تحقيق إخباري

مصادم الهادرونات الكبير: إعادة تشغيل المصادِم الكبيـر

بينما يتأهب مصادم الهادرونات الكبير (LHC) للعودة إلى الحياة، بعد توقُّف دام عامين، يُعِدُّ الفيزيائيون العدة لتجاوز النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات.

ماثيو تشالمرز
  • Published online:

Illustration by Andy Potts


تناول مايك لامونت آخر قطعة «كرواسون» من الطاولة، ومشى يأكلها عبر مركز التحكم في «سيرن» CERN، المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات خارج جنيف، سويسرا. الوقت منتصف الصباح، وغرفة التحكم الزرقاء الشاسعة ممتلئة بالفيزيائيين، وهم يحدِّقون في شاشات الحواسيب. يشرح لامونت ـ مدير عمليات قسم الأشعة بمختبر «سيرن» ـ أنهم يُجْرُون اختبارات للتأكد من أن انقطاعًا غير متوقع لعمل الحواسيب لن يؤثر على شبكة الإلكترونيات، والأنابيب الفراغية، والمغناطيسات فائقة التوصيل التي تشكل مصادم الهادرونات الكبير (LHC) بمختبر «سيرن»، أقوى مُعجِّل جسيمات في العالم.

هذا هو أحد الفحوص العديدة التي تساعد لامونت وزملاءہ على النوم بشكل أفضل ليلًا. إنهم على وشك الانتهاء من عملية تجديد رئيسة جارية منذ مارس 2013. لقد بدأوا بالفعل تبريد نفق المُعجِّل الدائري، البالغ طوله 27 كيلومترًا، ذي المغناطيسات فائقة التوصيل، استعدادًا لاستئناف نشاطه في العام القادم. وعندما يعود مصادم الهادرونات الكبير مرة أخرى إلى الحياة، ناشرًا شعاعيه التوأمين من البروتونات في اتجاهين متعاكسين حول النفق الدائري، سيبذل لامونت وزملاؤه غاية الجهد؛ للوصول إلى أقرب مستوى ممكن من طاقة تصميم المصادم القصوى البالغة 7 تريليونات إلكترون فولت (TeV) لكل شعاع بروتون، أي حوالي ضعف مستوى الطاقة الذي تمكَّن المصادم من الوصول إليه حتى الآن. ستبلغ طاقة كل شعاع مستوى طاقة قطار سريع لنقل البضائع. يعلم لامونت جيدًا ما يمكن أن يحدث إذا ساءت الأمور. كان هنا في سبتمبر 2008، عندما حاول الفريق آنذاك تكثيف طاقة المصادم البالغة كلفته 5 مليارات دولار نحو هذا المستوى من الطاقة، وانتهى الأمر بماس كهربي عطَّل المصادم عن العمل أكثر من سنة، وتكلف إصلاحه عشرات الملايين من الدولارات.

يقول لامونت: «لقد تعلمنا الكثير عن الجهاز منذ ذلك الحين». تمكَّن الباحثون من تدارك الأمر؛ وشغَّلوه مرة أخرى بحلول نهاية 2009، رغم أنهم شغلوه عند نصف طاقة تصميمه؛ لتجنب إغلاق آخر. كان ذلك كافيًا لتصادم شعاعين، وصولًا إلى دليل حاسم على وجود جسيم بوزون الذي تنبأ به هيجز وطال انتظاره (آخر تنبؤ نظري غير مؤكد لنموذج فيزياء الجسيمات المعياري البالغ عمره 40 عامًا، يصف سلوك كافة الجسيمات والقوى المعروفة، باستثناء الجاذبية).

ورغم كل الإشادة التي استقبل بها الإعلان عن إثبات جسيم هيجز في يوليو 2012 – ومَنْح جائزة نوبل لأول مَن تنبّأ بوجوده – يأمل الفيزيائيون تعلّم ما هو أكثر من ذلك من تشغيل المصادم في المرة القادمة. هل جسيم هيجز المكتشف حديثًا هو الجسيم الوحيد من نوعه، كما يتنبأ النموذج المعياري، أم أنه مجرد أخف عضو في عائلة بأسرها؟ إذا كان هناك المزيد من جسيمات هيجز، فقد تظهر في تصادمات ذات طاقات أعلى، أو ربما تنتج طاقات التصادم العالية جسيمات أخرى غريبة جديدة، لا مكان لها في النموذج المعياري.

