أخبار

ضربة شمس تُبْقِي «كبلر» على قيد الحياة

التليسكوب الفضائي يتغلب على أعطال ميكانيكية؛ ليبدأ مهمة ثانية تتعقب أهدافًا سماوية جديدة.

مارك زاستروف
  • Published online:

غيمة الحواء رو هي سديم تكوُّن نجوم، قيد الرصد حالًّيا من قِبَل تليسكوب كبلر الفضائي.

غيمة الحواء رو هي سديم تكوُّن نجوم، قيد الرصد حالًّيا من قِبَل تليسكوب كبلر الفضائي.

NASA/JPL-Caltech/Harvard-Smithsonian CfA


يتمتع التليسكوب الفضائي كبلر المعطوب بحياة ثانية على نحو غير متوقع. وسيوجِّه هذا المسبار الصياد للأجرام السماوية الموجودة خارج المجموعة الشمسية أنظاره إلى العناقيد النجمية، وإلى مركز درب التبانة، والكواكب الخارجية من المنظومة الشمسية، أثناء مسحه لشريط من الكون خلال السنوات الثلاث القادمة. أما هذا الشهر، فقد كان يحدِّق في غيوم غازية تحجب نجومًا فتية في كوكبتي العقرب، والحواء.

أعطى هذا التليسكوب، المصمَّم أصلًا للبحث عن كواكب شبيهة بالأرض، تدور حول نجوم أخرى في منطقتنا من مَجَرَّة درب التبانة، لِتَوِّه أول مجموعة من البيانات منذ إعادة إحيائه بعد تعرضه لأعطال ميكانيكية، لكن فريقه العلمي ما زال مشغولًا بتحليل بيانات تعود إلى مهمته الأولى في اصطياد الكواكب، ولذا.. ترك مديروه في «ناسا» لمجتمع الفلكيين الواسع حرية اختيار أهداف معينة لمهمة ثانية، تُعرف بـK2، والبحث في نتائجها.

يعمل التليسكوب جيدًا، بالنظر إلى كونه تعطَّل، ثم تم إصلاحه. وقد بدأ العلماء بالحصول على أول أرصاد K2 التي توفرت في سبتمبر الماضي، وهم يقولون إن البيانات واعدة، وإنهم توّاقون إلى المزيد منها.

حينما أُطلق التليسكوب كبلر عام 2009، سعى إلى الإجابة عن سؤال واحد: ما مقدار شيوع الكرات الأرضية الأخرى في مجرة درب التبانة؟ نظر التليسكوب إلى نحو 150 ألف نجم بالقرب من كوكبتَي الدجاجة والقيثارة، حيث راقب سطوعها مترقبًا خفوتًا لحظيًّا يشير إلى أن كواكب تمر أمامها. وكشفت أرصاد دامت أربع سنوات أكثر من 4000 كوكب، مئات منها صخرية وبحجم الأرض. وكان واحد منها على الأقل ضمن منطقة نجمه الملائمة للحياة، حيث يمكن للماء أن يوجد سائلًا على سطحه (انظر: Nature http://doi.org/wf4; 2013).

عجلات التحكم الأربع شديدة الأهمية لنجاح كبلر، وهي التي تُبقيه ثابتًا كالجيروسكوب أثناء دورانه حول الشمس. وقد بقي كبلر عاملًا بعد تعطل واحدة منها في يوليو 2012، ولكن عندما تعطلت عجلة ثانية في مايو 2013، ظل كبلر بعجلتين، وبمحوري تحكم فقط.

كبر الصورة


قال جون ترولتسش، مدير برنامج كبلر لدى بول إيروسبيس Ball Aerospace، واصفًا مشاعره حينما علم بالعطل الثاني: «اشعر بحزن وخيبة وبعض الأسى». فقد صنع فريقه وشغَّل المركبة لمصلحة «ناسا» في مرفق بول إيروسبيس في بولدر بكولورادو. بدت مهمة كبلر وكأنها قد انتهت. وبعد ثلاثة أيام، فتح ترولتسش رسالة إلكترونية من المهندس دوج ويمر من بول إيروسبيس، يقترح فيها طريقة لإصلاح المركبة. بعد خمس ساعات وثماني رسائل إلكترونية، عرض ويمر الخطوط العريضة لخطة إعادة كبلر إلى الوقوف على قدميه.

فصَّل ويمر عكازًا لكبلر، مستعملًا المورد الوحيد المتاح: ضوء الشمس. بوضع المركبة الفضائية بحيث يواجه جانبها الطويل الشمس، ستميل بسبب الضغط الناجم عن قذفها بالفوتونات، وتتوازن باستعمال عجلتيها الصالحتين. بهذه الطريقة، أمل الفريق في الوصول إلى عُشْر أداء كبلر الأصلي، ولكن باستعمال تنقيحات إضافية للبرمجيات ـ كما يقول تشارلي زوبك، مدير مشروع كبلر لدى ناسا ـ يمكن للتحسين أن يكون أفضل من ذلك؛ ليصل إلى نحو واحد من اثنين أو من ثلاثة من الأداء الأصلي. يرى ويمر أن تحسينات أخرى ستردم الفجوة كليًّا.

