رؤية كونية

مستقبـل عاصِف للدراسـات البيئيـة طويـلة المـدى

يحذِّر تيم بيركهيد من الأولويات الجديدة الخاطئة لجهات التمويل، بعد إيقاف مشروع بحثي استمر لمدة أربعين عامًا لفَهْم طيور البحر، وحمايتها.

تيم بيركهيد
  • Published online:

Tom Finch


في الأشهُر الأولى من العام الجاري، ضربت سلسلة من العواصف العنيفة الساحلَ الغربي لأوروبا، وعانت طيور البحر كثيرً، لكي تحصل على غذائها، وسط الأمواج المضطربة، التي قذفت بنحو 40 ألف طائر نافق منها على الشاطئ. ومن المتوقع أن يؤدي التغير المناخي إلى زيادة تكرار مثل هذه العواصف. وحتى نفهم تأثير ظاهرة الاحترار العالمي على المنظومة البيئية، يجدر بنا أنْ نحلِّل تأثير مثل هذه العواصف على الكائنات الحية وسلامتها.

حتى وقت قريب، كنتُ في موضع ممتاز يؤهلني لإجراء هذا التحليل. فعلى مدار 40 سنة، درستُ طيور الجلموت (guillemots) التي تعيش في جزيرة سكومر، قبالة سواحل ويلز. وكشفَت أبحاثي أن هذه الطيور ـ على سبيل المثال ـ أصبحت تتناسل أسبوعين مبكرًا قبل موعدها، مقارنةً بما كانت تفعل في السبعينات، بسبب التغير المناخي على الأرجح.

إنّ هذا النوع من الأبحاث ليس سهلًا، فقد استغرق مِنِّي فَهْم حياة هذه الطيور أربعة عقود، لكي أجمع البيانات الضرورية، إذ يتطلب ذلك قياسات دقيقة لمتوسط عمر طيور الجلموت البالغة، وعدد الفراخ التي تفقس من بيضها، وعمرها عندما تبدأ في التكاثر، ونسبة الطيور الصغيرة التي تعيش إلى عدد الفراخ الفاقسة، وهكذا... لكن الأمر لم يعد كذلك الآن، إذ تبخَّرت قدرتي على إجراء هذا البحث مع تجمُّد تمويل المشروع، ولم يعد لديَّ من المال ما أدفعه لباحث مساعد؛ كي يساعدني في تحديد وحصر الطيور التي استطاعت الصمود أمام هذه العواصف.

لتقييم تأثير هذه العواصف، نحتاج إلى جمع البيانات من موسم التناسل في عام 2015؛ لدعم النماذج الإحصائية التي نستخدمها لحساب عدد الطيور الناجية. ومن المحبِط أن المسؤولين اختاروا هذه اللحظة لإيقاف التمويل، عندما سنحت لنا فرصة ذهبية لتقييم تأثير التغير المناخى على طيور البحر.

تمثل طيور الجلموت أحد أوفر طيور البحر عددًا، وتمثل مؤشرًا ممتازًا لسلامة الحياة البحرية. فعلى سبيل المثال.. تضررت هذه الطيور كثيرًا من التلوث البحري بالنفط، ونفقت الآلاف منها بسبب تسرُّب النفط، كهذا الذي حدث عندما غرقت ناقلة النفط «توري كانيون» Torrey Canyon في عام (1967)، و«إريكا» Erika في عام (1999). وكان لمثل هذه الكوارث نصيب كبير في تذبذب أعداد طيور الجلموت خلال الثمانين عامًا الماضية.

في الثلاثينات، توقفت أعداد طيور الجلموت التي تعيش في جزيرة سكومر عند 100 ألف زوج. وقبل عام 1972، عندما بدأتُ دراستهم، انخفضت الأعداد إلى 2000 زوج، بسبب البقع النفطية المتسربة من السفن الغارقة بالقرب منها خلال الحرب العالمية الثانية. ومنذ الثمانينات، بدأت أعدادهم في الازدياد، وأصبح هناك ما يقرب من 25 ألف زوج.

هناك شعور بأن إجراءات الحِفاظ والرَّصْد ممارسات علمية منخفضة الجودة وينبغي أن تكون رخيصة.