توقَّع الفيزيائيون مثل هذه الجسيمات منذ عقود. والتناظر الفائق ـ وهو امتداد للنموذج المعياري الذي اقتُرِح لأول مرة في أوائل السبعينات الماضية ـ يذهب إلى أنه لكل جسيم نظير أثقل منه أو «سبارتكل» sparticle، أي «الجسيم الفائق»، وأن الاثنين يختلفان بطرق يمكن التنبؤ بها. قد يُظهِر واحد أو أكثر من هذه الجسيمات الفائقة أنه من مكونات المادة المظلمة – وهو ضباب غير مرئي، وضخم بما يكفي للسيطرة على حركة المجرات، لكنه غير معدود في النموذج المعياري. إنّ العثور على هذه الجسيمات الفائقة، بافتراض أنها ليست أثقل من أن تنتج عند مستويات الطاقة مصادم الهادرونات الكبير، سيكون بالتالي هدفًا رئيسًا لتجديد هذه الآلة الهائلة. بل وربما تُخرِج لنا نتائج أكثر غرابة، مثل الدليل على أبعاد المكان المجاوزة للثلاثة المألوفة، لكن ينبغي أولًا للامونت وفريقه تشغيل مصادم الهادرونات الكبير بكامل طاقته.


نَقْر، وأصوات خافتة

بعد الانتقال إلى مسافة قصيرة بالسيارة من مركز التحكم، ارتدى لامونت خوذة، وأحذية مغطاة بالصلب، ومعدات تنفس لحالات الطوارئ، ثم خطا إلى مصعد لرحلة تحت الأرض تبعد 100 متر. تفتح أبواب المصعد على ممر الخدمة. من هناك، مشية على الأقدام لمسافة قصيرة تؤدي إلى نفق مصادم الهادرونات الكبير، حيث تنتظم سلسلة أسطوانية زرقاء ساطعة من مغناطيسات تنحني بلطف مع امتداد المسافة.

وحتى بعد 25 عامًا من العمل في «سيرن»، يقول لامونت إنه لا يزال يشعر برهبة من قوة وتعقيد الجهاز. يبدو كما لو كان على بُعد سنوات ضوئية من الهدوء الذهني بغرفة التحكم. في الأسفل هنا، المصادم له طنين ونقر وأصوات خافتة، وتفوح من نفقه روائح المعدن والغبار والدوائر الكهربية الساخنة. تمسك بالمغناطيسات ـ البالغ طول أحدها 15 مترًا، ووزنها 35 طنًا ـ أعلى الأرضية الخرسانية رافعات عملاقة متينة، ومعبأة بشبكة أسلاك وأعمال سباكة (تمديدات) معقدة تغلف أنابيب شعاع البروتونات محكمة الإغلاق وتمر عبر مراكز المغناطيسات. ولتفادي ماس كهربي آخر، تم تزويد المصادم بأجهزة استشعار وآلاف الكيلومترات من الكابلات لاكتشاف أدنى مؤشر على زيادة الجهد الكهربي. بشكل حاسم، تم استبدال أو تعزيز 10 آلاف وصلة فائقة التوصيل تربط المغناطيسات. وهي مهمة تطلَّبت حوالي 250 شخصًا لأكثر من سنة؛ لاستكمالها.

كبر الصورة


منذ يونيو الماضي، شرع الفريق بتبريد المغناطيسات؛ وصولًا إلى درجة حرارة تشغيلها البالغة 1.9 كلفن، حيث تصبح الكابلات حاملة التيار المولدة للمجالات المغناطيسية فائقة التوصيل. وللحفاظ على سلاسة وانقياد هذه العملية، تم تقسيم النفق الدائري للمصادم إلى ثمانية أقسام، يمكن تبريد كل منها بشكل مستقل. وبمجرد تبريد المغناطيسات، الذي يستغرق شهرين لكل قسم، سيجري الفريق اختبارات كهربية؛ للتأكد من إمكانية تشغيلها عند طاقة عالية. يعلم لامونت مسبقًا أن الأمور لن تسير بسلاسة. فهناك مجموعة مغناطيسات تؤدي عملها بشكل تام في الاختبارات فوق سطح الأرض، لكن ـ لسبب ما ـ «تخمد»، أو تفقد قدرتها التوصيلية الفائقة عند بلوغها مجالات مغناطيسية تكافئ طاقات شعاع (بروتوني) بمستوى 6.5 إلكترون فولت تقريبًا. يقول لامونت إن هذه ليست كارثة.. فإصلاح المغناطيسات هو مجرد مسألة تدوير كل واحد منها خلال عدة تبريدات، حتى يستقر ويعمل بشكل صحيح. لكنه يستغرق وقتًا طويلًا «وهناك المئات من المُلِحِّين المزعجين!».

