أخبار

64 ساعة من الإبحار العلمي لـ"فيلّة"

مسبار فيلة يدخل في وضع السُّبات، لكنه بدَّل فهْمنا بالفعل لهذه الأجسام.

إليزابيث جيبني
  • Published online:

<p>أول صورة من على سطح مُذَنَّب، التُقطت بواسطة المسبار الخاص بوكالة الفضاء الأوروبية، بعد أن نجح في الهبوط على 67P/شيروموف-جيراسيمنكو.</p>

أول صورة من على سطح مُذَنَّب، التُقطت بواسطة المسبار الخاص بوكالة الفضاء الأوروبية، بعد أن نجح في الهبوط على 67P/شيروموف-جيراسيمنكو.

ESA/Rosetta/Philae/CIVA


يقول هولجر سِيركِز، المسؤول الرئيس للكاميرا "أوزوريس" (OSIRIS)، الخاصة بمركبة الفضاء "روزيتا": "أشعر بالقشعريرة عندما أتحدث بشأن هذه الصورة"، مشيرًا إلى صورة لدعامة معدنية لروبوت بجانب السطح المشقَّق للمُذَنَّب شيروموف-جيراسيمنكو، ويتابع بقوله: "إنها أعظم صورة في حياتي".

لقد حققت وكالة الفضاء الأوروبية انتصارًا تاريخيًّا يوم 12 نوفمبر 2014 حينما هبط المسبار "فيلة" ذو الثلاث دعامات على شيروموف-جيراسيمنكو، الذي يبلغ قطره 4 كيلومترات، ويسافر بسرعة أكثر من 60,000 كيلومتر في الساعة. تبلغ المسافة الحالية للمُذَنَّب من الأرض 514 مليون كيلومتر. وقد ظل هناك تخوُّف لمدة ثلاث أيام بشأن مستوى الطاقة الخاصة بالمسبار، بعد هبوطه الممزوج بنشوة النجاح، حينما وصل المسبار إلى منطقة تكاد تكون مجرَّدة من ضوء الشمس. ففي يوم 15 نوفمبر 2014، نفدت البطاريات الخاصة بالمسبار؛ ليدخل في حالة سُبات، من المحتمل أن تكون نهائية، ولكنّ ذلك حدث بعد أن استطاع المسبار "فيلة" إعطاء إمكانية لوحداته العشر أن تجمع وترسل المعلومات بناء على الطاقة المتاحة.

ورغم ما كان مقررًا لـ"فيلّة" من أنْ يستمر في جمع وإرسال المعلومات حتى الآن.. مستمدًّا طاقته من الألواح الشمسية الملحقة به، إلا أن النتائج بعد 64 ساعة فقط من النشاط العلمي للمسبار كانت كفيلة بأنْ تغيِّر نظرة العلماء إلى المُذَنَّبات.

حَظِيَ المسبار "فيلة" بفترة اتصال من 3 إلى 4 ساعات، بمعدل مرتين يوميًّا. وفي خلال هذه الفترة كان المسبار على اتصال بوحدة المراقبة من خلال المركبة الفضائية "روزيتا". تقول مونيكا جرادي، مساعد مسؤول للوحدة الخاصة بالتحليل الكيميائي المسمى بطليموس على المسبار فيلة: "كان هذا كافيًا لتحقيق ما يقرب من 90% مما كان يأمله العلماء". لقد أنتج الارتداد المتكرِّر غير المتوقَّع للمسبار على سطح المُذَنَّب معطيات أكثر تشويقًا من المترقب.

<p>&nbsp;إدارة المهمة تحتفل بانفصال "فيلة" عن المركبة "روزيتا".</p>

 إدارة المهمة تحتفل بانفصال "فيلة" عن المركبة "روزيتا".

