أخبار

جـائـزة خـلايـا المكـان

مكتشفو نظام الملاحة الدماغي يفوزون بجائزة «نوبل» للطب.

  • آليسون آبوت
  • إيوين كالاواي
  • Published online:

«جون أوكيف» الفائز ـ بالمشاركة ـ بجائزة نوبل لعام 2014.

«جون أوكيف» الفائز ـ بالمشاركة ـ بجائزة نوبل لعام 2014.

David Bishop/UCL

آلت جائزة نوبل في الفيزيولوجيا أو الطب لعام 2014 إلى ثلاثة علماء، بفضل اكتشافهم خلايا دماغية تُعَدّ بمثابة معادل بيولوجي لنظام الملاحة بالأقمار الصناعية. سلّط اكتشاف هذه الخلايا الضوء على واحدٍ من أكثر ألغاز العلوم العصبية تعقيدًا، ألا وهو (كيف نعرف موقعنا في حيز محدد؟).

مُنحت الجائزة مناصفةً لكل من جون أوكيف، العالِم في كلية لندن الجامعية عن اكتشافه في عام 1971 لما يسمى بخلايا «المكان» في الحصين، وهو جزء من الدماغ، ترتبط وظيفته باختزان الذاكرة، وللزوجين إدفارد وماي بريت موزر، اللذين يديران معًا مختبرًا في معهد كافلي لأنظمة العلوم العصبية في جامعة تروندهايم (النرويج)، وذلك عن السبق العلمي الذي حققه هذا الثنائي في 2005 باكتشافهما ما يُعرف باسم الخلايا «الشبكية» في بنية دماغية مجاورة، تُسمى بالقشرة الشمية الداخلية. وإضافة إلى الخلايا الملاحية الأخرى، تمكِّن الخلايا الشبكية وخلايا المكان الحيوانات من تذكُّر مكانها. وقد اكتُشف كلا النوعين من الخلايا لدى الجرذان، كما اكتُشفا لدى البشر أيضًا منذ ذلك الحين.

يصرح توبياس بونهويفر، مدير معهد ماكس بلانك للأحياء العصبية في مارتنسريد (ألمانيا) قائلًا: «يُعَدّ إدراكنا لموقعنا في حيزٍ ما أمرًا جوهريًّا للبقاء».

يقول عالِم الأعصاب بوتوند روسكا، الباحث في معهد فريدريك ميشر للبحث الطبي الحيوي في مدينة بازل (سويسرا): «قد تكون هذه الاكتشافات هي المفتاح للإجابة على السؤال الأوسع حول كيفية إدراك الدماغ للعالَم من حوله. لقد غيّر هؤلاء العلماء الثلاثة بفكرهم العميق طريقتنا في التفكير بالدماغ».

شكَّك معظم علماء الأعصاب سابقًا في إمكانية ربط النشاط الدماغي بالسلوك، بيد أن أوكيف شرع في أواخر الستينات بتسجيل إشارات من خلايا عصبية منفردة في دماغ جرذان تتحرك بحُرِّيَّة في صندوق. وضع هذا الباحث أقطابًا كهربائية في الحصين، وذُهل عندما اكتشف نشاط الخلايا الفردية عند انتقال الجرذان إلى مواضع محددة. وبذلك استنتج أن الذكريات المرتبطة بمحيطٍ ما قد تختزن كمجموعة معينة من أنشطة خلايا المكان في الحصين (J. O’Keefe and J. Dostrovsky Brain Res. 34, 171–175; 1971).  يقول أوكيف: «أدركت أنك إن جمعتها معًا، فمن الممكن أن تحصل على شيء أشبه بالخريطة».

بحلول التسعينيات، استأثر عمله باهتمام الثنائي موزر اللذين كانا وقتها طالبيّ الدكتوراة في جامعة أوسلو؛ فسارعا إلى الانضمام إليه في لندن؛ لإجراء أبحاثهما بعد الدكتوراة، ولكنهما انتقلا في غضون أشهر قليلة إلى الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا في تروندهايم؛ لتأسيس مختبرهما الخاص، حيث اكتشفا هناك أن بعض الخلايا في القشرة الشمية الداخلية تنشط عندما تعبر الجرذان أضلاع شبكة سداسية الشكل. اكتشفا أن الدماغ يستخدم هذا النموذج كنظام إحداثي للملاحة المكانية (T. Hafting et al. Nature 436, 801-806; 2005). يشكل النموذج ما يُعرف باسم الرمز العصبي. وهو النموذج الوحيد المعروف الذي يُنتج بشكل كامل في الدماغ؛ ليكون بذلك معلمًا للعلوم العصبية الحسابية.

تتمتع خلايا المكان وخلايا الشبكة بأهمية عملية. وتؤثر المراحل المبكرة من مرض الزهايمر على القشرة الشمية الداخلية، ويتمثل أحد أعراضه الأولى في نسيان المريض لوجهته. يتطور المرض؛ ليدمر الحصين، ويسلب المرضى ذاكرتهم. يقول ريتشارد موريس، الباحث في علوم الذاكرة في جامعة أدنبرة (بريطانيا): «تُعَدّ هذه الدراسة مثالًا يحتذى حول الطريقة التي يمكن بها لبحث رئيس كهذا أن يساعدنا على فهم مثل هذه الأمراض المدمرة فهمًا عميقًا؛ كي نتمكن من إيجاد العلاجات الملائمة لها».

كانت ماي بريت تترأس اجتماعًا للمختبر، عندما تلقَّت اتصالًا من لجنة جائزة نوبل في ستوكهولم، حيث أعربت العالمة لـNature عن فرحتها قائلةً: «ترددت في الإجابة على الاتصال»، وأردفت ضاحكةً «ولكنني أجبت، ولم أصدق نفسي، لدرجة أنني بكيت من شدة فرحي» في حين أن فرحة إدفارد تأجلت، إذ كان يستقل طائرةً في طريقه إلى ميونيخ في ألمانيا، عندما تلقَّت زوجته الاتصال. سمع أوكيف بنبأ فوزه أثناء عمله على مراجعة إحدى المنح في منزله، وأعلن عن سعادته أمام جمع من الصحفيين وكاميرات التليفزيون في مؤتمر صحفي في العاصمة الإنجليزية لندن، قائلًا إنه «سعيد ومبتهج للغاية».

وصف الزوجان موزر ذات مرة تجربتهما في مختبر أوكيف قائلَين: «لربما كانت التجربة التعليمية الأكثر زخمًا في حياتنا». وكان لأوكيف رأي مماثل، صرَّح به قائلًا: «كانت تجربة ذات زخم، لأنهما عالمان نشيطان ومتفوقان أيضًا».