في نهاية المطاف، على أي حال، يمكن نَظْم شعاع البروتون مرة أخرى، عبر مصادم الهادرونات الكبير، وهو مرحلة مقرَّر إجراؤها في مارس 2015. وبعد أسابيع قليلة أخرى من التجارب والاختبارات، يبدأ الفيزيائيون توجيه الشعاعين إلى التصادم، والتأكد من أن بدء الكاشفات بجمع البيانات مسألة آمنة.

هناك رائحة خافتة لاحتراق في النفق. يشرح لامونت أنه يتم تسخين أنبوبة فراغية لإبعاد الجزيئات الشاردة. يمضي لامونت متجاوزًا المغناطيسات إلى نقطة حيث يغوص خط الشعاع العاري عبر جدار ضخم من النحاس والصلب. على الجانب الآخر، يقع «أطلس» ATLAS، أحد أربعة كاشفات رئيسة عن الجسيمات في مصادم الهادرونات الكبير (انظر: «الحلقة المُجدّدة»). وقريبًا، سيتم إطلاق حزم من البروتونات عالية الطاقة بعد هذه النقطة إلى «أطلس»، حيث إنها ستصطدم ببروتونات بالمستوى نفسه من الطاقة، تدور في الاتجاه المضاد وترسل حطام الاصطدام متدفقًا إلى الخارج عبر الكاشفات. يقول لامونت: «أفكر: يا إلهي، أيتيحون لنا توجيه شعاع من هنا؟ ما زلت لا أستطيع تصديق أنني أتلقَّى مالًا مقابل العبث بهذا الشيء».


تحديث المنظومة

على بعد حوالي 8.5 كيلومترات من «أطلس»، على الجانب الآخر من نفق المصادم الدائري، يحدق تيزيانو كمبوريسي في كاشف الجسيمات الهائل المسمى «ملف ميون اللولبي المدمج» (CMS) الذي يزن 12500 طن، مندهشًا من جرأة الفيزيائيين الذين صمموه منذ 30 عامًا. يقول كمبوريسي «لا بد أنهم كانوا مجانين». هذه الآلة المكونة من أسطوانة ضخمة بطبقات متحدة المركز من حساسات سيليكون للجسيمات، ومغناطيسات فائقة التوصيل، ومشابك حديد ضخمة؛ لاحتواء المجال المغناطيسي، أعلن كثير من الناس أنها أعقد مِن أنْ تعمل بنجاح، لكنها عملت بنجاح، كما يقول كمبوريسي، بل «أفضل بكثير مما كنا نتوقع». كان «أطلس» و«ملف ميون اللولبي المدمج» الكاشفين اللذين تعرّفا على جسيم بوزون هيجز في عام 2012.

ينسق الآن كمبوريسي ـ الذي انتُخب متحدثًا باسم فريق مشروع «ملف ميون اللولبي المدمج» التعاوني الدولي، البالغ عدد أفراده 3800 شخص منذ أشهر ـ أنشطة تجربة العام القادم عالية الطاقة. ويُجرِي أعضاء فريقه ـ كأولئك العاملين بكافة التجارب الرئيسة لمصادم الهادرونات الكبير (تشمل أيضًا الكاشفين «أليس» ALICE، وLHCb الأكثر تخصصًا، ويقعان بأماكن أخرى حول النفق الدائري) ـ بعض الإصلاحات والتحسينات التي تشتد الحاجة إليها خلال فترة التوقف. كان لديهم نبأ سار، يشير إلى أن متتبعات الاستشعار السيليكونية الحساسة في المنطقة الوسطى من الكاشف، حيث تتقاطع الحزم وتنفجر الجسيمات التي نشأت حديثًا من نقطة الاصطدام إلى الخارج، نجت حتى الآن، دون أضرار من الإشعاع، لكن الفيزيائيين بـ«ملف ميون اللولبي المدمج» استبدلوا أنابيب جديدة بأنابيب مضخمات ضوء معيبة تعطي نتائج خاطئة، مما يظهر أن جسيمًا جديدًا مثيرًا قد نتج، وهو ما لم يحدث.