J. Mai/ESA

بدأت مأساة المسبار "فيلة" في الليلة التي سبقت الميعاد المحدد لهبوط المسبار بتعقيدات في نظام المعالجة، لكن إعادة تفعيل النظام حلَّت هذه التعقيدات. وبالرغم من وجود مشكلة أخرى تتعلق بنظام الدفع ـ الذي كانت مهمته أن يضغط المسبار "فيلة" إلى سطح المُذَنَّب، حتى الإحكام ـ فقد قرر فريق العمل أن يكمل المهمة، غير أن آليّة أخرى من آليّات المسبار قد فشلت أيضًا في أن تُفعّل أثناء الهبوط، وهي الآلية الخاصة بالمسبار، التي تشبه الرماح التي كان من المفترَض أن تُحْكِم تثبيت المسبار بسطح المُذَنَّب. وبينما كانت سدادات زجاجات الشمبانيا تندفع احتفالًا في المركز الأوروبي لمهمات الفضاء في درامشتاد بألمانيا، كان "فيلة" يرتد إلى الفضاء بعد ارتطامه بسطح المُذَنَّب. ارتد المسبار مرتين، وفي إحدى المرتين ارتد المسبار لمسافة تبلغ كيلومترًا واحدًا فوق سطح المُذَنَّب الدوار ـ قبل أن يجلبه مجال الجاذبية الضعيف ـ الذي كان ليجعل مركبة بوزن 100 كيلوجرام على الأرض تزن كيلوجرامًا واحدًا فقط ـ للسكون.

في الأساس، ارتطم المسبار "فيلة" بمنطقة مسطحة تقع تحت ضوء الشمس، اختيرت بعناية كموقع للهبوط، ولكن نتيجة للارتداد المتعدد للمسبار، فقد سقط على إحدى جانبيه على مسافة تبعد كيلومترًا واحدًا من الموقع الأصلي، وإحدى دعاماته مرفوعة عن سطح المُذَنَّب تحت ظل سطح جرف صخري الشكل. لم تكن هناك طاقة كافية لشحن البطاريات الثانوية، حيث استقبل المسبار ضوء الشمس لمدة تبلغ ساعة ونصف الساعة لكل 12.4 ساعة من دوران المُذَنَّب.


تضاريس المُذَنَّب

على الرغم من الهبوط الوعر للمسبار.. فإن ساعات "فيلة" الأربع والستين كانت حصادًا رائعًا للكثير من المعلومات القيمة التي لا تزال تحت الدراسة والمعالجة. أول صورة بانوراميّة من كاميرا الـ "CIVA" - وهي وحدة تحليل الأشعة تحت الحمراء والمرئية لنواة المُذَنَّب ـ أظهرت سطحًا مغطى بالتراب، وكسرات الصخور، وأشباهها، وبأحجام مختلفة. يقول ستيفان يولميك، المدير التنفيذي لـ"فيلة" بمركز الفضاء الألماني "DLR": "إنّ سطحه أقسى مما توقعنا".

وهناك وحدة أخرى من وحدات المسبار، تُسمَّى "MUPUs"، وتعني "المِجَسّات متعددة الأهداف لعلم الأسطح وما تحتها"، تتضمن مطرقة دقّاقة، لا يتجاوز حجمها حجم علبة العصير، وهي مزودة بقضيب معدني بطول 40 سنتيمترًا لحفر واستقصاء سطح المُذَنَّب. وقد كشفت تلك الوحدة عن مفاجأة، إذ يبدو أن هناك جليدًا قاسيًا تحت طبقة الغبار التي تقارب 10 ـ 20 سنتيمترًا على سطح المُذَنَّب، والتي لن تستطيع المطرقة ثقبها أو الحفر فيها. يقول تيلمان سبون، عضو مركز الفضاء الألماني، والمسؤول الرئيس عن الوحدة: "لقد توقعّنا طبقة أرقّ، وأخفّ، وأكثر تناسقًا من الثلج أو الجير".

وسُمْك تلك الطبقة الفرعية ـ إلى جانب قياس درجات الحرارة ـ سيساعد العلماء في معرفة كيفية تكوُّن هالة المُذَنَّب المُشَكَّلَة من الغاز والغبار، ولكنها يجب أن تتوافق مع كثافة المُذَنَّب المنخفضة، كما يقول سبون، الذي يتابع بقوله: "يمكن لذلك الجليد أن يكون مساميًّا، أو ربما يَرجِع سُمْكه وقسوته إلى البرودة الشديدة في الجانب المظلم منه، البعيد عن ضوء الشمس، ذلك الجانب الذي هبط فيه المسبار "فيلة".


