تحقيق إخباري

اكتشاف إنسان فلوريس: حكـايات الهـوبيـت

في عام 2004، أعلن باحثون عن اكتشاف إنسان فلوريس Homo floresiensis، وهو قريب صغير للإنسان الحديث، عاش مؤخرًا منذ نحو 18,000 سنة. والآن، يُعَدّ «الهوبيت» أكثر حفريات أشباه البشر أهمية في جيله. وهنا، يروي العلماء الذين قادوا الاكتشاف قصته.

إوين كالاوي
  • Published online:

الفريق: رادن سويجونو: المركز الوطني الإندونيسي لعلم الآثار (آركيناس)، جاكرتا (توفي عام 2011)؛ مايك موروود: جامعة نيو إنجلاند، أرميدال، أستراليا/جامعة ولونجونج، أستراليا (توفي عام 2013)؛ تويكو جاكوب: جامعة جادجه مادا، يوجياكارتا، إندونيسيا (توفي عام 2007)؛ بيرت روبرتس: جامعة ولونجونج؛ بيتر براون: الجامعة الوطنية الأسترالية، كانبرا: ليه دايتون: مراسلة علمية سابقة في «ذه أستراليان» The Austerlian، سيدني: دين فولك: جامعة ولاية فلوريدا، تالاهاسي؛ ماسِك هننبرج: جامعة أديلايد، أستراليا: بيل ﭽنجرز: جامعة ستوني بروك، نيويورك: ليزلي آيلو: مؤسسة ويننر−جرن للبحوث الأنثروبيولوجية، نيويورك سيتي: روبرت مارتن: متحف فيلد، شيكاغو، إلينوي: واهيو سابتومو: أركيناس؛ توماس سوتيكنا:وقتها، أركيناس /حاليًا، جامعة ولونجونج.

كبر الصورة


لم يكن فريق الهوبيت مهيئًا للعثور على أنواع جديدة. وبدلًا من ذلك.. كان الباحثون يحاولون اقتفاء آثار القدماء وهم يرتحلون من بر آسيا إلى أستراليا. كانت هذه هي الفكرة عندما بدأوا الحفر في ليانج بوا، كهف بديع كبير في أعالي فلوريس بإندونيسيا. وكان يقود الفريق عالِمَا الآثار مايك موروود، ورادن سويجونو، اللذان رحلا عن عالمنا.

توماس سوتيكنا (عالِم آثار ميداني، مسؤول عن التنقيب): في عام 1999، جاء مايك إلى مكتبنا، واقترح الحفر في ليانج بوا. «ليانج بوا» تعني الكهف البارد، فهي تقع على ارتفاع 500 متر فوق مستوى سطح البحر، قريبًا من ملتقى نهرين، وتمدّ بالموارد الطبيعية، كالمياه، والمواد الخام للمصنوعات اليدوية الحجرية. السقف عال حقًّا؛ ما يوفر تدويرًا جيدًا للهواء؛ لتجديده. وثمة ضوء شمس على مدار السنة. إنه مناسب جدًّا للسكنى.

ريتشارد «بيرت» روبرتس (عالم التقويم الجيولوجي الذي تراءى له الحفر هناك مع موروود): بدأت الحفريات على نطاق ضيق جدًّا في عام 2001، لكننا عثرنا على بعض الأشياء المثيرة: عظام ستيجودونات، وهي فيلة بدائية قزمة، منقرضة حاليًّا. كان هناك الكثير من تنانين كومودو، والكثير من عظام الجرذان، وجميع أنواع الأجناس الأخرى، ومن بينها نوع من اللقلق العملاق. لم نجد أي شيء مبهر حتى عام 2003.

