22 طالبًا في برنامج الدكتوراة، كما أن الباحثين الآخرين نشروا أكثر أيضًا. يقول بينيل أريال، رئيس قسم الفيزياء في الجامعة: «ما ساعدنا على تحقيقه استثنائي حقًّا».


الاستفادة الأوسع

هل تحتاج نيبال إلى قسم للفيزياء النظرية؟ فرغم كل شيء، لدى هذه البلاد قضايا مُلِحَّة أكثر: سكانها يعانون من سوء التغذية، وبنيتها التحتية تتهالك، وجودة الهواء فيها تُصنَّف بين الأسوأ في العالم. يقول جانيش شاه، وزير العلوم في نيبال بين عامي 2008 و2009: «في البلدان النامية، مثل نيبال، لا تخصِّص الحكومة ميزانية كافية للأبحاث والتطوير، بسبب وجود مشكلات أكثر إلحاحًا وأولوية».

كبر الصورة

Source: ICTP

وفي الوقت نفسه، يتفق شاه وأديكاري على أن بناء القدرات الفكرية للبلاد سيدفع بتنميتها الاقتصادية. يقول شاه: «الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا والابتكار مطلوب من أجل خلق الوظائف، والحدّ من الفقر، ولتحسين مستويات المعيشة للناس». عندما كان وزيرًا للعلوم، حاول شاه تخصيص المزيد من التمويل للأبحاث الأساسية، ولكن بنجاح محدود. استثمرت الحكومة النيبالية %0.3 من إجمالي ناتجها المحلي في الأبحاث والتطوير عام 2010، مشابِهَة في ذلك غيرها من البلدان النامية في جنوب آسيا، لكن أقل بكثير من نسبة الـ%2 التي استثمرتها الصين. يشير شاه أيضًا إلى أن الفيزياء النظرية أسهل بكثير وأرخص في الإعداد من بعض المجالات العلمية الأخرى.

ورغم أن أديكاري يتلقى راتبه من الجامعة، إلا أنه لا يزال يتلقى بعض الدعم من المركز الدولي للفيزياء النظرية. وحتى هذا العام، كان على طلابه الطيران إلى مرافق الحوسبة في كالكوتا، الهند، في كل مرة يرغبون فيها القيام بعمليات حسابية معقدة، ولكن ليس بعد الآن، إذ يعرض جوبي كافل، أحد طلاب أديكاري للدكتوراة، بكل فخر جهاز كمبيوتر بحجم صندوق الأحذية، ويقول: «يمكن للجهاز إجراء العمليات الحسابية بصورة أسرع حوالي عشر مرات من الآلات التي كنا نمتلكها من قبل». ولأن الحسابات على الكمبيوتر الجديد يجب أن تتم بدون مُقاطعة، موَّل المركز الدولي للفيزياء النظرية أيضًا لوحًا شمسيًّا على سطح القسم؛ للتعامل مع انقطاع التيار الكهربي في نيبال.

في العام الماضي، قرر أديكارى أنه يريد التوسع إلى تجارب منضدية بسيطة نسبيًّا في مجال المواد النانوية، ويقول: «يجب أن نتمكن من القيام بالتجارب؛ هذه هي الخطوة القادمة». في محاولة منه للتفاوض بشأن التمويل، عاد إلى المركز الدولي للفيزياء النظرية. وقد وصل إلى المقر الرئيس في تريستي في أواخر سبتمبر، تمامًا في الوقت نفسه الذي كان يستعد فيه المركز للاحتفال بعيد ميلاده الخمسين.


تحطيم الحواجز

زُرعت بذور المركز الدولي للفيزياء النظرية بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أيّد فيزيائيون ـ من بينهم ألبرت آينشتاين، وروبرت أوبنهايمر، ونيلز بور ـ مفهومًا لمركز مدعوم من الأمم المتحدة، يهدف إلى الترويج للبحوث السلمية في مجال الفيزياء النووية. في البداية، أدّى ذلك إلى إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، لكن بالنسبة إلى عبد السلام، عبقري العلم الباكستاني، الذي أصبح أستاذًا للفيزياء في إمبريال كوليدج لندن في سن الـ31، لم يكن هذا كافيًا.

في المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1960، عرض عبد السلام الخطوط العريضة لفكرته عن مُنظمة تدعمها الوكالة بغرض الترويج لأبحاث الفيزياء النظرية في العالم النامي، ومن أجل بناء جسر بين الشرق والغرب خلال الحرب الباردة. كان من بين الحاضرين باولو بودينيك، رئيس قسم الفيزياء في جامعة تريستي، الذي كان يشاركه الحلم نفسه. في البداية واجه الرجلان مقاومة لفكرة بناء مركز جديد؛ حيث جادل النقّاد بأنه سيكون من الأسهل والأرخص للفيزيائيين في العالم النامي زيارة المختبرات الموجودة بالفعل في العالم المتقدم، لكن عبد السلام وبودينيك فازا في النهاية، ولم يمض الكثير من الوقت، حتى كانا قد أمّنا دعمًا ماليًّا من الحكومة الإيطالية، ودعمًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة). اختار الرجلان أن يقع المركز في تريستي، لما لها من رمزية سياسية؛ حيث كانت تقع مباشرة بجانب الستار الحديدي الذي فصل الشرق عن الغرب.

عندما افتُتِح المعهد في عام 1964، أنشأ لنفسه سريعًا سُمعة كمكان رفيع المستوى للأبحاث والتدريب، يرحب بالعلماء من جانبي الستار الحديدي، وما هو أبعد من ذلك. كان المركز يُقدم في الأساس منحًا للعلماء، تتراوح مددها بين شهرين وثلاثة أشهر؛ للعمل في تريستي. يقول عبد الكريم عودية ـ جيوفيزيائي جزائري يعمل هناك ـ إن المركز «كان بمثابة مصدر للأكسجين بالنسبة إلى علماء العالم الثالث».

حتى في أيام المعهد الأولى، عمل به الكثير من الحائزين على جائزة نوبل كأساتذة زائرين. وعندما تقاسم عبد السلام جائزة نوبل مع شيلدون جلاشو وستيفن فاينبرج عام 1979، وذلك عن عملهم في توحيد الكهرومغنطيسية والقوة النووية الضعيفة؛ ارتفعت مكانة المنظمة بصورة هائلة. مسح أحمد عبد السلام دموعه ـ وهو مصرفي استثماري في إي ام إي كابيتال EME Capital بلندن ـ وهو يتحدث في احتفالات الذكرى السنوية، بينما أخذ يتذكر التضحيات التي قام بها والده وقت إنشاء المركز، ليس أقلّها قضاء القليل من الوقت مع أولاده. يقول أحمد: «كانت لديه مهمة أكبر في الحياة».

اليوم، يزور المركز كل عام حوالي 2,500 عالِم من العالَم النامي. حوالي 50 من هؤلاء يلتحقون بدبلومة العام الواحد التي يقدمها المركز، وهي بمثابة برنامج تعليمي مكثف لمرحلة ما قبل الدكتوراة، يقوم على تدريسه نخبة من الخبراء حول العالم. و(المعهد يحدد الطلاب من خلال عملية تقديم اعتيادية، ومن خلال توصيات الباحثين والمدرسين). وكثير من البقية ـ بما في ذلك أديكاري ـ هم جزء من برنامج المشاركين، الذي يساعد علماء البلدان النامية على القيام بزيارات دورية للمركز، بغرض التعارف الاحترافي، وتحديث مهاراتهم. يقول المرتبطون بالمعهد إن ما يجعله ناجحًا هو تركيزه على رعاية العلماء الموهوبين، وإبقاؤهم على اتصال بالمجتمع الدولي، مع تشجيعهم على مواصلة البحث في بلدانهم الأصلية في الوقت نفسه.


اكتساب العقول

يقول فرناندو كيفيدو، مدير المركز الدولي للفيزياء النظرية، إن هذه الطريقة جيدة. فثلاثة أرباع الطلاب الذين أكملوا برنامج الدبلومة حصلوا على درجات الدكتوراة، أو في طريقهم للحصول عليها، وأكثر من نصف أولئك الذين أكملوها يعودون لبلادهم (انظر: «الاستمرار في العلوم»). أكثر من %90 من المشاركين يبقون في بلادهم طوال حياتهم الوظيفية، وينتهي المطاف بالبعض في الخارج لا محالة، لكن حتى في هذه الحالات، يزعم المركز غالبًا النجاح. أحد رواد نظرية الأوتار في العالم، الأرجنتيني خوان مالداسينا، الذي يعمل في معهد الدراسات المتقدمة في برنستون، نيو جيرسي، يُرجِع الفضل في إنجازاته جزئيًّا إلى المركز، وذلك بسبب التدريب الذي تلَقّاه هو ومشرفه على الماجستير هناك.