بينما وضع زملاؤهم الأوروبيون مسبارًا على سطح مُذَنَّب، تَطَلَّع إليهم علماء الفضاء الأمريكيون بكثير من الدهشة، وربما أيضًا بقليل من الحسد. "لم يكن عملًا مثاليًّا، لكنه عمل رائع"، هكذا قالت جيسيكا سانشاين، التي درست المُذَنَّبات في جامعة ميريلاند.

قامت جيسيكا وفريقها بتصميم ما يُسمَّي بـ"نطّاط المُذَنَّب" "Comet Hopper"، الذي يعتمد على بطاريات نووية؛ ليصنع قفزات بطيئة في رحلة حول سطح أي مُذَنَّب، لكن "ناسا" رفضت تمويل المشروع في عام 2012. وحاليًّا، يحاول الفريق العمل علي مشروع بديل، بناءً على ما بدأ يثيره المسبار "فيلّة" من أسئلة، لكن أولًا.. تَوَجَّه التركيز نحو الكويكبات. وفي الثلاثين من نوفمبر الماضي، خططت وكالة الفضاء والاستكشاف اليابانية لإطلاق مهمة هايابوسا 2 "Hayabusa-2" الموجَّهة إلى الكويكب "1999 JU3" الذي حَمَلَ ـ من بين أشياء عدّة ـ مسبارًا يشبه المسبار "فيلة. وفي سبتمبر من عام 2016، تستهدف "ناسا" إطلاق المسبار "OSIRIS-Rex"، الذي سيستخدِم ذراعًا روبوتيًّا لجمع العيِّنات من الكويكب "Bennu"، ثم يعود إلى الأرض.

استغرق علماء "روزيتا" شهورًا طويلة في دراسة مُذَنَّبهم، قبل أن يحددوا مكان الهبوط على سطحه. ويخطط فريق "OSIRIS-Rex" لفعل الشيء نفسه. يقول دانتي لوريتا من جامعة أريزونا، والمسؤول الرئيس عن المشروع: "من أصعب الأمور فيما يخص الذهاب إلى تلك الأجسام، هو أننا لا نعرف شيئًا عن شكل وماهيّة سطحها".

وقد نَوَّه لامار سميث ـ عضو الكونجرس الذي يرأس لجنة مجلس النواب المشرفة على القضايا العلمية وشؤون الفضاء ـ إلى أن المركبة "روزيتا" أقلعت منذ ما يزيد على عقد كامل، وصرح بقوله: "يجب علينا الآن وَضْع التزامات طويلة المدى، إذا ما أردنا ضمان نجاحنا في ميادين الفضاء في المستقبل".


وهناك وحدة أخرى، هي "ROMAP"، اختصارًا لـ"مراقب مقياس المغناطيسية والبلازما للمركبة "روزيتا""، حيث استفادت من ارتداد المسبار "فيلة" مرتين عند الهبوط على سطح المُذَنَّب. فتلك الوحدة ستساعد في الإجابة عمّا إذا كان للمُذَنَّب مجاله المغناطيسي الخاص، الذي يمكن أن يفضي إلى استنتاجات كثيرة فيما يخص نماذج تكوُّن الكواكب، وكيف أن الغاز المتأيِّن المحيط بالمُذَنَّب يتغير بالقرب من السطح، فالارتدادات تعني نقاطًا مفعمة بالمعلومات أكثر. يقول يولي أوستر، أحد مساعدي المسؤولين الرئيسين لتلك الوحدة: "إذا قام أحد بتصميم مهمة لأجهزة قياس المغناطيسية، وكان شخصًا مبدعًا للغاية؛ فسينجز مهمته تمامًا كما أنجزناها".

عقب الهبوط بوقت قصير، تم رصد جزيئات عضوية في عيِّنات من سطح المُذَنَّب بواسطة الوحدة "COSAC"، المسؤولة عن اختبار عيِّنات ومركبات المُذَنَّب. فقد صُممت لاستقصاء جزيئات أكثر، واختبار انطباق تلك الجزيئات، أو عدم انطباقها "مرآتيًّا" مع البصمة الكيميائية للعناصر على كوكب الأرض، لكنْ كان على الوحدة "COSAC" الانتظار حتى الساعات الأخيرة من عُمْر بطارية المسبار "فيلة"، قبل محاولة استكشاف الطبقات الفرعية للمُذَنَّب، بسبب الخوف من عواقب عملية الحفر، التي قد تسبِّب انقلاب المسبار، نظرًا إلى عدم قوة رُسُوِّه واستقراره على سطح المُذَنَّب. وبعد أن أعطت إدارة المهمة أخيرًا الإشارة للحفر والتنقيب، كان "فيلة" قادرًا على إرسال البيانات، حيث يعمل فريق "COSAC" الآن على البحث عن جزيئات أخرى، كما قال إيف مايرهنريك، المحلِّل الكيميائي بجامعة نيس صوفيا أنتيبوليس في فرنسا.