على مدار العشرين عامًا الماضية، قام مجلس ويلز الريفي بتمويل هذه الدراسة، التي تهدف إلى فَهْم الجوانب الأحيائية لطيور الجلموت، وإنشاء نظام علمي للمراقبة الصارمة. وفي عام 2013، خضع المجلس لهيئة جديدة، هي هيئة «ويلز للموارد الطبيعية» NRW، التي أوقفت تمويلًا قيمته 12 ألف جنيه استرليني (19 ألف دولار) في السنة.

برَّرت هيئة «ويلز للموارد الطبيعية» بأن هناك نقصًا في المال، لكنني أعتقد أن هذه الخطوة ترجع إلى تغيُّر في الأولويات. فيبدو أن هيئة «ويلز للموارد الطبيعية» لا تقدِّر قيمة ما حققته دراستي من فحص شامل لسلامة طيور الجلموت. وهناك شعور بأن إجراءات الحِفاظ والرَّصْد ممارسات علمية منخفضة الجودة، وينبغي أن تكون رخيصة، بل إن هناك شعورًا بأن المراقبة ليست مهمة أو مجدية.

يمثل استمرار التمويل مشكلة كبرى لكل علماء الأحياء الذين بدأوا دراسات طويلة المدى. فأغلب المِنَح البحثية تتراوح ما بين 3 و5 سنوات، لكنْ في ظل المناخ الاقتصادي الحالي، من الصعب التنبؤ بتجديد التمويل. وبالطبع، يحلم جميع الباحثين باستمرار التمويل، لكن الدراسات البيئية طويلة المدى تمثل حالة خاصة، فهي غالبًا ما تنجح بشكل غير مباشر في الوصول إلى اكتشافات جديدة، لأن الباحثين يحيطون علمًا بالأجناس أو أنواع الكائنات التي يدرسونها في مختلف ظروف البيئة المتنوعة.

لقد أثبتت دراسات الكائنات الحية طويلة المدى ـ على سبيل المثال ـ أن إناث الشمبانزي، بخلاف إناث البشر، لا تمر بمرحلة انقطاع الطمث وفقدان القدرة على التكاثر. وكشفت هذه الدراسات أن العمر الذي تبدأ فيه طيور الأوز الصامت (mute swans) التوقف عن التكاثر إنما يتحدد بالصفات الوراثية. وأثبتت هذه الدراسات أن العوامل البيئية النادرة ـ مثل النقص الحاد في الطعام ـ تحوِّل الطيور المسالِمة المتعاونة إلى طيور أنانية، تقتل نسل وذُرِّيَّة الطيور الأخرى بكل شراسة ووحشية.

التركيز الحالي لهيئات التمويل الرئيسة على ما يعتبرونه أبحاثًا مفيدة اقتصاديًّا ذات مردود سريع هو تركيز قصير النظر. فعندما بدأتُ دراستي في السبعينات، لم يكن التغير المناخي في حسبان أيّ أحد. وكانت الميزة الرئيسة للدراسات طويلة المدى هي أنها تتيح للباحثين التعامل مع مشكلات لم يتصورها أحد. وإذا كنا نأمل في الحفاظ على بعض الأنواع، فينبغي أن نفهمها، ونفهم الطريقة التي تتأثر من خلالها بالتغيير البيئي.

في عام 1972، كان هدف مشروعي الأصلي للحصول على الدكتوراة، تحت إشراف كريس بيرينز، وديفيد لاك، هو فهم آليّات تدهور طيور الجلموت على جزيرة سكومر. وكان لاك معروفًا بدراساته للظروف البيولوجية للطيور، وهو اهتمام جسَّده في أحد أفضل كتبه «التنظيم الطبيعي لأعداد الحيوانات»، الذي صدر في عام (1954). وما اعتقد كريس أنني قادر على تحقيقه خلال دراسة الدكتوراة في ثلاث سنوات لا يزال أمرًا غامضًا بالنسبة لي، رغم أن طيور الجلموت تعيش 20 سنة على الأقل، ولا تبدأ في التكاثر حتى يصبح عمرها خمس سنوات على الأقل.

بعد أن مضت أربعون سنة، سألني بيرينز عمّا إذا كنتُ سأنتهي من المشروع الذي اختارني له قريبًا، أم سأحتاج إلى وقت أطول. والحقيقة أنني أتمنى بشدةٍ إنهاء المشروع.