س و ج

س وج: تصوُّر للزمان والمكان

بفضل عالِم الفيزياء النظرية كيب ثورن، هناك العلم الحقيقي متأصّل في فيلم إنترستيللار للمخرج كريستوفر نولان، الذي تدور أحداثه حول البحث عن مكان مناسب للحياة البشرية من قِبَل مجموعة من المستكشفين. يتحدث ثورن عما تعلمه من التصوير غير المسبوق للثقوب السوداء والثقوب الدودية، ويتحدث أيضًا عما يمكن الاستفادة منه من خلال الفيلم وكتابه، واحتمال انطلاق البشرية خارج حدود المجموعة الشمسية.

زيّا ميرالي
  • Published online:

فيلم إنترستيللار "interstellar" من إخراج كريستوفر نولان، وإنتاج وارنر براذرز، 2014.

الكتاب "علم ما بين النجوم" للعالم الفيزيائي كيب ثورن، لدار النشر W. W. Norton" "، 2014.

ماثيو ماكونهاي، وآن هاثواي، وديفيد جياسي في فيلم "interstellar".

ماثيو ماكونهاي، وآن هاثواي، وديفيد جياسي في فيلم "interstellar".

Warner Bros. Entertainment/Paramount Pictures


كيف خرج الفيلم إلى النور؟

لقد أمضيت أعوامًا طويلة في العمل علي الثقوب السوداء. وبدءًا من عام 1980، بدأت أعمل أيضًا على الثقوب الدودية (وهي أنفاق افتراضية، تربط المناطق المتباعدة من الكون ببعضها البعض). ومنذ ثمانية أعوام مضت، قمتُ مع صديقتي ليندا أوبست ـ وهي منتجة سينمائية ـ بعمل فيلم عن الأجزاء الأكثر انحناءً في الكون، كالثقوب السوداء، والثقوب الدودية، والأبعاد الإضافية، وغير ذلك. أثارت الفكرة اهتمام المخرج ستيفن سبيلبرج، الذي بدوره أتي بيونا (جوناثان) نولان لكتابة السيناريو، بيد أن ستيفن اعتذر عن مهمة إخراج الفيلم؛ فتولّى لاحقًا أخو يونا، وهو كريستوفر نولان، مهمة إخراج الفيلم وكتابة السيناريو النهائي. لقد غيّر كريس ويونا معظم القصة تقريبًا، لكنهما حافظا على فكرة الانحناء الزماني المكاني، وحققا رؤيتنا التي صوّرت فيلمًا للخيال العلمي، قائمًا على بناء عميق وقوي من العلم الحقيقي. في هذا الفيلم، لا شيء ينتهك القوانين الفيزيائية القائمة الراسخة، وكل التكهّنات والرؤي الجامحة في الفيلم منبتها العلم، وليس فقط ذهن كاتب السيناريو.


إلى أيّ مدى شاركتَ عمليًّا في إنتاج الفيلم؟

Illustration by Jim Spencer

اعتدتُ مقابلة يونا وكريس كل عدة أسابيع خلال صناعة السيناريو؛ للمساعدة في جلسات العصف الذهني بخصوص المادة العلمية في الفيلم. وقد ساعدت في تصوير الثقوب السوداء والثقوب الدودية مع مشرف التأثيرات المرئية، الحائز على جائزة "الأوسكار"، بول فرانكلين ومجموعته في مركز التأثيرات المرئية السلبية المزدوجة في لندن.

إنّ الثقوب السوداء لا تشع ضوءًا، ولذلك.. يتم تصوير الثقب الأسود من خلال ظاهرة "التَّعَدُّس الجاذبي"، وهي ظاهرة تبدو في أثر الثقب الأسود على انحناء ضوء الأجسام القريبة نسبيًّا. لقد اعتمدت على معادلات مرتكِزة في الأساس على النظرية النسبية العامة لأينشتاين. وباستخدام هذه المعادلات، استطعت أن أبتكر تصويرًا للثقوب الدودية مع وضع ثلاثة عوامل متغيرة، هي: القُطْر، والطول الداخلي، ودرجة التوهج عند اجتماع الثقب الدودي مع الكون الخارجي. قامت مجموعة بول باستخدام المعادلات التي قدّمتها لحساب ما قد تراه الكاميرا من خلال الثقب الدودي، ثم قام كريس بتصفح الصور، ثم اختار قيمًا للعوامل الثلاثة الخاصة بالثقب الدودي المنشود في الفيلم.