وكمبوريسي فخور بشكل خاص بأربع حجرات على شكل أقراص تضاف لنهايات «ملف ميون اللولبي المدمج» لتحسين قدرته على الإحساس بجسيمات تسمى «الميونات». هذه التحسينات، بدورها، ستعزز «زناد» الكاشف.. وهو مزيج من إلكترونيات وبرمجيات، من شأنها رصد الجسيمات المتدفقة خلال الكاشف من التصادمات، والبحث عن أنماط تشير إلى حدث يستحق مزيدًا من الدراسة. يقول كمبوريسي إن الفيزيائيين قد استخدموا هذه «الزنادات»، لكن تجربة مصادم الهادرونات الكبرى القادمة لن تعزز فقط طاقة كل شعاع، بل أيضًا ستزيد عدد البروتونات التي يحملها. وستكون النتيجة بين مليار وملياري تصادم كل ثانية لدى «ملف الميونات اللولبي المدمج». والجسيمات الناجمة عن تصادم واحد ستظل تشق طريقها للخروج من الكاشف، بينما يحدث خلفها نحو 50 تصادمًا جديدًا. من كل تلك الأحداث، يجب على «الزناد» أن يقرر أيّ الجسيمات سيخزِّن لمزيد من التحليل. والهدف هو خفض معدل الأحداث المسجلة النهائية لعدة مئات في الثانية الواحدة. يقول كمبوريسي: «إن ذلك يشغل الكثير من وقتنا الآن».


تحديات طوفان البيانات

بمجرد إعادة تشغيل مصادم الهادرونات الكبير بعد تجديده، تتدفق الإشارات الإلكترونية الخام من كاشف «ملف ميون اللولبي المدمج»، وكاشفات أخرى، تتدفق إلى مقر مختبر «سيرن» الرئيس عبر ألياف ضوئية تصل مباشرة إلى مركز الحوسبة بالمختبر – وهو حجرة خانقة بلا نوافذ، تحمل رفوفها صفًّا تلو آخر نحو 100 ألف معالج حاسوبي، وهناك مراوح تبريد تعمل بشكل صاخب؛ للسيطرة على الحرارة.

ستحلل المعالِجات البيانات الواردة باستخدام لوغاريتمات تحدد هوية وطاقة واتجاه كل جسيم ناشئ عن كل تصادم. وبعد ذلك.. يتم تخزين النتائج على شريط مغناطيسي – وسط قديم الطراز، له ميزة كونه أرخص تكلفة، وأطول عمرًا من التخزين الرقمي، لكن مجرد تخزين المعلومات في «سيرن» لن يشبع شهية الباحثين، التي لا تشبع من المعلومات. يقضي علماء فيزياء الجسيمات حاليًّا معظم وقتهم في كتابة آلاف السطور من شفرات البرمجيات الحاسوبية المصمَّمة للبحث عن ملايين التصادمات؛ للعثور على إشارات غير عادية. ولتوصيل البيانات إلى هؤلاء الباحثين، أقام مختبر «سيرن» شبكة حوسبة عالمية (WWG)، حيث يرسل مركز الحوسبة نُسَخًا من البيانات إلى 13 مركز حوسبة من «الطبقة 1» بمختلف أنحاء العالم. وبدورها، ترتبط هذه المراكز بأكثر من 150 مجموعة حوسبة أصغر تُسمى عناقيد «الطبقة 2»، معظمها بالجامعات.

«أفكر: يا إلهي، أَيُتِيحُون لنا توجيه شعاع من هنا؟ ما زلت لا أستطيع تصديق أنني أتلقى مالًا مقابل العبث بهذا الشيء».

ومِن حُسن طالع المستخدمين النهائيين أنهم لا يحتاجون إلى معرفة أي شيء عن هذا. وعلى الفيزيائي أن يقدِّم فقط برنامجًا إلى الشبكة، ويحدِّد أي أحداث تصادم ينبغي بحثها، ثم تحول برمجيات شبكة الحوسبة العمل تلقائيًّا إلى مركز حوسبة لديه ما يكفي من قوة المعالجة الحاسوبية وسعة كافية للتشغيل، ثم تعيد النتائج للفيزيائي (انظر: Nature 469, 282–283; 2011). في هذا اليوم بالذات بمركز حوسبة «سيرن»، أظهرت شاشة حاسوبية شغالة أن هناك 10,500 برنامج حاسوبي قيد التشغيل في هذا المرفق وحده، أي ما يمثل %6 فقط من موارد الشبكة. يقول جيرمي كولز، الفيزيائي بجامعة كامبردج ببريطانيا ومنسق الشبكة هناك: لولا شبكة (سيرن) الحاسوبية هذه، لربما كان زملاؤه لا يزالون يبحثون عن بوزون هيجز.