واهيو سابتومو (عالم آثار ميداني): قبل أن يتركنا موروود عند نهاية الموسم في عام 2003، قلت «لِمَ تغادر الآن؟ إذا غادرت، قد نعثر على شيء ما مهم». لاحقًا، وبعد بضعة أيام، في الثاني من سبتمبر، كنت أباشر الإشراف في القطاع السابع. كان العاملون من الأهالي يحفرون على عمق نحو 5.9 متر. وقد صادف الجاروفُ جمجمةً. نزل عضو من فريقنا، متخصص في عظام البشر والحيوان، وقال: «نعم، أنا متأكد أنه عظم آدمي، لكنه صغير جدًّا». كان توماس مريضًا في ذاك اليوم، ومكث في الفندق. لذا.. عدتُ أنا إليه والتقيت به. قلت، «لديّ شيء بالغ الأهمية. لقد عثرنا على أول بشر في طبقة البليستوسين».

سوتيكنا: تلاشت حُمَّتِي على الفور. لم أهنأ بنوم تلك الليلة. ولم يمكنني الانتظار إلى شروق الشمس. ذهبنا في الصباح الباكر إلى الموقع، وعندما وصلنا إلى داخل الكهف، لم أقل شيئًا، لأن قلبي وعقلي لم يمكنهما التعامل مع هذه اللحظة المدهشة. نزلتُ إلى الحفر، ونظرت إلى العظام بعناية. كان من المستحيل إخراجها بسبب حالة العظام. لذا.. قررنا أن نقتطع البقايا ونستخرجها مع الرواسب، كتلة بكتلة، وإعادتها إلى الفندق. احتجنا بضعة أيام لنستخرج كل العظام.

روبرتس: كان جسما صغيرًا جدًّا. كان هذا أول شيء واضح للوهلة الأولى، لكن الجمجمة أيضًا كانت صغيرة بشكل لا يُصدَّق. ظننا في البداية.. «ياه، إنه طفل». كان هناك شخص يعمل معنا اسمه روخس. هو الذي أجرى كل التعريفات الخاصة بالطبيعة حيوانية العظام، لكن روخس قال: «لا، لا، لا، إنه ليس طفلًا. إنه ليس إنسانًا حديثًا على الإطلاق. إنه نوع مختلف».

سابتومو: رسَم توماس الهيكل على ورق، وأرسله بالفاكس إلى مايك، وإلى البروفيسور سويجونو في جاكارتا.

سوتيكنا: اتصل بي مايك ليلًا. لم أستطع فهْم ما كان يقول على الهاتف. كان متحمسًا للغاية.

روبرتس: دعا مايك بيتر براون للمجيء، وإلقاء نظرة على البقايا. بيتر متخصص بارع جدًّا في علم مستحاثات أسلاف البشر، لكنه صعب المراس كذلك. ويمكن أن يكون متشككًا.

بيتر براون (عالِم مستحاثات أسلاف البشر): لا يعلم مايك الكثير عن الهياكل العظمية للبشر، ولا الباحثون الإندونيسيون يعلمون كذلك. كنت متشككًا تمامًا. وربما كان الرسم جَرَّة إغريقية، فهو لا يوضح أي شيء على الإطلاق.

كنت مهتمًّا وراغبًا في الذهاب إلى جاكرتا. إنه مكان مثير.. عندما تزوره. أحب الطعام، وأحب الجو والثقافة، وكل شيء هنا، لكن لم أكن أتوقع العثور على أي شيء مثير أو مهم. على الأكثر، ظننت أنه سيكون هيكلًا عظميًّا لإنسان حديث غير بالغ، يعود تاريخه إلى العصر الحجري الحديث، أو ربما أقدم قليلًا. الاحتمال الآخر أنه كان شخصًا مريضًا، ذا اضطراب في النمو. كانت هذه توقعاتي عندما حضرت.

روبرتس: ربما كان بيتر متشككًا، كما كنت أنا، «أهذا نوع بشري جديد؟ بالتأكيد، ربما كانت حماسة مايك تزداد في جاكرتا. فلقد أمضى في الدغل وقتًا طويلًا جدًّا». الأفضل له أن يطير بعيدًا عن هناك، فغالبية الناس لديها التزامات تدريسية، وأشياء يجب عليها القيام بها.