يعني تدنّي مستوى الطاقة على الجهاز الخاص بوحدة "بطليموس" ـ الذي صُمم لتحليل المركبات والجزيئات الكيميائية، والوفرة النسبية لنظائرها ـ أنه لم تكن هناك فرصة مناسبة لدراسة عيِّنات من الأسطح الفرعية، لكن الفريق أوضح بحذرٍ تفاؤله، بناءً على قياسات السطح الخارجي للمُذَنَّب. وإنْ كانوا محظوظين، مقارنةً بالبيانات الأرضية، فإن الجهاز الخاص بوحدة "بطليموس" ووحدة "COSAC" باستطاعتهما الكشف عما إذا كانت المُذَنَّبات تجلب للأرض من المواد ما هو ضروري للحياة عليها، كالأحماض الأمينية والمياه. ومثل القياسات المغناطيسية، فإن الجهاز البطلمي يستطيع الاستفادة من رحلة المسبار "فيلة" حول المُذَنَّب. يقول جرادي: "من المحتمل أننا حصلنا على عيِّنات من موقعين، وربما ثلاثة مواقع للهبوط".

لا يزال من الممكن أن تصل بيانات أكثر. وقبل النفاد التام لطاقة المسبار "فيلة"، فإن الفريق قد أعده للدوران لما يقارب 35 درجة، والارتفاع بمسافة 4 سنتيمترات؛ ليجعل اللوح الشمسي الأضخم الخاص به في مواجهة ضوء الشمس. ويمكن للمسبار أن يستيقظ ويعود للعمل، إذا ما اقترب من الشمس؛ فتتوافر لديه عوامل التدفئة والضوء التي تسمح بتوليد طاقة كافية لإعادة تشغيله.‎

 في أغسطس، يصل المُذَنَّب إلى نقطة الحضيض الشمسي، وهي النقطة الأقرب للشمس على مدار المُذَنَّب، وسوف يكون المُذَنَّب "نشطًا كالجحيم"، حسب تعبير سِيرْكِز. والظل الذي أوقف المسبار عن العمل خلال الأيام الأولى بعد الهبوط سيعمل كمظلة تحمي المسبار من النشاط الذي سينتج من أشعة الشمس. يقول مايرهنريك: "يبدو أن المسبار سيصمد حاليًّا أكثر من صموده في شهر مارس. وربما في شهر إبريل، أو مايو، أو يونيو قد نستعيد الاتصال به ".

أُعِدَت مركبة الفضاء "روزيتا" خصيصًا لدراسة المُذَنَّب شيروموف- جيراسيمنكو في الأشهر القادمة خلال دورانه حول الشمس، ورحلته رجوعًا إلى الفضاء البعيد، ويبدو أن هناك فرصة لعودة المسبار "فيلة" إلى العمل مرة أخرى أيضًا.

وبجانب تأكيد مكانة وكالة الفضاء الأوروبية في التاريخ، فإن نجاح المركبة "روزيتا" قد يجلب مكاسب أعظم. البرنامج العلمي الذي يمول المركبة "روزيتا" لم يكن مطروحًا للنقاش في الاجتماع التنفيذي لوكالة الفضاء الأوروبية الذي انعقد في 2 ديسمبر، لكن الأعضاء قد يكونوا أكثر حماسًا للاستثمار في مشروعات استكشافية. يقول كبير المستشارين العلميين لوكالة الفضاء الأوروبية، مارك ماكوجرين: "في خلال الأسبوعين اللذين سبقا هبوط المسبار، كان هناك تخوُّف من عواقب فشل المهمة، لكننا نود بالتأكيد أن يعمل الأمر وفقًا لما نتمنى".