ومع ذلك.. لم تكُن رحلة المركز الدولي للفيزياء النظرية سلسة على طول الخط. يقول ديفيد جروس، أحد مُنظّري الأوتار في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، الذي غالبًا ما يزور المعهد: «عندما توفي عبد السلام، احتاج المركز الدولي للفيزياء النظرية فترة للتعافي من موت مؤسِّسه، لكنهم استطاعوا تنظيم الأمر». كان من الصعب أيضًا الحفاظ على تدفق المال، لا سيما في ضوء نمو المعهد نحو مجالات جديدة.

عبد السلام، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، قام بعمل حملة لإنشاء مركز لدعم الفيزياء في العالم النامي.

عبد السلام، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، قام بعمل حملة لإنشاء مركز لدعم الفيزياء في العالم النامي.

PA Archive/Press Association Images


والفروع التي يفتتحها المركز، والتي يتم دعمها بصورة رئيسة عن طريق البلدان المُضيفة، مصمَّمة لتحسين التعليم في مرحلة الدراسات العليا في الفيزياء والرياضيات، فضلًا عن إجراء البحوث والتدريب في الموضوعات التي تخدم المصالح الإقليمية ونقاط القوة. على سبيل المثال.. المركز الموجود في ساو باولو بالبرازيل يركّز على النظرية البحتة، بينما المركز الموجود في تشياباس بالمكسيك يشتمل على المناخ والطاقة المتجددة. يقول كيفيدو إنه عندما يتعلق الأمر بالمزيد من التوسع، فإن المعهد يهتم بالكيف فوق الكَمّ، ولذا.. فإنه يقيِّم كل مقترح بدقة. وجعل المعهد توظيف عدد أكبر من النساء في برامجه أولوية. ومنذ عام 2001، كان متوسط نسبة الإناث من العلماء اللاتي يدرسن أو يَزُرْن حرم المركز %20، لكن في برنامج دبلومة 2013-2014 كان التوازن أفضل، حيث شكلت النساء نصف عدد المشاركين.

كل هذه النشاطات تستهلك مالًا بالطبع. ولا زالت الحكومة الإيطالية تغطي حوالي %80 من ميزانية مركز تريستي السنوية، التي تبلغ ما يقرب من 30 مليون يورو (37 مليون دولار)، مع توفير الوكالة الدولية للطاقة الذرية واليونسكو لجانب كبير من الجزء الباقي. و(اليونسكو مسؤولة أيضًا عن إدارة المركز منذ عام 1996). يقول جروس: «تستحق إيطاليا الكثير من الإطراء لبقائها مع المركز على مر السنين، رغم كل أزماتها المالية»، لكن الحكومة حريصة على أن يجد المركز مصادر جديدة للتمويل، ولهذا أنشأ المركز في عام 2013 مكتبًا مخصصًا لهذا الغرض. مع وجود عديد من طلبات التقديم لكل فُرصة تدريب متاحة، «فإن التحدي الرئيس هو جذب التمويل؛ من أجل التمكن من تمويل المزيد من الطلاب»، كما يقول كيفيدو. كان على المركز أيضًا أن يتكيف مع التغيرات الجغرافية-السياسية. فعندما بدأ، حين كان من المهم سد الفجوة بين الشرق والغرب، وفّر المعهد أرضًا محايدة للفيزيائيين السوفيت والأمريكان. أما اليوم، فإن الجسور تُبنى بين الدول المتقدمة في شمال الكرة الأرضية وبين الدول الأكثر فقرًا، أو المنعزلة سياسيًّا في أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وجنوب آسيا. على سبيل المثال.. يقول باولو كريمينيلي ـ عالِم في مجال علوم الكون ـ أن المركز يُعَدّ واحدًا من الأماكن القليلة جدًا التي ساعدت العلماء من كوريا الشمالية على مُقابلة باحثين آخرين، والدراسة معهم. فـ«هؤلاء الباحثون يمثلون حلقة الوصل بين كوريا الشمالية وبقية العالم».