براون: سعيتُ إلى المختبَر مع مايك والفك السفلي (الشدق) قد تم تنظيفه. نظرت مليًّا إلى الفك السفلي، ربما لِسِت ثوان أو أقل، وقد عرفت أنه لا يمكن أن يكون فكًّا سفليًّا لإنسان حديث. عرفت أنه لا بد أن يكون من نوع آخر. وسارت الأمور من هذه النقطة. شرعت في تنظيف الجمجمة، والقيام بأعمال أخرى على المجموعات. كل شيء كان هشًّا جدًّا جدًّا، ويجب تجفيفه وتغليفه بالمواد الحافظة. كان من السهل جدًّا أن تخدش أي شيء أو تهشمه. فلو خطوت فوق الأشياء؛ قد ينتهي بك الأمر فوق كومة كالبطاطس المهروسة، أو شيء من هذا القبيل.

روبرتس: يبدو أن بعض الناس، مثل الرفاق في أفريقيا، يعملون على الأشياء لنحو 10 أو 15 سنة قبل أن يحصل في النهاية على وصف أحفورة. عند المقارنة، كان بيتر يعمل بسرعة البرق. في اعتقادي أنا ومايك أنه استغرق وقتًا طويلًا.

براون: قمت بتهريب بعض بذور الخردل عبر الجمارك، بغية قياس حجم المخ. لذا.. نظفتها كلها بعناية بقدر استطاعتي. قلبتها رأسًا على عقب، وصببت البذور فيها. كنت قد أخذت بذورًا تكفي لقياس حجم مخ إنسان حديث، لنقل 1.5 لتر من البذور، لكن الجمجمة اتسعت لنحو 400 ملِّيمتر. لقد اندهشت.. فآخِر مرة سارت فيها كائنات مخها بمثل هذا الحجم كان منذ نحو 2.5 مليون سنة إلى 3 ملايين سنة. لم يكن عقلي ليقبل بمثل هذا على الإطلاق. دَوَّنْتها للمرة الثانية، ومرة ثالثة. مايك وتوماس كانا ينظران إلي ويتعجبان.. لِمَ أبدو شاحبًا قليلًا هكذا. كنت أحاول حشر المزيد من البذور في الجمجمة بإصبعي؛ محاولًا زيادة الحجم، لأن الأمر لم يكن معقولًا حقًّا.

روبرتس: جاءت تواريخ الكربون، وكانت نحو 18,000سنة. عند هذا الحد، كان الأمر «مُطْلَقًا، شديد الغرابة». كان هذا إنسانًا بدائي المظهر، عاش في نهاية آخر أوج للتجلد، في نهاية آخر عصر جليدي.

براون: إذا قال مايك إنه عثر على دليل سفينة فضائية في فلوريس؛ لكنتُ أقل اندهاشًا.

ما لبث أن حدَّد الفريق أن الهيكل العظمي لأنثى، تزيد قامتها قليلًا عن المتر، ولَقَّبُوها بـLB1. تساءل بروان وموروود عما إذا كان النوع فرعًا من Homo erectus أو الإنسان المنتصب (قريب قديم للبشر، نشأ في أفريقيا منذ مليوني سنة، وعاش في جزيرة جاوا بالقرب من فلوريس، حتى نحو 150,000 سنة مضت). إذا كان نسله قد بقى في فلوريس حتى نهاية آخر عصر جليد، فلربما تضاءل بسبب نقص موارد الجزيرة. وبدلًا من ذلك.. ربما كان نوعا ذا قرابة إلى الإنسان الأسترالي australopithecines، وهم بشر صغار الجسم، جابوا أفريقيا منذ أكثر من مليوني سنة. أدرك براون ومايك أنهما بحاجة إلى إخبار العالم بكشفهما.


illustration by Señor Salme


هنري جي: (كبير محرِّرين في دورية Nature): لم يحذرني أحد. عادةً ما تميل هذه الأشياء إلى الالتباس بالقليل من الشائعات، لكن هذا الخبر جاء إلى مكتبي يومًا ما في مارس 2004، وكان الاكتشاف موجودًا (حقيقة) هناك.

روبرتس: لربما سقط العجوز هنري المسكين عن مقعده عندما حصل على الأوراق.