يقول كولز إن التحدي المستقبلي هو التعامل مع معدلات أحداث التصادمات القادمة ذات الأرقام الفلكية. وأثناء أول تشغيل للمصادم، ورغم التشذيب المفرط للبيانات بواسطة «زنادات» الكاشفات، تظل البيانات تتراكم بمعدل 15 بيتابايت (15 ألف تريليون بايت) سنويًّا، أي ما يتجاوز جميع الفيديوهات التي يتم تحميلها على يوتيوب سنويًّا. وعند استئناف تشغيل المصادم مرة أخرى في العام المقبل، سوف تؤدي مضاعفة معدلات التصادم لما يصل إلى حوالي 30 بيتابايت سنويًّا (في المتوسط حوالي جيجابايت واحدة في الثانية الواحدة).

إنّ كولز واثق من قدرة الشبكة على مواجهة هذه الزيادة، على الأقل بسبب تطورات تقنية أتاحت تكاملًا أوثق بكثير بين مراكز الحوسبة، إذ يقول: «لقد حقق التشبيك الحاسوبي تقدمًا بسرعة كبيرة في السنوات العشر الماضية، وبأكثر مما كنا نعتقد». فمثلًا، في العام الماضي فقط، وسَّع «سيرن» قدرة مراكز البيانات، التي هي في حدود المساحة وقوة المعالجة الحاسوبية المتاحة، من خلال ربطها بمنشأة في بودابست عبر اثنتين من الألياف التي تنقل البيانات بسرعة 100 جيجابايت في الثانية الواحدة. من وجهة نظر العمليات، يقول كولز: «تبدو تلك الأجهزة كما لو كانت بغرفة مجاورة»، بيد أن طوفان البيانات لم يتوقف هناك. ستسفر الترقيات والتحسينات المخططة لمصادم الهادرونات الكبير عن بيانات هائلة تصل إلى 110 بيتابايت سنويًّا في العقد القادم، وبنهاية المطاف، ستصل إلى 400 بيتابايت سنويًّا. يقول كولز «لا توجد طريقة لدينا حاليًّا للتعامل مع هذه المشكلة». هذا.. ويفاقم ركود سرعات الرقائق الحاسوبية المشكلة. وأفضل الرقائق الحاسوبية المتاحة الآن تجاريًّا غالبًا ما يحتوي على معالجين، أو أربعة أو ثمانية، لتعزيز القدرة على المعالجة الحاسوبية. يُرَجَّح أن يكون في رقائق الحاسوب المستقبلية معالِجات أكثر، لكن الشفرات البرمجية التي تشغل المصادم كُتبت بحيث ينفذها معالج حاسوبي واحد كل مرة، كما يقول كولز. والتوصل إلى طرق لإجراء تحليل بيانات على معالجات عدة بالتوازي يعني إعادة كتابة 15 مليون سطر من كود كتبه آلاف الأشخاص على مدى سنوات عديدة.

وعندما احتاج الفيزيائيون في «سيرن» طريقة أفضل لمشاركة المعلومات في أواخر الثمانينات، كانت النتيجة شبكة «الإنترنت» العنكبوتية العالمية (WWW). وعندما احتاجوا إلى طريقة أفضل للوصول إلى الموارد الحاسوبية في التسعينات، اخترعوا أكبر شبكة إلكترونية في العالم. يبدو علماء مصادم الهادرونات واثقين مِن أنهم سيبتكرون طريقة للتغلب على هذه المشكلة أيضًا.

يبدو أن لامونت هو الآخر يشعر بالثقة حين يتحدث عن «المصادم الكبير المقبل» لفيزياء الجسيمات. ورغم أن «سيرن» احتفل للتو بالذكرى الستين لتأسيسه، ولا تزال أمام «مصادم الهادرونات الكبير» 20 عامًا أخرى من تجارب تصادم البروتونات، يدرس مختبر «سيرن» جدوى إنشاء مصادم يبلغ محيط نفقه 80-100 كيلومتر للغوص بشكل أعمق في بنية المادة (انظر: Nature 503, 177; 2013). يقول لامونت إنه سيكون محظوظًا لرؤية مثل هذا الجهاز الهائل يُبنَى في حياته، لكنه يشير إلى أن «مصادم الهادرونات الكبير»، الذي أصبح على الإنترنت لأول مرة عام 2008، قد رُسمت ملامحه أول مرة في عام 1984. يقول لامونت: «علينا أن نبدأ في التفكير في الجهاز القادم من الآن».