هل تعلمتَ أي شيء جديد؟

نعم، فقد استطعنا محاكاة ثقب أسود سريع الدوران، ومجموعة من النجوم، من خلال تقنيات عالية الكفاءة، تفوق ما يستخدمه عادة معظم الفيزيائيين، وكذلك باستخدام برنامج يعطينا صورًا متغيرة بشكل سريع بدقة "آيْمَاكْس" IMAX. لقد اكتشفنا نسقًا معقدًا مذهلًا من أضواء النجوم القريبة من حافة الثقب الأسود، تشبه بصمات الأصابع، وهو رسم سببه ظاهرة "التعدُّس الجاذبي". كانت هناك مناطق تبدو فيها النجوم في سكون تام بجانب مجموعة أخرى تدور في حركة كالدوامة. عندما رأينا هذا للمرة الأولى، اعتقدتُ أننا أخطأنا في شيء ما، ولكننا نعتقد الآن أن هذا كان بسبب مجموعة مركّبة من النقاط ذات التجاعيد في "مخروط الماضي الضوئي" الخاص بالكاميرا، الذي يشبه ـ إلى حد كبير ـ الأنساق على قاع بركة مضاءة بضوء الشمس. تلتف هذه الأضواء حول السماء عدة مرات، لأن دوران الثقب الأسود يسبب دوران المكان.


هل كان هناك أيّ تضارب ثقافي خلال الفيلم؟

لا، بل كان هناك تناغم كامل بخصوص دمج الفن والعلم، وهو ما ظهر بشكل واضح على الأبطال الأربعة للفيلم. فقد جاء ماثيو ماكونهاي مع آن هاثواي إليّ من أجل نقاش مطوَّل، كمحاولة منهم لتعميق فَهْمهم فيما يخص العلم. طلب مايكل كاين أن تُلْتَقَط له صورة معي، وقد اندهشت عندما أخبرني أن شخصيته في الفيلم مقتبَسه مني، وأنه يريد أن يتحدث معي؛ لمعرفة ما يدور بداخل عقل عالِم فيزياء نظرية. طلبت مني جيسيكا تشاستين أيضًا المساعدة بخصوص معادلات تخص فيزياء الكَمّ. لقد كان أمرًا غاية في اللطف أن أعمل مع فنانين متشوقين فكريًّا، ومن خلفية بعيدة تمامًا عن خلفيتي العلمية.


هل السفر عبر النجوم سوف يكون ممكنًا يومًا ما؟

أقرب الكواكب الصالحة للحياة خارج المجموعة الشمسية قد يكون على بعد 12 سنة ضوئية تقريبًا (ما يعادل3.7 فرسخ)، ويدور حول النجم تاو سيتي. إذا اعتبرنا أن هذه المسافة كالمسافة من مدينة نيويورك إلى مدينة بيرث بأستراليا، ستكون المسافة من الأرض إلى القمر حوالي 7 سنتيمترات. قد يعطينا هذا بعض الإدراك لمقدار التحدي اللازم للسفر إلى هناك. أنا أعتقد أن الإنسان سوف يكون قادرًا على القيام بهذه الرحلة، ولكن ليس في هذا القرن، أو القرن القادم، أو حتى القرن الذي يليه. وبالنسبة إلى قصة خيال علمي، فإن الثقوب الدودية المكونة من قِبَل حضارات متطورة هي الطريقة الوحيدة لنكون قادرين على السفر عبر النجوم في القرن المقبل، لكنه من غير المحتمل أن تكون الثقوب الدودية موجودة في الأساس. ولنكون قادرين على خلق ثقوب دودية، يجب أن تُدعم بـ"طاقة سالبة"، ومن المستبعَد ـ بقوانين الفيزياء الحالية ـ أن نكون قادرين أن نجمع طاقة سالبة كافية لتلك المهمة، بيد أنه لا يوجد إثبات علمي لاستحالة وجود الثقوب الدودية.


ما هي مجالات الفيزياء التي تثير حماسك حاليًا؟

إنني أطمح إلى أن أكون قادرًا على فهم الديناميكا غير الخطية للزمان والمكان. وهناك احتمال كبير في الأعوام المقبلة لرصد الموجات المسماة بموجات الجاذبية ـ وهي تموج في بنية الزمان والمكان ـ الناتجة من هذه التصادمات. إنّ الدمج بين المعلومات المكتَسبة من برامج المحاكاة على الحواسب، والرصد لموجات الجاذبية سوف يكون قادرًا على إعطائنا معلومات عن سلوك المكان والزمان المتموج تحت ظروف دينامية غير عادية. ولربما يشمل الفيلم القادم ثقوبًا سوداء متصادمة. فلننتظر، ونرى.