جي: أود أن أقول في البداية إنه لم يصعقني بالاكتشاف الرائع جدًّا. كان لديهم هذا الكائن الغريب، وصوت الأوراق كان خفيضًا جدًّا، لكن عندما تكون محرِّرًا؛ فإنك تقرأ ما بين السطور، وكان السطر: «ساعدونا، نحن لا نعرف ما عساه أن يكون هذا الشيء. نحن سنصفه فقط، وسنمنحه اسمًا غير ملزِم، وسننظر ماذا ترون».

براون: ظننت أنه كان نوعًا جديدًا، وربما جنسًا جديدًا. كنت أعتقد أنه كان مختلفًا للغاية.

جي: عندما جاء إلينا، أسموه اسمًا لاتينيًّا، Sundanthropus floresianus – رجل من منطقة صندا من فلوريس. حسنًا، قال المحكِّمون إنه واحد من البشر Homo، وهذا ما ينبغي أن يكونه، وأحد المحكمين قال floresianus تعني حقيقة «دبر فلوريس»، لذا.. يجب أن يكون floresiensis، ومن هنا جاءت التسمية.. إنسان فلوريس Homo floresiensis.

روبرتس: عرفنا أنه يجب أن نمنحه اسمًا يصلح للنشر. بالطبع لا نستطيع أن ندعوه Homo floresiensis، لذا.. قال مايك: «يروق لي الهوبيت». قلت: «لا بأس، طالما لن يسبب أي مشكلات مع ’تولكينز إستيت‘»، أيًّا كان اسمها، إذ يمكن أن يكونوا عدوانيين جدًّا مع من يستخدمون كلماتهم ذات العلامة التجارية. أشار مايك إلى LB1 بوصفه هوبيت، لا «الهوبيت». لبرهة.. كان مايك يحاول إقناع بيتر براون بتسميته Homo hobbitus. ظننت أنه كان يعتقد أن مايك دجالًا تمامًا، لمجرد التفكير في ذلك.

براون: لم أوافق أنا، ولا مايك على الألقاب، لأني اعتقدت أنها تجعله تافهًا، وظننت أن من شأنه أن يتصل بي كل أخرق على الكوكب بمجرد نشره. وكان هذا حقيقيًّا – تليفونات لا نهاية لها من أناس يرون شخصًا صغيرًا مُشْعًِرا في أفنية بيوتهم.

عندما نشرت الأوراق التي تبلغ عن الاكتشاف1,2 في 27 أكتوبر 2004 (28 أكتوبر في أستراليا وإندونيسيا)، جذبت اهتمامًا جماهيريًّا بطريقة لا تحوزها سوى بضع قصص خبرية.

لي دايتون (مراسل علمي): كان الاكتشاف ضخمًا، ضخما للغاية. كان كل شخص يتحدث عنه، حتى المحررين الذين يبغضون العلوم تمامًا أيًّا كانت، كانوا مفتونين. كنت أتصفح الجريدة، النسخة المطبوعة من القصة الخبرية التي كتبتها لصالح «ذا أستراليان» The Australian، بقية الأخبار كانت عن الشأن السياسي المعتاد، وتحقيقات الشرطة، وأرقام التضخم، ثم «صغار، لكنهم بشر».

بيل ﭽنجرز (عالِم مستحاثات أسلاف البشر): اضطررت لمراجعة التاريخ، للتأكد من أنها ليست كذبة إبريل. كان متعذرًا جدًّا لكل ذي عينين أن يكون هناك هذا البشري الضئيل الذي تطوَّر في عزلة في جنوب شرق آسيا، والله يعلم كم مَرّ عليه واستمر حتى بلغ العصر الحديث تقريبًا.

روبرتس: حظي هذا الاكتشاف حقًا بقدر كبير من اهتمام وسائل الإعلام. بطريقة أكثر من المألوف. كل صحيفة أرادت الحديث إليك، وكذلك برامج التليفزيون.. أراد الجميع الحديث مع كل واحد منا.

براون: الصحافة بطريقتها، دائمًا ما تحب الجدال.. فليس كافيًا أن تكون لديك فقط قصة جيدة فقط. لا أحد يريد أن يقرأ هذا، وهُم دائمًا يحاولون البحث عن شخص غير موافق.