من محدوديات المهمة K2 أن كبلر يجب أن يُبقِي جانبه مقابلًا للشمس أثناء مداره، وهذا يُرغمه على تغيير مجال رؤيته كل 80 يومًا تقريبًا. تلك مدة غير كافية لتصيُّد كواكب شبيهة بالأرض حول نجوم شبيهة بالشمس، لكنها تسمح لـK2 بملاحقة أجرام سماوية أخرى من قبيل عناقيد نجمية تكونت حديثًا (انظر: «تغيير حقل الرؤية»).

سيوجه كبلر أنظاره في فبراير إلى العنقودين الشهيرين (الثريا والقلاص)، ثم في إبريل إلى (خلية النحل، وM67). يحب الفلكيون هذه الأجرام، لأن النجوم فيها من العمر نفسه، وهذا ما يُستنتَج بسهولة من خلال رسم منحنيات سطوعها ولونها. يجب أن توفر هذه الأرصاد لقطات لمنظومات كوكبية في أثناء تكوُّنها الأوَّلي، وهذا ما يمكن أن ينهي الجدل حول كيفية تكوُّن الكواكب وهجرتها.

وثمة فرص أخرى بالقرب منا. ففي حياة كبلر السابقة، كشف كبلر أن العمالقة الجليدية من حجم نبتون هي الأكثر شيوعًا في مجرة درب التبانة. وفي هذه السنة والتي تليها، سيوجه أنظاره إلى عملاقي المنظومة الشمسية (نبتون وأورانوس)؛ آملًا في معرفة المزيد عن بنيتيهما الداخلية عبر رصد نبضات من الاهتزازات الزلزالية فيهما.

وضع فريق كبلر خططًا حتى إبريل 2016، عندما ينظر كبلر إلى مركز درب التبانة باحثًا عن أجرام غامضة تُسمى بالكواكب الطليقة Free-floating. توحي أرصاد سابقة بأن عدد الكواكب من حجم المشتري يفوق عدد النجوم في درب التبانة بمرتين أو أكثر. ويمكن لمعظمها أن يُكتشَف فقط عندما يمر أمام نجم بعيد، حيث تحني جاذبيتها ضوء النجم كالعدسة. ويجب أن يكون كبلر قادرًا على تأكيد أعداد تلك الكواكب الانعزالية، كما يقول أندرو جولد، الفيزيائي الفلكي بجامعة ولاية أوهايو في كولومبس. ويرى جولد أنه من المرجح أن يكون بعض الكواكب الطليقة قد أُخرج من منظوماته، لكن كتله الكبيرة أيضًا تجعل من الصعب تخيُّل كيفية حصول ذلك. وإحدى الإمكانيات هي الالتقاء بنجوم أخرى.

ثمة أهداف أخرى محتملة كثيرة، منها أقزام بُنِّية ـ وهي أصغر نجوم معروفة، وتوجد فيها غيوم وأعاصير كالمشتري ـ وأقزام بيضاء، وهي خافتة، مقارنةً بالنجوم الشبيهة بالشمس. هذا يجعل الكواكب التي تستضيفها الأقزام البيضاء سهلة الرؤية، ولذا.. تُعتبر أهدافًا مغرية للمراصد المستقبلية، مثل تليسكوب جيمس وِب الفضائي، التابع لـ«ناسا»، والمقرر إطلاقه في عام 2018.

يخشى بعض الفلكيين من محدودية إنتاجية K2، بسبب شح مِنَح البحوث من «ناسا»، لا بسبب عدم توفر البيانات. فالتمويل المضمون لعمل كبلر هو 2 مليون دولار سنويًّا فقط. وثمة مبلغ منفصل، مقداره 17 مليون دولار، يُوزع سنويًّا على جميع أعمال تحليل البيانات المؤرشفة من مهمات «ناسا» السابقة، لكن التحرك نحو زيادة تمويل المؤرشفات بطيء لدى ناسا، وفقا لرأي جريجوري سلون، الفلكي بجامعة كورنل في إيتاكا بنيويورك، إلا أنه ضروري لتوفير الوقت اللازم للباحثين؛ لمتابعة جني الفوائد العلمية من مهام مثل K2. يقول سلون: «المسألة هي أن ثمة مجموعة بيانات كبيرة وغنية، وستمضي سنوات طويلة قبل أن نستوعبها فعلًا».