افتتاحيات

مفعـول سـام

يجب على أوروبا العمل على منع عقاقير الثروة الحيوانية من إبادة أعداد طائر النسر لديها.

  • Published online:

قد ينذِر نِسْرٌ ميت في إسبانيا بوقوع أزمة في أعداد الطيور الجارحة، لأن عقارًا تَسَبَّب في نفوق مئات الآلاف من الطيور، ودفع ببعض الأنواع إلى حافة الانقراض في قارة آسيا، يهدِّد الآن أوروبا بالمصير ذاته. وهو ما يشير إلى وجوب توقُّف «الوكالة الأوروبية للأدوية» EMA عن استعمال هذا العقار.

وقعت هذه الأزمة في إسبانيا منذ عامين. ومؤخرًا، تم تحديد السبب المرجَّح لنفوق النسور، وهو دواء يُعطَى للماشية (I. Zorrilla et al. Conserv. Biol. http://doi.org/wf5; 2014)، وتُظْهِر الحوادث في آسيا المدى الذي ستكون فيه العواقب وخيمة. ففي تسعينات القرن العشرين، نفقت النسور في شبه القارة الهندية بأعداد هائلة، وفقدت بعض أنواع الطيور أكثر من %95 من تعدادها، وكانت العواقب كارثية، فبينما خلت السماء من الجوارح، تُركت الماشية النافقة لتتعفن في الحقول، لا تجد مَنْ يتغذى عليها.

وأخيرًا، ألقى البحث باللائمة على العقار «دِيكلُوفِيناك» diclofenac المضاد للالتهاب، الذي استُخدم على نطاق واسع في علاج الماشية من أعراض مختلفة، تبدأ من الالتهاب الرئوي، وتنتهي بالتهاب الضروع. وبالرغم من أن العقار غير ضار بالنسبة إلى الأبقار، إلا أنه سام بدرجة شديدة بالنسبة إلى النسور، التي تتغذى على الجِيَف (J. L. Oaks et al. Nature 427, 630–633; 2004).

نتيجة لذلك.. وضعت الهند، وباكستان، ونيبال قيودًا ثقيلة على استخدام العقار في الثروة الحيوانية. ورغم أن النشطاء يقولون باستخدام البيطريين لزجاجات عقار مخصصة ـ في الأساس ـ للبشر، إلا أن الخطر على جوارح آسيا قد تضاءل. لم تتعافَ أعداد الطيور بعد، وما زالت بعض الأنواع في تناقص، لكن هناك أمام الطيور ـ على الأقل ـ حاليًا فرصة للبقاء.

أمّا أوروبا، فتمضي في المسار العكسي.. فرغم تحذيرات العلماء، أجازت إسبانيا ـ موطن الغالبية العظمى من نسور أوروبا ـ العام الماضي استعمال "ديكلوفيناك" للماشية. وتنظر الوكالة الأوروبية للأدوية في المخاطر الناجمة عن الدواء؛ لتقرِّر ما ستفعله بشأنها.

يُعَدّ اكتشاف احتمال أن نسر عام 2012 خَرَّ صريعًا بسبب دواء شبيه، يُطلق عليه «فلانيكسين» flunixin، (انظر: Nature http://doi.org/wfx; 2014)، مثيرًا للقلق لسببين: أولاً، أنه يُظْهِر أن «ديكلوفيناك» ليس المنتج الوحيد في الفئة المعروفة باسم «العقاقير المضادة للالتهاب غير الاستيرويدية» (NSAIDs)، التي تمتلك القدرة على قتل النسور والطيور الجارحة الأخرى. ثانيًا، يدل الاكتشاف على أن جِيَف الماشية الحاملة لكميات كبيرة من هذه الأدوية تصل إلى سلسلة غذاء الحيوانات البرية في أوروبا. وفي هذه الحالة، يُحتمل وصولها عن طريق التقليد الإسباني في تجميع الجِيَف في صورة مِكَبّ نفايات كغذاء للحيوانات «muladares».

يتعين حاليًّا أن تتحرك الوكالة الأوروبية للأدوية، لوضع قيود شديدة - إن لم يكن فرْض حظر ـ على استخدام عقار «ديكلوفيناك» في الثروة الحيوانية. وهناك بالفعل عقار بديل متوفر، لا يضر بالنسور، هو «ميلوكسيكام» meloxicam، ينبغي أن يستخدمه الأطباء البيطريون في المقام الأول. وكما طالب الباحثون، الذين نشروا عن النسر صريع دواء «فلانيكسين»، يجب أن يأخذ المنظمون بعين الاعتبار آثار كل فئة "العقاقير المضادة للالتهاب غير الاستيرويدية" المستخدَمة في الثروة الحيوانية على النسور. ورغم أن «ديكلوفيناك» قد يكون الأكثر فتكًا، يجب أن نعرف ما تمثله أيضًا العقاقير الأخرى من تهديد على الطيور التي تتغذى على الجِيَف، وكيف يمكن التعامل معها.

على المدى الطويل، يَلْزَم المنظمون فى إسبانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي أن يبحثوا في كيفية السماح لعقار تتوافر فيه هذه الأدلة بشأن أضراره البيئية بأنْ يصل إلى السوق.

إنّ إسبانيا معقل هام للنسور، وهذا وحده قد يكون سببًا كافيًا للنظر بجدية في تقييد استخدام عقار «ديكلوفيناك»، لكن على الاتحاد الأوروبي أن يمثل قدوة تَحتذِي بها بقية دول العالم.. فإذا سَمَحَ باستمرار استخدام «ديكلوفيناك»؛ يمكن لبلدان ـ مثل الهند ـ أن تقرِّر التخفيف من قيودها المفروضة على استخدامه، وقد تعيد دولٌ أفريقية التفكير في خططها؛ لحظر العقار.