ماسِك هننبرج (عالِم مستحاثات أسلاف البشر): تلقيتُ مكالمة هاتفية في السابعة صباح 28 أكتوبر 2004، من صحفي بهيئة الإذاعة الأسترالية (إيه بي سي)، الذي سألني: «ماذا ترى بشأن الاكتشاف الجديد؟» قلت: «لا أرى أي شيء. أنت أيقظتني لِتَوِّك». قال لي إن أوراقًا نُشرت في دورية Nature تقول إن هناك نوعًا جديدًا. قلت: «حسنًا، أعطني بضع ساعات، حتى يتسنى لي العثور على الأوراق». بينما كنت أقرأ، تذكرتُ ورقة عن جمجمة صغيرة الدماغ من جزيرة كريت، عمرها نحو 4,000 سنة. كل قياسات جمجمة LB1 لا تختلف كثيرًا عن الجمجمة المرضية من كريت. لذا.. في الساعة 11 صباحًا، ذهبت إلى راديو هيئة الإذاعة الأسترالية، وقلت أعتقد أنهم عثروا على عيِّنة مرضية. وهذا النوع من التفسير جذب الكثير من الاهتمام.

ثار المزيد من الجدل عندما قرر تيوكو جاكوب ـ رئيس المعهد الوطني الإندونيسي لمستحاثات أسلاف البشر ـ أن عظام الهوبيت تخص مختبره.



روبرتس: وَجَّه سويجونو دعوة إلى تيوكو جاكوب ليلقي نظرة على العظام، وقتئذ وضعها جاكوب في حقيبة، وسار خارجًا من الباب وهي معه. فَقَدَ مايك أعصابه تمامًا واستشاط غضبًا. لم أظن أبدًا أننا سنرى العظام مرة أخرى.

براون: كان الشيء المشين حقًّا أنهم حاولوا عمل قوالب وسَبْك لهذه المادة. إنني لم أفعل هذا، لأنه كان من الواضح أن المادة رخوة وهشة جدًّا على أخذ قوالب لها. وعندما فعلوا ذلك، انكسر الفك السفلي، وتحطمت الجمجمة.

عادت العظام إلى جاكرتا، لكن الجدل حول هوية الهوبيت ازداد سخونة. دعا موروود متخصصين لفحص الأحفورة، واتفقوا معه في الرأي على أنها كانت لنوع جديد. بعض الدراسات المهمة ركزت على القوالب الداخلية – قوالب لداخل جمجمة الهوبيت التي كشفت تفاصيل دماغه.

ﭽنجرز: لم يكن مايك ليسأل مرتين. فقد قُدم إلى الفريق شخصيًّا في جاكرتا في عام 2006، ومنذ ذلك الحين ـ وللأبد ـ تستحوذ هذه الحفرية على قسم طيب من مسيرتي المهنية.

روبرتس: بدأ عدد غير قليل من الجانب الأمريكي في إلقاء ثقله وراء فريقنا، وساعدونا في المضي والثبات. لقد فككوا الهوبيت فعليًّا إلى أجزاء، وضمُّوها إلى بعضها البعض مرة أخرى، ووجدوا بالفعل أنه نوع غير عادي تمامًا من الحيوان.

ﭽنجرز: كنت قادرًا على تجميع قدم كاملة تقريبًا، لم تكن تشبه أي شيء رأيته في سجل الحفريات. أعتقد أن هؤلاء الأشخاص كانوا متسلقين. لا أعرف إنْ كنت قد زرت فلوريس، لكن كان هناك تنانين كومودو ضخمة على الجزيرة عندما كان هؤلاء الأشخاص يجوبونها. والتنانين البالغة لا تتسلق، لذا.. إذا كنت هوبيت، فملاذي سيكون في الأشجار.

دين فولك (متخصصة في علم الأجناس البشرية التطوري): دعاني مايك موروود لإعداد القالب الداخلي ووصفه. كنت متحيزة عند البدء في الدراسة. ولأنّ الدماغ كانت صغيرة جدًّا، ظننت أنها ستكون شبيهة بالرئيسيات الأخرى التي لها أدمغة من الحجم ذاته، وتحديدًا القردة، لكنها لم تكن كذلك. لم تشبه دماغ شمبانزي. كان القالب الداخلي للإنسان المنتصب Homo erectus أكثر ما يشبهها في شكلها العام.

