أخبار

اندلاع بركـان أيسلندي أَذْهَـل العلمــاء

طفوح غنية بالكبريت تحبِط استعدادات لانفجار رمادي.

ألكسندره فيتز
  • Published online:

كميات قياسية من الغاز تنبعث من سهل هولورين الأيسلندي.

كميات قياسية من الغاز تنبعث من سهل هولورين الأيسلندي.

Arctic-Images/Corbis


في الآونة الأخيرة، تخضَّبت مشارق أيسلندا ومغاربها بحمرة قانية، وأضفى التلوث البركاني وهجًا غريبًا مخيفًا على السماوات فوق الصخب البحري لميناء ريكافيك، وعلى كنيسة المدينة؛ كنيسة هاتلجريمسكيركا الخرسانية الباسقة.

ظلت الحمم البركانية تنبثق لمدة ثماني أسابيع من شق في الأرض يتشعع من بركان باروداربونجا، الذي يبعد 250 كيلومترًا من ريكافيك، وطفق ثاني أكسيد الكبريت كذلك ينبعث بمعدل 35,000 طن يوميًّا، أي أكثر من ضعفي الكمية التي تطلقها جميع مداخن أوروبا. انتشر الغاز عبر الريف الأيسلندي، حتى آذى صدور الناس، وحبس بعضهم خلف أبواب البيوت.

فاجأت كمية التلوث القياسية علماء البراكين أنفسهم، وهم في قلب مشروع كبير يموله الاتحاد الأوروبي لفهم نشاط الجزيرة الناري. فقد كانوا يتهيئون لكَرَّة أخرى من ثوران بركان إيافياتليوكتل عام 2010، الذي أدى إلى تصاعد عمود رماد ألزم طائرات أوروبا بالبقاء على الأرض. «كان الجميع يتوقع سحابة رماد كبيرة، والآن لدينا شيء مختلف تماما» كما تقول أنيا شميت، التي تعمل منمذجة جويّة بجامعة ليدز في بريطانيا، وتدرس كيف تنتشر غازات البراكين.

كان توقيت الثوران مثاليًا للمشروع، الذي يُدعى فيوتشرڤولك FUTUREVOLC. ترمي المباردة إلى استغلال أيسلندا بحسبانها مختبرًا طبيعيًّا لفهم كيف تتخذ الصهارة طريقها من أعماق القشرة الأرضية وتشقه إلى السطح. ولبلوغ هذا، ركز منظموها على أربعة من أكثر براكين أيسلندا نشاطًا، أحدها هو باروداربونجا. استخدم الباحثون مزيدًا من أجهزة القياس الزلزالي، ومحطات نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس GPS) لتعزيز شبكة الرصد التي يديرها مكتب الأرصاد الأيسلندي، وجامعة أيسلندا، في ريكافيك. واستخدموها كذلك لقياس الأحداث المؤدية إلى الثوران وما بعده، بتفاصيل غير مسبوقة.


الزحف الطويل

في 16 أغسطس، بدأت الزلازل تهز باروداربونجا. ولمدة أسبوعين، ظل الباحثون يراقبون، والنشاط الزلزالي يزحف شمالًا وشرقًا، نحو حافة القلنسوة الجليدية التي تكسو البركان. كما قاست محطات جي بي إس تمدُّد الأرض لأعلى أثناء انتقال كميات ضخمة من الصهارة تحت الأرض. تقول كريستين ڤوجفيوريد، خبيرة الزلازل بمكتب الأرصاد الأيسلندي التي تشارك في قيادة فيوتشرڤولك: «أرتنا الزلازل التفاصيل، ونظام جي بي إس أرانا الحجم»

زحفت الصهارة بطول 45 كيلومترًا، وبردت مكونة لوح تحت الأرض يعرف بالجُدة القاطعة. في 29 أغسطس، كانت قد شقت طريقها نحو حافة القلنسوة الجليدية وبدأت تطفح نحو سهل أجرد، يُدعى هولوراون.

