افتتاحيات

بعد هدوء الزوبعة

ما الدروس المستفادة من التغطية الإعلامية لإعلان اكتشاف موجات الجاذبية؟.

  • Published online:


بعد مرور أكثر من ستة أشهر على إعلان العلماء المبدئي باكتشاف أدلّة على موجات الجاذبية ـ تمثل أصداء الانفجار العظيم ـ أصبح هذا الإعلان في مهب الريح. فقد أكَّدت الأبحاث التالية أن معظم الإشارات ربما تكون قد تلوثت بالغبار الكوني. وهكذا، خبت شعلة توقعات الفوز بجائزة «نوبل» لفريق الباحثين الذين أطلقوا هذا الإعلان. لقد ذهبت السَّكْرة، وجاء الآن دور الفكرة والحقيقة المُرّة.

عندما يَخرج أحدٌ بحقيقةٍ أو اكتشاف غير عادي، تخضع هذه الحقيقة ـ أو هذا الاكتشاف ـ للتدقيق والفحص والتحقيق المكثف؛ للتأكد من صحتها. وهكذا تُبنى صروح العلم الراسخة، ما بين حقيقة وحقيقة أخرى مضادة، وقذائف من الفكر والمعلومات يتم إبطال مفعولها بالتجريب والاختبار.

إنّ الجدل الدائر حول إعلان اكتشاف موجات الجاذبية لن يخفت، بل سيستمر طويلًا. ففي الأسبوع الثالث من أكتوبر الماضي، عقد مجلس تطوير الكتابة العلمية في كولومبس، بولاية أوهايو ـ الذي يتكون من علماء وصحفيين ـ اجتماعًا من أجل البحث عن «الدروس» التي اكتسبها العلماء والكُتّاب العلميون المشاركون في تحرير وكتابة خبر تليسكوب BICEP2 (التصوير الخلفي الكوني للاستقطاب فيما وراء المَجَرَّات). تُرى، ماذا كانت هذه الدروس؟

أوّل هذه الدروس كان تسليط الضوء على كيان معين، مثل «مجلس تطوير الكتابة العلمية»، الذي لم نكن نعرف أنه موجود أصلًا. فالعديد من العلماء يعتبرون الإعلاميين والصحفيين غير حريصين أو راغبين في الخوض في عمق التفاصيل العلمية، وإزالة اللبس عن غموضها. وفي حقيقة الأمر، ليس هناك فرع من الصحافة يدقق نفسه ويحرص على حسن أدائه وجودته مثل الصحافة المعنيّة بتغطية العلوم. ومن الصعب تصوُّر أنّ صحفيًّا في مجال السياسة أو الرياضة يخصص وقتًا للمناقشة المتعمقة لأي أخطاء قد ارتكبها (إنْ اعترف بها من الأساس)، بعد اتضاح الخطأ في إحدى كتاباته الصحفية.

وقد أدَّى الانتشار المحمود لمُدَوِّني العلوم إلى انتشار اتجاه نقد الذات، حيث ينفق بعض المدوِّنين أغلب وقتهم في انتقاد الكُتَّاب العلميين الآخرين، أو ـ على الأقل ـ تفنيد نماذج أو أمثلة لما يعتبرونه كتابة علمية «دون المستوى». وهذا لا يمنع من أنهم ينشرون الكثير من التقارير الرائعة أيضًا. وبينما يأسَى المحررون العلميون التقليديون لتدهور التغطية العلمية في الصحف الأساسية، فإنهم لا يرون ذلك القدر الكبير من التحليلات والتعليقات التي تُنشر على الإنترنت، ومعظمها شديد التخصص والعمق.

«كما يوضِّح إعلان تليسكوب BICEP2، لم تنته بعد غالبية الدراسات العلمية الجارية في هذا الصدد».

كان لدورية Nature الدولية نصيب من المناقشات التي جرت حول تقرير موجات الجاذبية. ففريقنا الإخباري كان من أوائل الذين نقلوا هذا الإعلان. ونفخر بتغطيتنا (الشاملة)، سواء في دورياتنا المطبوعة، أم على الإنترنت، ولا زلنا نولي هذا الأمر اهتمامنا. فمثل أغلب وسائل الإعلام الإخبارية الأخرى، نشرنا الاكتشافات التي أَعلنت عنها الورقة البحثية المؤقتة بدقة. ومِثل كل وسائل الإعلام الأخرى، حرصنا على تضمين التحذير بأن النتائج تحتاج إلى تأكيد، فهذا اكتشاف لا يمكن أن تتعامل معه الصحافة باستخفاف، فوظيفتها في الأساس إثارة وطرح الأسئلة. وهذا لا ينفي حقيقة أنه لا تُتاح دائمًا للصحفيين فرصة تقديم الإجابات، حتى لو كانوا من أفضل الكُتّاب العلميين.

وماذا عن الدروس التي استفاد منها العلماء؟ كما أوضحنا من قبل، لا يجب أن يخشى الباحثون من الخطأ. فقد يشعرون، ولكن بعد فوات الأوان، أنهم تسرعوا في نشر إعلاناتهم واكتشافاتهم بسرعة، ولكن العِلْم الاحترافي مجال تنافسي يتطور بسرعة، أما الأبحاث الأكاديمية، فهي حذرة، وقد كان رد فعل فريق الباحثين للانتقادات التالية إيجابيًّا وبَنّاء. فالبعض قد يشكك في توقيت الإعلان الذي تم عندما نُشرت الورقة البحثية على الإنترنت، ولم تقبله أو تنشره دورية علمية، ولكن ـ على الأقل ـ كانت هناك أدلّة لفحصها. فإذا كان معظم العلماء ووسائل الإعلام قد تصرفوا بشكل صحيح، فما الذي احتاج الاجتماع إلى مناقشته؟ كان من الممكن أن يصبح الأمر أسوأ من البدء بفحص فيديو الاحتفال على الإنترنت، الذي أنتجته جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، ونشرته ليواكب الإعلان، فالعلماء والصحفيون لهم أن يذكروا ما شاءوا من التحذيرات الأكاديمية، لكن أصوات وصور فتْح زجاجات الشمبانيا ستطغى على المشهد.

هنا، تجب مناقشة قضية لها بُعْد أعمق: اكتشاف علمي لم يُعلَن عنه من خلال مؤتمر صحفي، بل ظهر كحدث. هكذا تم تقديم عملية طويلة معقدة مرهقة، تتكون من ثلاث خطوات إلى الأمام، وخطوتين إلى الخلف، كقفزات عملاقة بين حالات الارتباك والإلهام المفاجئ بمنتهى السهولة. في قلب هذا الأداء المسرحي للأحداث، تقف الورقة البحثية المُحَكَّمة كبناء شاذ. كما أَعْطَى تحديد مواعيد نشر البيانات الصحفية ـ مع صور الاحتفال، أو بدونها ـ الانطباع للصحفيين بأن نشْر الورقة العلمية هو الكلمة النهائية في هذه القضية، مثل التقرير الذي يقدَّم في نهاية مشروع علمي؛ ليفُصِّل كل ما تحقق من إنجازات.

وكما يوضِّح إعلان تليسكوب BICEP2، لم تنته بعد غالبية الدراسات العلمية الجارية في هذا الصدد. وهو خبر سار للعلماء المجتهدين، ولكُتّاب وصحفيِّي العلوم، الذين سيجدون دائمًا اكتشافات علمية لتغطيتها.