واصل علماء آخرون تأييدهم لفكرة أن عيِّنة LB1 لإنسان مريض.



روبرت مارتن (متخصص في علم الأجناس البشرية الحيوي): أعتقد جادًّا أن هناك شيئًا شاذًّا فيما يخص عينة LB1. أفضل ما يمكنني القيام به هو دراسة صغر الرأس. هناك مئات الجينات التي يمكنها أن تنتج دماغًا صغيرة، مع آثار غير مباشرة على جميع البدن.

 فولك: كان لدينا شعور بأننا بحاجة إلى القيام بدراسة صغر الرأس. وانتهيت إلى تتبُّع هذا الخيط، وجمعت عيِّنة صغيرة جدًّا، نحو عشرة، لكن من الصعب حقًّا أن تجد عشر قوالب من الصعليات. عندما نظرنا في أمر LB1، وأظهرنا أنه ما من سبيل لأن تكون صغيرة الرأس. من وجهة نظري، هذا البحث3 حسم الأمر، وأظننا أقنعنا الجميع تقريبًا، عدا بعض الناس. أعتقد حتى أنهم اقتنعوا في النهاية، لأنهم غيروا الأمراض. «فرضية الهوبيت المريض»، كما سماها بيل چنجرز.

ﭽنجرز: بدا وكأنّ لدينا مرضًا جديدًا كل يوم. هذا جنون، جنون. للأسف، أمضينا الكثير من الوقت للتعامل مع أشياء مثل متلازمة لارون، والقماءة، والفرضيات الجامحة والغامضة.

هننبرج: قبل نحو عامين ونصف العام، اتضحت الصورة. استطعت أن أرى جميع علامات العظام متوافقة مع متلازمة داون. هناك 20 سمة أو نحوها متطابقة. وما من سمة واحدة لا تتفق مع LB1.

مارتن: بصراحة تامة، لا أعتقد أننا حققنا الكثير من التقدم في عشر سنوات. ما لدينا.. هو بمثابة مواقف متصلبة. ينبغي علينا الحديث عن التفسيرات والحقائق، لا افتراء الأكاذيب. إنني لست أحمق، لأنني أشكك في هذا.

ليزلي آيلو (متخصصة في مستحاثات أسلاف البشر): كانت هناك بعض القضايا المهمة، التي نشأت إبان الجدل الذي أثاره أنصار فرضية النوع الجديد، ووجبت معالجتها، لكن اتضح أن دحض الفرضية كان قبض ريح.

فولك: في علم أجناس البشر القديمة، هناك دائمًا: ما كان، ودائمًا ما سيكون.. جدل حول أيّ عينات جديدة. كنت مندهشة قليلًا من هذا القدْر من المبالغة في يومنا وزمننا هذين.

آيلو: تداخلت أمور شخصية. والمجال مليء بالغرور، لا سيما غرور الذكور.

روبرتس: أعتقد أن الرأي الآن: نعم، إنها ليست لإنسان حديث مريض، لكن ما إذا كانت نسخة متضائلة من الإنسان المنتصب Homo ertectus، أو شيئًا أكثر قِدَمًا مثل الإنسان الماهر Homo habilis، أو حتى الأسترالي australopithecine، الذي احتال وكافح للخروج من أفريقيا، فهو أمر لم يُحسم بعد.

براون: جل اهتمامي مُنْصَبّ على كيفية وصول العيِّنة إلى حيث كانت، وكان هذا يتطلب اكتشاف مادة إضافية. ربما لا يحدث هذا وأنا على قيد الحياة.

آيلو: سوف يحدث... إنني أخبر طلابي كل عام باكتشاف شيء ما. ولم أكرر المحاضرة نفسها مرتين.