منذ ذلك الحين، والثوران قد قذف على الأقل بنصف كيلومتر مكعب من الحمم، ما يجعله أكبر ثوران منتج للحمم في أيسلندا منذ عام 1947، لكن كمية الغاز هي التي روّعت العلماء أكثر. فقد تم التقاط وتجميع قطع من الصخر قذفها الثوران تكشف مدى غنى الحمم بالغاز؛ فالصخور مسامية، ومليئة بالجيوب الهوائية التي تسرب الغاز منها.

 وبهبوب رياح معتدلة، يمكن للكبريت الذي ينفثه هولورين أن يبلغ القارة الأوروبية، حيث سجلت النمسا وجود نسبة كبريت في هوائها أكثر من أي وقت، منذ أنشطة التنقية الصناعية في ثمانينات القرن الماضي.

كان مشروع فيوتشرڤولك قد وضع بعضًا من معدات أساسية لمراقبة الغاز عند براكينه، بما يشمل نوعين من المطياف في موقع هولورين. أحدهما يقيس تركيزات ثاني أكسيد الكبريت عن طريق دراسة مدى امتصاصه لأطوال معينة من ضوء الشمس، والآخر يبحث فاحص غازات عديدة في الوقت نفسه.

كلا النوعين من الأجهزة يعوِّل على ضوء النهار في عمل قياساته. واكتساح ظلام الشتاء لأعالي الشمال سوف يحد من فائدتيهما، كما تقول سارة باسوتي، وهي متخصصة في فيزياء الغلاف الجوي بمكتب الأرصاد الأيسلندي. (حتى الوصول إلى موقع الثوران، وهو بعيد، سيكون أصعب عندما يحل الشتاء). لذا.. سيحاول الباحثون مواصلة عمل قياسات الغاز من على الأرض بقدر الإمكان، ومقارنتها بالتقديرات التقريبية التي تجريها الأقمار الاصطناعية، كما تقول بارسوتي.

يحاول المسؤولون الأيسلنديون استنتاج مدى خطر الكبريت، وهل يمكنهم توقع حركته بشكل أكثر دقة. وبدأ مكتب الأرصاد في عمل تنبؤات عن المكان المرجح ارتحال الغاز إليه كل يوم. وقد قيست ارتفاعات كبيرة ومفاجئة في الكبريت - تبلغ نحو 21,000 ميكروجرام لكل متر مكعب - مؤخرًا بمدينة هوفن؛ حيث توصي منظمة الصحة العالمية بعدم التعرض لمدة عشر دقائق لما يزيد على 500 ميكروجرام لكل متر مكعب .

لم يمت أحد نتيجةً لحدوث الثوران، وعمود الرماد ليس عاليًا بما يكفي لاختراق طبقة الغلاف الجوي العليا، أو أن يتسبب في اضطرابات مناخية واسعة، لكن ملايين الأطنان من الكبريت المنبعثة حتى الآن تُعَدّ تجربة غير مسبوقة في قياس تأثيرات التعرض لغاز سام، كما تقول بارسوتي.

قد تُجْدِي الدروس المستفادة من أيسلندا نفعًا في فهم التعرض للغاز لأمد طويل في المناطق البركانية الأخرى، مثل اليابان، وإندونيسيا، وهاواي. ففي أوائل الألفية، تم إجلاء السكان حول بركان مياكِه-جيما باليابان عندما بدأ في الثوران بالمستوى ذاته من انبعاثات الكبريت تقريبًا.

يقول فريشتاين سيجموندسن، عالِم البراكين في جامعة أيسلندا، الذي يشارك في إدارة فيوتشرڤولك في أيسلندا، أن آخر حدث مشابه كان ثوران شق يُعرف باسم حرائق كرافلا، التي بدأت في عام 1975، واستمرت على نحو متقطع حتى عام 1984. إذا كان الثوران الحالي يبزل صهارة من أعماق القشرة الأرضية، كما تشير كمية الحمم وكيميائيتها، فإنه قد يستمر لأشهر، أو حتى لسنوات.

كما يقول سيجموندسن، وهو يشير ملوِّحًا من نافذة مكتبه لسماء ريكافيك الحمراء «هذا الثوران يأتي في وقت طيب بالنسبة للمشروع، ولا نرى نهاية لذلك في الأفق».