في أماكن أخرى، تم بناء عديد من المؤسسات الأخرى بالاعتماد على نموذج المركز الدولي للفيزياء النظرية، بما في ذلك المركز الدولي للفيزياء (CIF) في بوجوتا، الذي يدعم أبحاث الفيزياء في كولومبيا والبلدان المحيطة بها منذ إنشائه في عام 1985. يقول تورستن فيزل، الرئيس الفخري لجامعة روكفلر بنيويورك ـ الذي عمل على النهوض بعلوم العالم النامي ـ إن هناك حاجة كبيرة إلى برامج من النوعية التي يقدمها المركز في العلوم الطبيعية والهندسة وغيرها من العلوم التقنية، «العالم يحتاج إلى المزيد من البرامج التي تَعْبُر الحدود؛ لتصل إلى البلاد التي تحتاجها».

بعض الباحثين يجادلون بأن المركز نفسه ينبغي أن يذهب إلى ما هو أبعد. تقول إيستِل مايفا إيناك، فيزيائية في مجال المواد المُكثفة من الكاميرون، تعمل في المركز، إنه ينبغي عليه «تطوير خطط بحثية وبرامج مع تطبيقات مباشرة ومحددة ووثيقة الصلة بالهندسة والصناعة والطب في العالم النامي». يقول كيفيدو إن المركز على علم بهذه الحاجة، وإنها أحد الأسباب وراء توسعه في تخصصات أكثر تطبيقًا، كما يشير أيضًا إلى برنامج مشهور في ريادة الأعمال للفيزيائيين، يديره المركز الدولي للفيزياء النظرية بالتعاون مع مؤسسات شريكة حول العالم، «لكن مهمتنا الأساسية هي الترويج للتميز في العلوم في الدول النامية، وينبغي أن نستمر في الإخلاص لهذا الأمر».

ورغم كل شيء، هذا هو ما أوصل المركز إلى وضعه الحالي. يقول كيفيدو: «التحدي الأول لأي مؤسسة هو البقاء، ولقد استطاع المركز الدولي للفيزياء النظرية البقاء لخمسين عامًا».


العودة إلى الوطن

انتهت احتفالات الذكرى السنوية، وهاهو أديكاري يتصل بطلابه هاتفيًّا، بينما يستعد لمغادرة تريستي. لقد كانت تمطر بكثافة في نيبال، الأمر الذي جعل الألواح الشمسية بلا فائدة، وجعل العمل أكثر صعوبة بالنسبة لكافل، الذي يستعد للدفاع عن أطروحته للدكتوراة في غضون بضعة أسابيع، لكن أديكاري لم يكن مُتضايقًا.. فلقد استُقبل مقترحه بشأن تجارب الفيزياء المنضدية بصورة جيدة، والآن تجري مناقشات في المركز لتحديد إمكانية الحصول على التمويل الذي يريده. يقول أديكاري: «أنا أدين بالكثير للمنظمة»، كما أنه يشعر بالتفاؤل حيال أن العلم سيروق لطلبة متميزين آخرين في نيبال. يريد أديكاري أن يرى الأطفال في القرى يقومون بحل الواجبات المنزلية على أجهزة الكمبيوتر، في غُرَف مضاءة بمصابيح كهربية، بدلًا من مصابيح النفط التي استخدمها ذات مرة، «آمل أن يتمكن طلابنا في نيبال يومًا ما من إيجاد إجابات لبعض المشكلات الكبيرة حقًّا في الفيزياء».

ليس هناك سبب قد يمنع حدوث ذلك، حيث إن هناك فيض من المواهب على مستوى العالم ينتظر فقط أن تتم الاستفادة منه، على حد قول جروس، الذي يضيف: «العقول الجيدة في كل مكان، وتقريبًا في النسبة نفسها من السكان، طالما حصلت على فرصة».

  1. Pantha, N., Belbase, K. & Adhikari, N. P. Appl. Nanosci. http://dx.doi.org/10.1007/s13204-014-0329-y (2014).

  2. Oli, B. D., Bhattarai, C., Nepal, B. & Adhikari, N. P. Adv. Nanomater. Nanotechnol. 143, 515529 (2013).