روبرتس: هذا هو السبب في أننا لا نزال نحاول الحفر في وسط الجزيرة، نبحث في حوض صوا على فلوريس. كان لمايك رأي آخر: دعونا نحاول العثور على عظام الأسلاف، أينما أتوا، إذ ربما تكون في شمال فلوريس. لذا.. ذهبت أنا ومايك إلى الفليبين، وذهبنا أيضًا إلى سولاويزي، في إندونيسيا. كان مايك لا يزال يُجْرِي حفريات للتنقيب في سولايزي، مثلما يقوم كثيرون بذلك هنا.

ﭽنجرز: لم ألتق أي شخص ذا عزم وجلد ومثابرة مثلما كان مايك. كان دائمًا يرنو إلى المستقبل بحثًا عن التنقيب المقبل. لقد نقّبت في ليانج بوا بشكل متقطع، وآخر مرة رأيت فيها مايك كانت في الصيف السابق لرحيله.

روبرتس: جاء مايك بالفعل لِيَرَاني، وقال: «آه بيرت، أحتاج إلى الحديث معك بشأن أمر ما. أنا مريض بالسرطان». بدا أنه يتعب أكثر، وبسهولة أكثر، ولم يكن هذا شأن مايك أبدًا.

ﭽنجرز: توفي مايك متأثرًا بمضاعفات سرطان البروستاتا. كان عمله يستنفده، وأظنه أهمل في صحته. لم يكن يعتني بنفسه كما ينبغي، وحتى حين شُخِّصت حالته، كان الشيء الوحيد الذي يريد الحديث بشأنه هو الحملة القادمة. كان أصيلًا، وصار صديقًا طيبًا. إنني أفتقده.

روبرتس: مَنْ كان يظن منذ عشر سنين أن مايك لن يكون معنا الآن؟ كان لا يثنيه شيء. ولم يكن الاكتشاف ليتم بدونه.

لايزال فريق الهوبيت يحفر في ليانج بوا. مع عمل تأريخي جديد، يأمل الباحثون في تحديد متى انقرض إنسان فلوريس، وما إذا كان قد عاصر الإنسان الحديث في المنطقة. لقد دفع اكتشاف الهوبيت بجنوب شرق آسيا إلى طليعة البحث في تطور الإنسان، موحيًا بأن أحداث رئيسة ربما حدثت هناك، لكن الاكتشاف أيضًا عَقَّدَ قصة أجناس البشر في آسيا.

روبرتس: كانت لدينا قصة بسيطة لطيفة، حيث كان لدينا الإنسان المعاصر، والنياندرتال (الإنسان البدائي) الذي فَنِيَ، وكانت هذه نهاية البدائيين. لقد قطعنا جنوب شرق آسيا، وهي خاوية، لأن الإنسان المنتصب كان قد اختفى من هناك بالفعل، ثم يمَّمنا شطر أستراليا، ومن هناك انطلقنا. كانت هذه قصة قصيرة واضحة، وكان وقْعها لطيفًا. كان الجميع سعداء بذلك، ثم فجأة أطل الهوبيت برأسه.

براون: إنني الآن أكثر انفتاحًا على فكرة أن ذوي القدمين، صغار الجسم، صغار الأدمغة انتقلوا من أفريقيا في وقت مبكر عن ذلك بكثير، ربما منذ 3 ملايين سنة، أو قبل ذلك. أنا أكثر انفتاحًا على فكرة أنه كانت هناك إخفاقات عديدة في تطور ذوات القدمين، بعضها نجح، والآخر لم ينجح. إنها شجرة شديدة التفرع، وما حدث فقط أننا نَجَوْنا وبقينا.

روبرتس: بالنسبة لي، القيمة النهائية للهوبيت ليست هويته في حد ذاتها، لأنها طريق مسدود. وربما لم تؤد إلى أي شيء حتى الآن، لكنها فتحت الباب أمام الناس للتفكير عن كل شيء بشكل أرحب. أظن أن الهوبيت غيَّر الطريقةَ التي يفكر بها الناس.

  1. Brown, P. et al. Nature 431, 10551061 (2004).

  2. Morwood, M. J. et al. Nature 431, 10871091 (2004).

  3. Falk, D. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 104, 25132518 (2007).